ملف| عزف الكمان بين عبده داغر والألماني ديفيد أويستراخ

«موسيقار من أمة القرآن يتنفس أرواح العملاقة العظام مثل، أويستراخ وباخ وهاندل وفيردي الملحنين الأعظم في العالم».. تصدر هذا الوصف الصحف الأوروبية في عام 1992، بعدما قدم الموسيقار الراحل عبده داغر، الذي توفي أمس عن عمر ناهز 85 عاما، أولى حفلاته الموسيقية خارج مصر، ليستطيع بطريقة «السهل الممتنع» والتنقل بين المقامات الموسيقية ببراعة تغيير تقييم الغرب للموسيقى العربية ووصفها بـ«النشاذ» إلى الإشادة بها والمطالبة بتعلمها على يده.

منزل موسيقي

تشابه شديد ومفارقات بين حياة عبده داغر (9 نوفمبر 1936 – 10 مايو 2021) والعازف الألماني «ديفيد أويستراخ» الملهم الأول لداغر، كلاهما كان ابن لأب موسيقي يمتلك محل لبيع الآلات الموسيقية، ولكن الفارق هو دعم والد ديفيد لموهبته وإصرار والد داغر المستمر للتوقف عن ممارسة العزف.

ووفقا لـ«قسم الفنون والثقافة في مقاطعة لوس أنجلوس»، نشأ عبده بين الآلات الموسيقية في محل والده لتصنيع وبيع الآلات والاسطوانات الموسيقية، جذبه العزف على العود ورغم رفض والده وضربه المستمر لسلك طريق آخر بخلاف الموسيقى، تعلم داغر بمفرده العزف على العود، حتى استمع في مرة عندما كان في السابعة من عمره إلى موسيقى الكمان المسجلة على اسطوانة في ومحل والده، لعازف أجنبي شهير متخصص لم يعرف إلا اسمه «ديفيد أويستراخ».

جذبه عزفه لعدة أعوام، حتى تعلم بالسمع فقط العزف على الكمان، وفي غضون أربع سنوات انطلق للعمل في موالد طنطا، كبداية محمد فوزي الذي كانت تسكن زوجة والده بجوار منزل عبده داغر، وكان الاختلاف أن «إيجور أويستراخ» والد ديفيد، كان عازف كمان ساند ابنه لتحقيق حلمه في العزف.

الأصابع الذهبية

كرس ديفيد (17 سبتمبر 1908 – 24 أكتوبر 1974) حياته كلها للعزف فقط بمساعدة مادية من والده في البداية، أما عبده فالفترة القصيرة التي تعلم فيها العزف على الكمان كانت وسيلته لكسب المال في فترة المراهقة، منتقلا إلى مدينة الفن والفنانين كما كان يُطلق عليها، وجاء إلى القاهرة حاملا الكمان معه، ليبدأ عمله في متجر لتصنيع الآلات الموسيقية، حتى حصل على لقب «صاحب الأصابع الذهبية» وذاعت شهرته وبراعته رغم صغر سنه في تصنيع الآلات الموسيقية.

رابط لعزف ديفيد:

https://www.youtube.com/watch?v=SKd0VII-l3A

وبعد هذه الشهرة، رشحه أحد الأغنياء الذي تعامل معه خلال وجوده في المتجر للعزف في فرقة، وبالفعل تم اختياره كعضو في أوركسترا عربية شهيرة مشابهة لتلك المصاحبة لأم كلثوم، عام تلو الآخر حتى بزغ نجمه بين العازفين في مصر رغم عدم تعلمه الموسيقى بشكل أكاديمي، وكان العزف لديه موهبة بالفطرة، كما قال في حوار تليفزيوني قديم.

ديفيد أويستراخ

«الكمان آلة معبرة» هذا ما شعر به كل من ديفيد أويستراخ الشرقي، وعبده داغر العربي، والقدرة على التعبير نفسها هي التي جعلت داغر يحترف العزف على الآلة بالفطرة وخلال فترة قصيرة عبر سماع اسطوانات أويستراخ.

سار داغر طوال هذه السنوات على نهج عازف الكمان الألماني “ديفيد أويستراخ”، وكان يحتفظ باسطوانات الموسيقى الخاصة به ويتعلم منها “التكنيك” الذي كان يتبعه في العزف حيث ظهر كعازف منفرد في بدايته، مما ساعد في انتشار ألحانه حاملة اسمه فقط.

بين الإصرار والتحدي، لم يفارق حلم الوصول إلى العالمية ذهن داغر، الذي قرر الاستماع إلى ألحان عازفي كمان آخرين، ليعرف ما يميز كل منهم، ووجد أن أويستراخ يتبع منهج خاص به ابتكره، الذي جعله أحد أعظم عازفي الكمان في عصره، حيث تعاون أويستراخ مع فرقة موسيقية كبيرة شملت العديد من الموسيقيين من أماكن كثيرة حول العالم، ومنهم أبرز العازفين في القرن العشرين مثل “ديمتري شوستاكوفيتش” و “كونشيرتو” و “آرام خاتشاتوريان”.

حلم العالمية

تم اختيار عبده كعضو في فرق أوركسترا عربية شهيرة مثل تلك المصاحبة لأم كلثوم، وفي الستينيات، ساهم في تأسيس «فرقة الموسيقى العربية» التي اقتصرت على العزف المحلي فقط، وسجل مع الموسيقيين الأكثر شهرة في مصر في القرن العشرين، مثل أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب خاصة بعد تدشينه فرقة موسيقى لإحياء التراث الموسيقي بتمويل من وزارة الثقافة.

فكر داغر في تدشين الفرقة الخاصة به على غرار فرقة «ثلاثي أويستراخ» وهي الفرقة التي دشنها أويستراخ برفقة اثنين من عازفي الكمان وهما “أوبورين” وعازف الكمان الفرنسي “جاك تايبود”، ولكنه كان بحاجة إلى منهج خاص ينفرد به دون الحاجة للجوء إلى تقليد تكنيك ديفيد.

ووفقا لموقع شركة «آد فيتام» الفرنسية للتسجيلات، عقد داغر مقارنة بين الموسيقى الشرقية، والعربية، متخذا قرار بضرورة وجود المنهج الخاص به وكذلك ضرورة أن يكون مصري، فاستوحى تكنيك العزف من المبتهلين والمقرئين بعيدا عن الاتجاه الألماني، ومن خلال هذا التكنيك بمقام الكرد، أطلق منهج موسيقي كان جواز سفره للعالمية.

ملك التقاسيم

دشن الفنان الراحل فرقة تحمل اسمه، جابت العديد من البلاد حول العالم، وعزفت فرقة عبده داغر الموسيقى الشعبية والتقليدية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الأعمال الأصلية لعبده داغر، المصاحبة للأسطورة كوكب الشرق أم كلثوم، وحرصت الفرقة بقيادته على تقديم الألحان المصرية الصوفية المستوحاة من التراث المصري في الولايات المتحدة لتعريف الجمهور الأمريكي بالتراث الموسيقي والثقافي العربي الغني، باستخدام هذه الآلات، الكمان والعود العربي والرق والدف، وآلة القانون الموسيقية.

رابط لعزف عبده داغر:

https://www.youtube.com/watch?v=hd3HYUqg3BI

لم يكن حتى عام 1992 قد بدأ في تقديم مؤلفاته في حفلات موسيقية خارج مصر، حتى انطلق بموسيقاه المميزة في ألمانيا والنمسا وسويسرا وهولندا وفرنسا وإيطاليا وبلغاريا وقطر، وعقد ورش عمل حول العزف على الكمان العربي وتدريب الموسيقيين في الخارج، وحاز على لقب «ملك التقاسيم» ورغم امتلاكه لثروة موسيقية ثرية إلا أنه لم يجد أبدا القراءة أو الكتابة الموسيقية.

أسلوبه الشخصي، وتقنيته ومهاراته كمؤلف موسيقي إلى جانب إحساسه الفطر بالارتجال جعلته فنانا مشهورا على الصعيد العالمي، و خلال جولاته في الولايات المتحدة، تم إصدار كتاب موسيقي يحمل اسمه «عبده داغر – فن الموسيقى المصرية الحديثة العربية الصوفية»، ويضم ألحانه المميزة باستخدام التدوين الغربي الكلاسيكي، والكتاب الذي يصل ثمنه إلى 20 دولارا مقسم إلى 6 حركات موسيقية منفصلة.

اقرأ أيضا

ملف| ذكريات آخر أعضاء فرقة الموسيقار عبده داغر: عزفنا لأم كلثوم معا

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى