ملف| الحسين سجينا: هل تخرج القاهرة من قائمة التراث العالمي؟

أزمات مستمرة باتت تعيشها مدينة القاهرة التاريخية. حيث اتخذت الحكومة مؤخرا خطوات جادة لإنقاذ المدينة، وهي الخطوة التي رحب بها كثير من المختصين  بالتراث؛ إلا أن هذا الترحيب شابته الكثير من التخوفات مع بداية التنفيذ الفعلي للمشروعات.

بدأت المشروعات ترى النور. إذ افتتح مسجد الحسين بعد ترميم وتوسعة الأجزاء الداخلية والخارجية للمسجد في 21 يوما!، ومع انتهاء تنفيذ المشروع استنكر المختصين العملية التي وصفوها أنها عملية “تدمير”، وفصل للمحيط العمراني للمسجد وعزله عن المدينة القديمة. وهي الخطوة التي ندد بها أيضا جميع المهتمين بالتراث؛ إذ أجمعوا أن الأزمة ستظل مستمرة طالما لم يتم الاستعانة بأصحاب الخبرات، كما أشاروا إلى أن استمرار الوضع الراهن بات يهدد المدينة المسجلة على قائمة التراث العالمي.

هنا نتحدث مع أبرز المختصين في عملية صون وحفظ الآثار والتراث، وكذلك خبراء التخطيط العمراني، الذين قدموا لنا بدورهم رؤيتهم للوضع الراهن حول مدينة القاهرة. وكذلك تحدثوا معنا بدورهم عن فكرة “الفراغ العام” ونشأتها داخل المدن.

تخطيط الفراغات العامة

الدكتور نزار الصياد، أستاذ التخطيط العمراني وتاريخ المدن بجامعة كاليفورنيا بيركلي، تحدث معنا حول الأمر. إذ أصَل لفكرة الفراغ العام ونشأته في المجتمعات العربية وتحديدا القاهرة. فهو يرى أن هناك أشياء يجب أن توضح حين نضع أي سؤال حول المدن؛ وهو النطاق الحضاري، والإنساني، والتاريخي للمكان، بصفة عامة داخل بعض المدن العربية، والتي ينعتها البعض باسم “إسلامية”.

يضيف: إذا ما نظرنا للمدن العربية، والقاهرة تحديدا سنجد أن فكرة الفراغ العام بداخلها لم يكن موجودا أصلا إذا ما نظرنا إليها تاريخيا، فالقاهرة الفاطمية مثلا كان يوجد بها ميدان عظيم وهو ميدان “بين القصرين” لكن هذا الميدان لم يكن ميدانا للعامة أصلا. فقد كان ميدان خاص؛ أي عبارة عن فراغ تدخله فقط العائلة الحاكمة، ومن يتبعهم. وقد أنشئ في الأصل كفراغ لاستعراض الجند داخل القاهرة. إلا إنه تحول في النهاية لفراغ عام، وتحديدا عندما فتح صلاح الدين الأيوبي القاهرة الفاطمية لسكان الفسطاط، لكن في نهاية الأمر تحول الفراغ هذا بطريقة عشوائية شبيهة بالعشوائيات الموجودة اليوم. لكن الفارق أن هذا الفراغ بدأ منذ البداية بطريقة عشوائية حين فتح صلاح الدين القاهرة للعامة ولسكان الفسطاط؛ لكن حين جاءت المماليك البحرية والبرجية، أدركوا أن هذا الموقع تحديدا هو موقع مهم جدا. وهنا بدأوا في عملية تشييد بنايات منسقة للغاية في الموقع، بدلا من العشوائية التي كانت سائدة. وهنا تم بناء مدرسة الصالح نجم الدين في عهد الأيوبيين، ثم قلاوون، ثم الناصر محمد، ثم برقوق، وكذلك خانقاه بيبرس وصولا إلى محمد علي الذي بنى سبيل بالموقع.

وتابع: لذلك عندما نفكر في فكرة الفراغات العامة داخل دولة مثل مصر، فقد نشأت في البداية بغير تخطيط. لكن ما يهمنا هو أن الفراغات العامة حين نشأت أصبحت مهمة جدا وضرورية للحياة الاجتماعية داخل المدينة. فأصل الفراغات العامة داخل القاهرة لا يدل على أهميتها، لكن معظم المدن الشبيهة بالقاهرة أصبح فيها “ميدان” وكان يسمى باسم “الرحبة” وأحيانا أخرى كانت تسمى باسم “رحبة العيد”. إذ إن القاهرة كان بداخلها العديد من الرحبات فمثلا كانت موجودة عند “باب زويلة” وكذلك عند “باب الفتوح” وداخل القاهرة نفسها كانت تتواجد رحبة عيد بجانب الجامع الأزهر.

رئة المدينة

ويقول الصياد: “لكن ما حدث أنه حين جاءت الحداثة أتت معها بفكرة الميادين، وهي فكرة أوروبية بطبيعة الحال. ففكرة إنشاء ميادين داخل القاهرة، كان معناها أنه لابد من عملية “حفر” في النسيج العمراني لخلق فراغ يستعمله الناس. وهذا يرجعنا إلى ما حدث في منطقة بين القصرين في باديء الأمر. ثم بعد ذلك الفراغ الذي أحدثته لجنة حفظ الآثار العربية، أمام باب زويلة على سبيل المثال حين قرروا نقل زاوية فرج بن برقوق لعمل توسيعات في الشارع فعملية النقل هذه أحدثت فراغ عام داخل المنطقة. وهذا الأمر نفسه حدث أمام مسجد الحاكم. وكذلك الفراغ الذي خلقوه عندما فتحوا شارع بيت القاضي”.

وتابع: هذه الفراغات أصبحت هي الرئة لمدينة لا توجد بداخلها أية فراغات أساسا، ولا خضار؛ لذلك فالحداثة كما ذكرت هي من جلبت الفكرة داخل المنطقة. وهذه الفراغات العامة أصبحت ضرورية جدا بالنسبة لسكان المنطقة، وفراغ مسجد الحسين له تاريخ طويل. فقد بدأ تأريخ المدينة خلال فترة عليّ مبارك، ومحمد عليّ. ومع الأعمال التي نفذت في شارع “السكة الجديدة” الذي أصبح فيما بعد باسم شارع “جوهر القائد”. ثم بعد ذلك شارع الأزهر، وقد أزيلت الكثير من البنايات لعمل مثل هذه التوسعات.

واستكمل: ومع بداية القرن بدأت فكرة وضع مناطق خضراء داخل حيز المدينة، وهي فكرة لم تكن نابعة عن المدينة نفسها، لكنها جاءت من فكرة “حداثة المدينة”. فأول أشجار زرعت داخل المنطقة، كانت مجموعة النخل الموجودة في الساحة الأمامية لمسجد الحسين. لكن ما حدث مؤخرا أنه قد تم الاستيلاء على هذا الفراغ وضمه للجامع، ونحن لا نعرف من وراء تلك الفكرة، ولم يجب علينا أحد. فهل المسؤول عنها المحافظة التي ربما رأت أن هذا المكان يمكن استغلاله وضمه للمسجد. أم المسؤول عنها هم ممولي المشروع. أم أن الجهة المنفذة تأثرت بما حدث في الحرم الشريف، منذ 50 سنة؟! لذلك أرى أن ما حدث هو استنساخ لما جرى في السعودية. فحتى الرخام الموجود في الساحة جرى تقليد السعودية فيه.

فراغ ديني

يتساءل الصياد ويقول: “هل يعقل أن يتم تركيب رخام في بلد درجة الحرارة فيها تصل لـ43 في فصل الصيف؟”. فالسعودية حين نفذت الفكرة، وضعت أسفل الرخام نظام مكيفات كامل كي لا يؤذي أقدام المارين من خلاله. أما ما حدث عندنا أن الأمر تم بدون أي عملية تخطيط، لأن المارين بالساحة الرخامية الجديدة سوف يتأذون حين يمروا على الرخام خلال فصل الصيف. وهذا أمر كان من المفترض مراعاته، فتاريخيا نجد أن الجوامع حين يدخل إليها المصلون كانوا يمرون عبر الصحن مثل: جامع “المؤيد” أو “ابن طولون”، لم يكن أحد يخلع الحذاء داخل منطقة “الصحن” لكن حاليا “الفراغ” أصبح له باب. وهذا الباب ألحق بالمسجد بشكل كامل، وسيضطر الناس لخلع أحذيتهم لدخول “الفراغ” وليس “المسجد”، وهذه أمور لم يتم مراعاتها أبدا في المشروع الحالي”.

أما الآخر الذي أعتبره “كارثة”، هو أنه قد تم تحويل الفراغ “العام” لفراغ “ديني”. في وقت تنادي فيه الدولة بضرورة تجديد الخطاب الديني أصلا، فبدلا من تحجيم الخطباء، كافأناهم بأن أعطيناهم نسبة فراغ أكثر كي يلقوا خطبهم الدينية داخلها، وهذه أمور مرفوضة بطبيعة الحال.

خصخصة الفراغ العام

ويضيف: أسوأ شيء فعلوه أنهم وضعوا “سور” داخل الفراغ. صحيح أن السور كان موجود من قبل لكنه لم يكن طوله يتجاوز النصف متر، فكان من الممكن الدخول لهذا المكان بسهولة. أما ما حدث في الوقت الراهن، هو أن السور أصبح شبيه بـ”حائط” لذلك أنا أعتبر أن ما حدث هي مأساة من الناحية الفلسفية، ومن الناحية الاجتماعية، لأن المنطقة ستفقد الزوار الذين كانوا يترددون على المسجد بشكل دائم ليستظلوا بالنخيل الموجود أسفل الساحة، فما قاموا به لا يمكن تسميته إلا أنه “خصخصة” للفراغ العام.

ويقول: “أما ما يثيرني حول الأمر أن هناك مصريون أشاهدهم على مواقع التواصل الاجتماعي سعيدين بما حدث، وهذه الظواهر هي التي يجب تحليلها. إذ أن الكثير من الناس يرون أن هؤلاء الذين أبدوا إعجابهم بالمشروع هم “جهلة” لكني لا أوافقهم أبدا الرأي بطليعة الحال فهم ليسوا جهلة، لأني أرى أن مشكلتهم الرئيسية هي أنهم ترسخ في أذهانهم فكرة مركزية الدولة، وعقليتهم أصبحت ترى أن ما تفعله الدولة هو الأصح في جميع الأحوال. أما هؤلاء الذين يعترضون على ما تنفذه الدولة، فبعضهم أصبح فكرة الفراغ العام بالنسبة إليهم لا يوجد له سبب مقنع لإبقائه؛ وهذه هي أصل المشكلة التي يجب تحليلها، لأننا في نهاية الأمر خصخصنا الفراغ وتحول من فراغ للعامة إلى فراغ لمجموعة معينة من الناس”.

السيطرة على الفراغ العام

وترى الدكتورة سهير حواس، أستاذة العمارة والتصميم العمراني بجامعة القاهرة، أن تحويط الفراغ العام المتصل بمسجد الحسين أمر لا يمكن فهمه أو تقبله، لأن السور الحديدي له دلالة. فما هي الدلالة التي يريدوا أن يصلوا إليها، فهل هو سبب أمني مثلا. أم أنهم أرادوا من خلاله التحكم في المارين؟ لذلك فدلالة السور الحديدي هو أمر غير مفهوم، لأنه بهذه العملية قد تم تحويل الفراغ العام لفراغ خاص. وهذا لا يمكن أن نفهمه في لغة العمران. وهو أمر يذكرني بما حدث في ساحة ميدان عابدين، والتي كانت تشهد دائما احتفالات قومية، وكانت تعد بانوراما خارجية للقصر. لكن ما حدث أننا تفاجأنا أنه بعد أن صرف عليه ملايين الجنيهات في عملية تأهيل الموقع تحولت الساحة في النهاية لأكشاك لبيع السمك والكبدة وغيرها من الأمور في منظر أساء للمكان.

لذلك نحن لا نفهم الغرض من عملية تسوير مسجد الحسين. وأنا أتساءل: “ما هي الدلالة لوضع هذا السور، وتحويله من ساحة عامة لساحة خاصة؟”، فوضع سور يعني السيطرة على المكان وأن نجعله خاصا لمجموعة من الناس وهذه كلها تساؤلات يجب أن يتم الإجابة عنها.

غياب التنسيق

وعن دور التنسيق الحضاري تقول حواس: “من المفترض مجال عمل الجهاز هو “الفراغ” العام، ولجنة المناطق التراثية بالتنسيق الحضاري والتي أنا عضوة فيها لم يتم عرض الأمر علينا دخلها. ولا أعرف ما إذا كانت عملية التطوير قد عرضت على الجهاز أصلا أم لا. لكن ما حدث في القبة هي مسؤولية الآثار لأنها مسجلة ضمن عداد الآثار؛ لذلك يجب أن يسأل المجلس الأعلى للآثار لتوضيح ما حدث، وليس جهاز الجهاز القومي للتنسيق الحضاري. فالجهاز دوره هنا هو العناية بمحيط الأثر، وأنا أؤكد أن لجنة المناطق التراثية داخل الجهاز لم يتم عرض المشروع عليها أصلا، ولم يؤخذ رأيها في الأسوار المستخدمة أو الأرضيات، أو الإضاءة والتشجير وغيرها من الأمور التي جرى تنفيذها.

رؤية غير واعية

ويتساءل الدكتور محمد الكحلاوي، أستاذ الآثار الإسلامية ورئيس اتحاد الآثاريين العرب، “ما معنى أن نضع أسوار حول الأثر؟ فنحن لا يجب أن نعامل الآثار وكأننا في حديقة للحيوانات. لأنه لا يجوز أن نعزل المجتمع عن تراثه بأي شكل من الأشكال، ولا يمكن أن نضع على حرم الأثر سور. وهذه أمور لا يمكن أن تحدث أبدا، فحتى الحيوانات حاليا باتوا ينزعوا عنها الأقفاص الحديدية ونستعيض عنها بحدائق مفتوحة. لذلك أرفض أن يتم وضع الآثار في أقفاص حديد. وأرى أن هذه رؤية غير واعية وغير مدركة، لأن هذه هي عملية فصل للمجتمع عن آثاره”.

أفكار قديمة

الدكتورة مونيكا حنا، خبيرة التراث والعميدة المؤسسة لكلية الآثار والتراث الحضاري بالأكاديمية العربية للعلوم البحرية، اتفقت مع الدكتور محمد الكحلاوي. إذ ترى أن عملية تسوير المواقع الأثرية سواء كانت مساجد أو كنائس، هي فكرة قديمة جدا. وهي فكرة تعكس إحساس من يملك التراث؟ وتقول: “نحن نتفهم وجهة النظر التي تقلق البعض من وجود تعديات لمحيط الأثر، لكن علينا حماية الأثر بطرق أخرى وليس بتسويره، لأن ذلك لا يجوز، ولأنه لا يجب تحويل الأماكن العامة لخاصة، وأنا لا أظن أن هناك مشاكل أمنية تستدعي عمل السور الذي جرى تنفيذه. لذلك أرى أنه قد تم حبس الجامع وليس الناس داخل السور”.

تضيف حنا: ما تم بالموقع هي رؤية قاصرة جدا بالنسبة لعملية إدارة التراث، لأنه يجب علينا أن نفهم أن التراث هذا هو ملك للناس، ومن حق الناس أن يجلسوا حول الحسين فهذا مكان عام، لا يجوز أبدا فصله عن محيطه التراثي.

اقرأ أيضا

الحسين سجينا: ترميم أم تشويه؟

د. جليلة القاضي تكتب: أزمة الحسين.. أزمة «الفراغ العام»!

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى