مكتبة بلدية دمنهور.. «عودة الروح» مؤقتًا
في عام 1928، قررت بلدية دمنهور بمحافظة البحيرة إنشاء مكتبة ثقافية ضخمة تليق بمكانة المدينة آنذاك، التي عززها موقعها الجغرافي ودورها كمركز رئيسي لتجارة القطن في الوجه البحري، فضلا عما شهدته من حركة ثقافية وفنية متميزة جعلتها أحد أبرز مراكز التنوير في تلك الفترة.
الملك فؤاد الأول يفتتح المكتبة
في نوفمبر عام 1930، افتتح الملك فؤاد الأول المكتبة، وحملت في البداية اسمه، ثم تحولت إلى مكتبة البلدية، أو مكتبة توفيق الحكيم، وتم دمجها ضمن مجمع ثقافي شمل دار أوبرا دمنهور.
وتضم المكتبة العريقة حاليا أكثر من 260 مخطوطة نادرة ووثيقة مهمة، من بينها خرائط ونسخ يدوية للقرآن الكريم يتجاوز عمرها ستة قرون، إضافة إلى مخطوطات مثل “رسالة في بسملة الدسوقي”، ونسخة مذهبة من القرآن الكريم، و”شرح خالد الأزهري”، وعدد من الخرائط اليدوية النادرة، وغيرها من الوثائق، فضلا عن أكثر من ثلاثة آلاف كتاب من أمهات الكتب وعيون الفكر العربي المعاصر.
اقرأ أيضا: من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان

وثائق مهمة يأكلها السوس والرطوبة
في عام 2007، قرر المسؤولون في محافظة البحيرة نقل المكتبة وتخزين محتوياتها داخل مخازن مجلس مدينة دمنهور، وهو ما أصاب المهتمين بالثقافة بصدمة كبيرة، مع تسرب مشاعر الحزن على ضياع هذا الكنز وتحوله إلى مجرد عهدة في مخزن، يقف موظف من الوحدة المحلية على بابه، بينما تلتهم الرطوبة والسوس أجزاء كبيرة من هذا التراث الثقافي النادر.
وقد تسبب هذا الإهمال في فقدان ثلاث وثائق نادرة، لم تتمكن التحقيقات من استعادتها حتى الآن.
وظلت محاولات الإنقاذ بلا جدوى، حتى جاء قرار الدكتورة جاكلين عازر، محافظ البحيرة، بالتواصل مع وزارة الثقافة لبدء خطوات إنقاذ هذا التراث. وشهدت، مع الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، توقيع بروتوكول تعاون بين المحافظة من جهة، ودار الكتب والوثائق من جهة أخرى.
محافظ البحيرة واستعادة كنوز المكتبة
الدكتورة جاكلين عازر، محافظ البحيرة، عبرت لـ«باب مصر» عن سعادتها بتوقيع بروتوكول التعاون بين المحافظة ودار الكتب والوثائق القومية، لإحياء وتطوير مكتبة البلدية بدمنهور، وتحويلها إلى مركز ثقافي متكامل يخدم أبناء المحافظة، مؤكدة أن المشروع يمثل خطوة مهمة لإعادة إحياء أحد أهم الصروح الثقافية والتاريخية في دمنهور، واستعادة دوره في نشر المعرفة والثقافة.
وأوضحت أن المشروع يستهدف الحفاظ على المقتنيات التراثية النادرة بالمكتبة، والتي تضم أمهات الكتب والمخطوطات والخرائط وألبومات الصور ذات القيمة التاريخية الكبيرة، مع تنفيذ أعمال الفهرسة والتعقيم والترميم وفق أحدث المعايير العلمية والفنية، بما يضمن الحفاظ عليها وإتاحتها للأجيال القادمة في صورة تليق بقيمتها.
وأكدت أن محافظة البحيرة ستوفر كل أوجه الدعم اللازمة لتنفيذ المشروع، بالتنسيق الكامل مع وزارة الثقافة ودار الكتب والوثائق القومية، بما يضمن تحقيق نقلة نوعية حقيقية في العمل الثقافي داخل المحافظة. وأشارت عازر إلى أهمية زيارة الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، باعتبارها أولى محطات زياراتها عقب توليها المنصب، وهو ما يعكس وجود رؤية واضحة لدى الوزارة للتطوير والانطلاق نحو مشروعات ثقافية جديدة.
اقرأ أيضا: الكليم والجوبلان في فوة.. تراث يواجه ضعف التسويق وحصار الضرائب
إتاحة مقتنيات المكتبة للجمهور
يقول الدكتور أسامة طلعت، رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، إن مكتبة البلدية في دمنهور أنشئت في ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت جزءا من دار أوبرا دمنهور، حيث خُصص الجزء الشمالي من المبنى للمكتبة. وأوضح أنها انتقلت في ثمانينيات القرن الماضي إلى مقر آخر، لكنه لم يكن ملائما، فتم إغلاقه، ووضعت الكتب والمقتنيات في مخازن لحين البت في أمرها.
وأشار إلى أن الدكتورة جاكلين عازر تواصلت مع وزيرة الثقافة للنظر في فحص المكتبة وإبداء الرأي في إعادة إحيائها داخل مجمع دمنهور الثقافي، بعد تأهيلها وإتاحة مقتنياتها للجمهور سواء للاطلاع أو الاستعارة.
وبالفعل، وجهت وزيرة الثقافة بإرسال فريق عمل من دار الكتب والوثائق القومية إلى دمنهور لفحص الكتب وأماكن وجودها، وكذلك المواقع المقترحة لإعادة إحياء المكتبة، بالتنسيق مع المحافظة، وبعد انتهاء الزيارة، تم رفع تقرير إلى وزيرة الثقافة، التي وجهت بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة لأداء الرسالة الثقافية لدار الكتب.
وأضاف أن توجيهات وزيرة الثقافة، وبالتنسيق مع محافظة البحيرة، أسفرت عن توقيع بروتوكول تعاون في الرابع من إبريل الماضي، الذي تضمن تحديد المهام والمسؤوليات، وفور توقيعه توجه فريق متخصص من دار الكتب إلى دمنهور لبدء المرحلة الأولى من إعادة الإحياء، والتي تتمثل في تعقيم المخطوطات والكتب في أماكنها، وهي عملية دقيقة نظرا لتخزينها لفترات طويلة، وإصابة بعضها بعوامل فطرية وحشرية. وقم تم الانتهاء من عملية التعقيم يوم الخميس 30 إبريل الماضي.
قيمة تاريخية وترميمها ضرورة وطنية
يشير رئيس دار الكتب والوثائق القومية، إلى أنه بالتوازي مع فترة التعقيم، يجري إعداد المكان المقترح للمكتبة من جانب المحافظة، كما شاركت دار الكتب برؤيتها الفنية لتنفيذ المراحل التالية. وأوضح أن المكتبة تضم مجموعة متميزة من الكتب القديمة والمطبوعات والمجلات ذات القيمة التاريخية والأدبية، فضلا عن خرائط وكتالوجات وألبومات صور ذات قيمة كبيرة تحتاج إلى الترميم. وسيتم ترميم جزء منها داخل دار الكتب، بينما تُجرى بقية الأعمال الفنية في موقعها.
وأضاف أنه سيتم الاستعانة بدار الكتب والوثائق القومية في عملية إعادة إحياء مكتبة البلدية، باعتبارها بيت الخبرة الوطني في مجال المكتبات والوثائق، من حيث الحفظ والترميم والرقمنة، مشددا على أن الهدف هو تطوير مكتبة البلدية بدمنهور بما يعيد لها مكانتها الرائدة، ويعزز دورها كمحور ثقافي مؤثر في نشر الوعي والمعرفة.

إعادة تأهيلها للجمهور والباحثين
فيما يقول أيمن شريفة، مدير مجمع دمنهور للثقافة والفنون، إن التحرك الأخير لإنقاذ الكتب والمخطوطات والوثائق الخاصة بمكتبة البلدية، والتي تم تخزينها منذ عام 2007 كعهدة لمجلس مدينة دمنهور، جاء بعد سنوات من الجمود.
وأشار إلى أن الخطوات الفعلية بدأت في ديسمبر الماضي، اطلعت الدكتورة جاكلين عازر، محافظ البحيرة، على الأمر، وقررت على الفور التواصل مع وزارة الثقافة، ليتم لاحقا توقيع بروتوكول تعاون مع دار الكتب، بعد عدة زيارات ميدانية من خبرائها، بهدف إنقاذ هذا الكنز الثقافي.
وأوضح أن البروتوكول يتضمن عدة مراحل، تشمل التعقيم والترميم والفهرسة، إلى جانب تدريب الموظفين على إدارة المكتبة، لافتا إلى تجهيز قاعات مخصصة لعرض محتويات مكتبة البلدية العريقة من كتب ووثائق ومخطوطات، على أن تكون متاحة للباحثين ورواد المكتبة وفق آليات سيتم وضعها.
نداء لمثقفي دمنهور بالدعم
يقول الدكتور خالد عزب، الرئيس الأسبق لقطاع المشروعات والخدمات المركزية بمكتبة الإسكندرية، إن مكتبة بلدية دمنهور تضم كتبا نادرة طُبعت في مصر قبل عام 1952، وبعضها أهدي إليها من كبار أبناء المدينة، وكانت تمثل الأساس الذي قامت عليه الحركة الثقافية في دمنهور. وأكد ضرورة إعادة المكتبة إلى موضعها الأصلي الذي شُيد من أجله، مشيرا إلى أن إخراج الكتب منه يشبه إخراج الروح من الجسد، ويمثل طمسا لتاريخ المدينة.
وعن طبيعة هذه المقتنيات، أوضح عزب أنها كثيرة ومتنوعة، ومن بينها مؤلفات الشيخ سيد المرصفي، وكتب عبد الله فكري، وأحمد زكي باشا، إلى جانب طبعات أولى لأعمال المنفلوطي. وأضاف أن المكتبة شكلت ركيزة أساسية استفاد منها روادها من دمنهور والمناطق المجاورة، حيث تردد عليها عدد من كبار المثقفين، مثل توفيق الحكيم، وخيري شلبي، وعبد الوهاب المسيري، وهو ما ساهم في تشكيل الحراك الثقافي بالمدينة.
وطالب عزب بضرورة إعادتها إلى مقرها الأصلي داخل المبنى الذي خصص لها منذ افتتاحها، مؤكدا أن خروج الكتب من مبناها التراثي يمثل فقدانا لقيمتها، كما شدد على أهمية إسناد إدارتها إلى من يقدر قيمتها الثقافية، مع إشراك مثقفي دمنهور في إدارتها، بدلا من عزلهم، وهو ما أدى في السابق إلى تحويلها إلى مجرد مخزن. ودعا إلى إطلاق نداء لمثقفي دمنهور وما حولها لدعم المكتبة، مع تأسيس “جمعية أصدقاء مكتبة بلدية دمنهور”، مؤكدا أنه سيكون أول المتبرعين لها.
اقرأ أيضا: «أوبرا دمنهور».. صرح يجمع بين جماليات العمارة الإيطالية والتراث الإسلامي



