معبد الكرنك.. أضخم مجمع ديني في العالم

أشهر معابد العالم على الإطلاق، يبعد عن شمالي المدينة بنحو 3 كيلومترات، في منطقة استعارت الاسمة ذاته.

“أمنحوتب الأول” هو أحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة، أول من فكر في بناء معبد للمعبود آمون رع في الكرنك، وقد اختار نفس البقعة المقدسة التي كان فيها المعبد القديم، الذي يرجع للدولة الوسطى فقد أخذ تحتمس الأول بعد موت أمنحوتب الأول على عاتقه إقامة المعبد في نفس المنطقة المقدسة.

معبد آمون

الكرنك ليس معبدا بمفرده بل هو مجموعة من المعابد، وهو أضخم مجمع ديني أنشئ على وجه الأرض، كما كان أكرم بيوت العبادة وأقدسها عند المصريين القدماء، إذ كان يحتوي على عرش آمون رب الأرباب وملك الآلهة القدماء.

كان القدماء يلجؤون إليه للاستشارة وتلقي الوحي، وظل لقرون طويلة رمزًا للوحدة الدينية والسياسية، إذ كان الناس يحجون اليه باعتباره المزار الديني الأقدس.

معبد آمون هو أكبر معابد الكرنك، وهو معبد ضخم واسع تبلغ مساحته نحو ثلاثين فدانا، ومعبد زوجته الإلهة موت، التي يرمز إليها بأنثى النسر، إلى جانب عمود الملك طهرقا، الذي يرتفع نحو عشرين مترًا ويرجع تاريخه إلى عصر الأسرة الخامسة والعشرين.

ويشير النص الأثري الذي يرجع تاريخه إلى الأسرة التاسعة عشرة، أن عدد العاملين في معبد آمون وحده بلغ 81 ألفًا و322 عاملًا، كانوا من الكهان والحراس والعمال والفلاحين، كما ذكر حصرًا بالثروات الطائلة التي كان يمتلكها المعبد من ذهب وفضة ومجوهرات وأراض زراعية وعبيد ومصانع ومخازن.

قاعة الأعمدة العظمى

تضم 134 عمودًا يبلغ ارتفاع كل عمود منها نحو 23 مترًا، ويعلو كل منها تاج مستدير يبلغ محيطه نحو 15 مترًا، عليها مناظر تقديم القرابين ومناظر التتويج.

وتكفي مساحة دائرته لوقوف 50 رجلًا، وقد أجرى عالم الآثار الإنجليزي “سير نورمان لوكيار” دراسة لمقاييس وزاويا هذه القاعة، وأثبت أن القدماء كانوا يستعملون هذه القاعة لأغراض فلكية، إذ إنها منطبقة تمامًا على خط غروب الشمس أثناء الانقلاب الصيفي.

مسلات الملكة حتشبسوت(الوادجيت)

يضم معبد آمون عددا من المسلات التي أقيمت لذكرى الملك تحتمس الأول (الأسرة 18)، والتي كانت ترتفع إلى نحو 23 مترًا ويبلغ وزن الواحدة منها 143 طنًا، وكانت أعلى تلك المسلات، التي أقامتها ابنته الملكة حتشبسوت تخليدًا لذكراه، وهى  المسلة الوحيدة التي ما زالت قائمة بين تلك المسلات.

خلال عصر العمارنة تعرضت مناظر آمون المنقوشة على الجزء العلوي للمسلة للمحو، ثم أعيد نقشها على خلفاء إخناتون، بينما لم يتعرض الجزء السفلى المتواري خلف التكية لأي إتلاف، وتعرضت القمة الهرمية المدببة، للمسلة الجنوبية المنهارة على مقربة من البحيرة المقدسة.

جعران (أمنحتب الثالث)

يقول الدكتور عبدالمنعم عبدالعظيم، مدير مركز تراث الصعيد بالأقصر، إن المصريين القدماء تتبعوا الجعران وجعلوه رمزًا للحياة، لأن روث الجعران يخرج على شكل كرة ثم تعود مرة أخرى أيضا، ولا يوجد أب ولا أم له، فأعتقدوا أنه خلق نفسه، فجعلوه رمزًا للألوهية.

الجعران

الجعران الواقع أمام البحيرة المقدسة، جعل الشعب يعتقد أنه مقدس، فبدأ الناس يدورون حوله سبع مرات طلبًا للتبرك والسعادة خاصة النساء اللواتي يطلبن الحمل.

جعران البحيرة المقدسة

يضيف عبدالعظيم أن الجعران هو رمز لتجديد الحياة لدى الفراعنة، لأنهم كانوا يعبدون الله الواحد  ولكن يتخذون في سبيل ذلك أشكال، مثلما قدس الفراعنة التمساح لأن عينه لا تنام  وكذلك الله لا ينام، موضحًا أن الفراعنة لم يعبدوا الأصنام  بل رمزوا لصفات الله من خلال الحيوانات.

البحيرة المقدسة وسر المياه التي لا تجف

أنشأها الملك تحتمس الثالث، بطول 80 مترًا، وعرض 40 مترًا، وكان يحيط بها سور، ويوجد على جانبيها الشمالي والجنوبي مقياس للنيل، له مدخلان أحدهما من الجهة الشرقية، والثاني من الجهة الغربية بكل منها سلالم حجرية.

كان الكهنة يغتسلون في تلك البحيرة، قبل أداء أيه مراسم دينية او احتفالات قومية، وكانت تغذى عن طريق قناة تصل البحيرة بمياه النيل انشأها تحتمس الـثالث.

البحيرة المقدسة

الإعجاز في تلك البحيرة أن المياه فيها ثابتة، فلا يزيد منسوب المياه أو ينقص حتى مع تغير ارتفاع أو نقصان منسوب النيل منذ أكثر من 3 آلاف سنة، كما أنها لم تجف أبدًا.

صالة الآخ منو

هو معبد مستقل يستند إلى الناحية الشرقية من المعبد، شيده الملك تحتمس الثالث في العام 23 من حكمه، وإلى الغرب تمتد قاعة كبيرة معروفة باسم “حرت- إيب”، لا تزال نقوشها البارزة تحتفظ بقدر كبير من ألوانها المتعددة.

هذه القاعة تفضي شمالًا إلى قاعات خاصة بعبادة الشمس، وفي الوسط إلى مقصورة آمون، كما تفضي جنوبًا إلى قاعات مكرسة إلى عالم الإله “سوكريس الجهنمي” كما نجد في مؤخرة مقصورة آمون مجموعة قاعات معروفة باسم “حديقة النباتات”، سميت بذلك لنقوشها التي تتكون من حيوانات ونباتات غير مألوفة.

 ظاهرة تعامد الشمس على معابد الكرنك

يقول الدكتور مصطفى وزيري، مدير آثار الأقصر، إن هذه الظاهرة تحدث سنويًا على مدار يومي 21 و22 من ديسمبر، إذ تمر الشمس على قدس أقداس الإله آمون بمعابد الكرنك بالبر الشرقي، وتتعامد على قدس أقداس معبد حتشبسوت بالبر الغربي في نفس التوقيت.

وزيري يشير إلى أن محاور معبدي الكرنك والدير البحري “حتشبسوت”،  تتجه ناحية الأفق، الذي تشرق منه الشمس في يوم الانقلاب الشتوي، الأمر الذي يؤكد أن المصريين القدماء كانوا على دراية تامة بحركة الأرض حول الشمس أو الحركة الظاهرية للشمس حول الأرض، كما أن معابد الكرنك، ومعبد حتشبسوت يقعان على محور هندسي واحد.

يتابع أن تعامد الشمس على المعابد المصرية القديمة، لم يكن محض صدفة، كما أن طرق بناء واجهات المعابد والمقاصير المصرية القديمة، أنشئت على مفاهيم معمارية ودلالات دينية كانت سائدة في مصر الفرعونية.

طرق البناء تلك توضح أن المصري القديم أنشأ معابده الدينية من وجهة نظر لاهوتية، إذ أنشأها ودشنها كبرزخ سماوي يسلكه قرص الشمس مع معبوده ورفقته المقدسين في ترحالهم ما بين العالمين السفلي والمرئي.

يذكر وزير أن كافة المعابد الدينية التي أنشاها الفراعنة تتوجه قبلتها نحو مواطن شروق أو ظهيرة أو غروب قرص الشمس سواء بصورة فلكية مباشرة في أيام أعياد بعينها، أو بصورة رمزية طبقًا لما ورد في النصوص الدينية، وعلى هذا يتبين صدق مقصد المصري القديم في تدشين ظاهرة تعامد أشعة الشمس على معابده ومقصوراته المقدسة إبان شروق أيام بعينها وهو أمر تؤكده الدلالات اللاهوتية لأشعة الشمس.


اعتمدنا في توثيق المعلومات على كتاب مصر القديمة (دراسات في التاريخ والآثار) للمؤلف مختار السويفي من الصفحات 240إلى 244

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى