دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«مصطفى العبادي ومكتبة الإسكندرية».. حين يتحول المثقف إلى مؤسسة

لماذا نعود بعد سنوات للاحتفال بذكرى وفاة «مصطفى العبادي»؟ هل لأننا نفتقد رجلًا أعاد إحياء مكتبة الإسكندرية؟ أم لأننا نفتقد نموذجًا لمثقف لم يكتفِ بإنتاج المعرفة، بل حوّل شغفه بالتاريخ إلى فعل حيّ في الحاضر؟

كان المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي يميز بين «المثقف التقليدي» الذي يكتفي بالكلام، و«المثقف العضوي» الذي ينخرط في واقعه ويحوّل أفكاره إلى ممارسة. وربما يكون الاحتفاء بمصطفى العبادي محاولة لاستعادة هذا النموذج: المثقف الفعّال.

أصداء الذاكرة

يمكن قراءة هذا المعنى بوضوح في الندوة التي نظمها قطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية ضمن «حوارات الإسكندرية»، تحت عنوان: «أصداء الذاكرة.. مصطفى العبادي ومكتبة الإسكندرية»، بمشاركة شقيقه السفير هاني عبد الحميد العبادي، وثلاثة من تلاميذه: الدكتور محمد السيد عبد الغني، أستاذ التاريخ والحضارة اليونانية والرومانية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، والدكتورة منى حجاج، أستاذ الآثار اليونانية والرومانية المتفرغ بكلية الآداب جامعة الإسكندرية ورئيس جمعية الآثار بالإسكندرية، وأمنية فتح الله، كبير أخصائيي بحوث بقطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية.

لم تكن الندوة مجرد استعادة لسيرة رجل، بل محاولة لفهم تجربة فكرية امتدت لعقود، ونجحت في ربط المعرفة بالفعل.

من بيت الكتب إلى وعي المسؤولية

يروي السفير هاني عبد الحميد العبادي أن شقيقه نشأ في بيت كان الكتاب جزءًا من الحياة اليومية، بفضل مكتبة والدهما الضخمة التي ضمت كتبًا في التاريخ والأدب واللغة. في هذا المناخ، أصبحت القراءة عادة، والمعرفة ممارسة يومية، لا مجرد وسيلة للنجاح الدراسي.

بعد انتقال الأسرة إلى الإسكندرية، التحق مصطفى العبادي بكلية الآداب، وتخصص في التاريخ اليوناني والروماني، ثم سافر في بعثة علمية إلى جامعة كامبريدج، حيث حصل على الدكتوراه، وترسّخ لديه منهج البحث الدقيق والانضباط العلمي.

لكن ما يلفت في هذه السيرة، كما تكشفها الندوة، ليس فقط مسارها الأكاديمي المنتظم، بل ما أنتجته من وعي مبكر بدور المثقف. في هذا المناخ، ترسخت لديه قناعة بأن المعرفة مسؤولية، وأن التاريخ ليس مادة للحفظ، بل أداة للفهم والتغيير.

مكتبة الإسكندرية.. تصوير: ميرنا جوهر
مكتبة الإسكندرية.. تصوير: ميرنا جوهر
الأستاذ الذي صنع مدرسة

يشهد تلاميذه الثلاثة على أن مصطفى العبادي لم يكن أستاذًا تقليديًا داخل قاعة الدرس، إذ أكدوا أن علاقتهم به لم تكن علاقة تعليم فحسب، بل علاقة مشاركة في البحث، وتحفيز دائم على التفكير المستقل.

لم يكن يقدم المعرفة في صورة جاهزة، بل كان يدفع طلابه إلى طرح الأسئلة، والمشاركة في المشروعات البحثية، والانخراط في العمل الأكاديمي الحقيقي. وكان يعتبر أن دور الأستاذ لا يقتصر على الشرح، بل يمتد إلى تكوين شخصية الباحث.

ومن هنا يمكن فهم ما تركه العبادي من أثر يتجاوز عدد كتبه. فرغم قلة مؤلفاته، كان أثره الحقيقي في أجيال من الطلاب الذين حملوا منهجه، وأصبحوا امتدادًا حيًا لأفكاره. كان يؤمن بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن كتابة الكتب، وأن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى ممارسة يومية.

من الجامعة إلى المدينة: المعرفة تتسع

لم يتوقف مشروع مصطفى العبادي عند حدود الجامعة. فالطريقة التي صنع بها طلابه هي نفسها التي صنع بها لاحقًا مشروع مكتبة الإسكندرية. في الندوة، أوضحت الدكتورة منى حجاج أن فكرة إحياء المكتبة كانت «مشروع حياته» للعبادي منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث بدأ التفكير فيها أثناء دراسته في كامبريدج، ثم طرحها عبر محاضراته في بيروت عام 1968، وفي الإسكندرية عام 1972.

سعى العبادي إلى الربط بين المكتبة القديمة والحديثة، باعتبارهما امتدادًا لتراث علمي واحد، لا مجرد استعادة رمزية للماضي. هنا، انتقل مشروعه من بناء الأفراد إلى بناء مؤسسة، ومن التأثير في الطلاب إلى التأثير في المدينة كلها والعالم.

طريق طويل نحو الحلم

مرّ مشروع إحياء المكتبة بمراحل من التعثر والتراجع، خاصة في مطلع الثمانينيات، لكن العبادي لم يتخلَّ عن فكرته. وكما أوضح المتحدثون في الندوة، استعاد المشروع زخمه عبر جولات علمية في جامعات أمريكية، ثم بدعم وزارة التعليم، وتخصيص أرض من جامعة الإسكندرية، ودخول اليونسكو كشريك دولي.

ومن الموافقات الرسمية إلى وضع حجر الأساس عام 1988، ثم صدور كتابه عن المكتبة عام 1990، وصولًا إلى افتتاحها عام 2002، ظل العبادي يعمل بصبر طويل، خارج منطق النتائج السريعة. هكذا تحولت فكرة أكاديمية إلى مؤسسة ثقافية عالمية.

استقلال المثقف وحدود الموقف

توقفت الندوة عند موقف كاشف لشخصية العبادي. فبحسب ما روته الدكتورة منى حجاج، دار حديث بينه وبين مدير مكتبة الكونجرس آنذاك دانيال بورستن، قال فيه بورستن: “لو تعهدتم بأن تكون لإسرائيل مكانة في هذه المكتبة، أعدكم بأن نضع كافة إمكاناتنا لتنفيذها”. فجاء رد العبادي: “هذه موضوعات يتم تناولها بين رؤساء الدول، وليست بين عالم فقير الحال مثلي”.

لم يكن هذا موقفًا سياسيًا مباشرًا بقدر ما كان تعبيرًا عن استقلالية المثقف، ورفضه توظيف المعرفة خارج سياقها الثقافي والتاريخي. هنا تتجسد فكرة «المثقف الفعّال» في بعدها الأخلاقي: مثقف يعرف حدود دوره، ولا يساوم على معنى مشروعه.

لماذا نحتفل بالعبادي؟

نحن لا نحتفل فقط برجل أعاد بناء مكتبة، بل بنموذج كامل في التفكير والعمل. من قاعة الدرس إلى المؤسسة الثقافية، ظل مصطفى العبادي يعمل بالمنطق نفسه: تحويل الفكر إلى واقع، والمعرفة إلى مسؤولية، والتاريخ إلى أداة لبناء المستقبل. لم يفصل يومًا بين البحث والمجتمع، ولا بين الثقافة والحياة اليومية.

وجاءت هذه الندوة انعكاسًا لمنهج العبادي في قراءة التاريخ: لا بوصفه مادة للحنين، بل أداة للفهم والبناء. وربما يكون السؤال الحقيقي اليوم عن مصير هذا النموذج من المثقفين: هل ما زال يوجد مثقفون قادرون على بناء إنسان، ثم مؤسسة، ثم وعي عام؟ أم أننا نكتفي بتكديس المعرفة دون أن تتحول إلى فعل؟ ربما يكون الاحتفاء بمصطفى العبادي محاولة للإجابة عن هذا السؤال.

 اقرأ أيضا:

تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

«ترام الإسكندرية».. سلام لمن يمشي على مهل في زمن الاستعجال

مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.