مستندات| بقرار مزور.. هل يملك ورثة «بيت مدكور» حق هدم تاريخ مصر العثماني؟

يرجع تاريخ بيت مدكور للعصر العثماني، ويتسم بمساحة كبيرة تصل إلى 2000 متر، أما شكله الفريد يتميز بالعديد من الزخارف المميزة مُقسم من الداخل إلى 7 أحرمة مُقسمة من الداخل أيضا، ويوجد به فناء مكشوف ومدخل على الطراز الإسلامي، وممر يسير فيه الشخص حتى يصل إلى “حوش” وعقد من الخشب يسمى “كراري خشبية”. بالإضافة إلى زخارف ورسوم جصية وزجاج ملون.

هذه السمات جميعها التي انفرد بها منذ بناءه منزلا. قبل ما يزيد عن 600 عاما خلال العصر العثماني، كانت سببا في إدراجه كمبنى ذو طراز معماري متميز. وهذا التسجيل يمنح المنزل حقا في الترميم وعدم الهدم من قبل محافظة القاهرة.

قرار بالهدم مع وقف التنفيذ

تعرض المنزل على مدار 11 عاما إلى العديد من الألاعيب بهدف إلغاء هذا الطراز المميز وبالتالي يعطي أصحابه الحق في هدمه أو بيعه. وكان آخرها بدء هدم البيت بقرار إزالة صادر لعام 2011 وحصل الأهالي على قرار لوقف تفعيله. وهذا القرار تم تعديله يدويا مرتين لعام 2013 وعام 2014 وهو المستخدم حاليا.

لا يمتلك الورثة قرار حديث بالهدم، وبعد نشوب حريق في عام 2014 في أخشاب البيت المميزة المصنوعة من خشب العزيزي. صدر قرار بخروجه من المباني ذات الطراز المعماري المميز. وتم تعديل قرار الهدم يدويا وتغير تاريخ قرار الهدم من عام 2011 إلى عام 2014. وما يثبت تزويره هو أن اللواء صلاح عبدالمعز، رئيس الحي الموقع اسمه كان خارج رئاسة الحي في ذلك الوقت. وحاول “باب مصر” التواصل مع شريف عبدالصمد عبدالحليم مدكور نجل حفيد وريث البيت ولكن لم يتم الرد.

أثار هدم “بيت مدكور” العشوائي غضب الناشطين في مجال الحفاظ على التراث، ومن بينهم المهندس محمد سعفان وزوجته. ويقول لـ”باب مصر”: “تعد المدينة القديمة جزء مهم جدا من التراث المصري والعنصر المشترك هو أن البيت يقع في المدينة القديمة، ونحن نشطين في مجال الحفاظ على التراث والتصدي للتعدي على التراث خاصة ذو الطراز المعماري المميز”. متابعا أنه يسعى لوقف بيت مدكور، منذ ما يزيد عن 8 سنوات منذ بداية معرفته بقضية سعي الورثة لهدمه.

بيت مدكور قبل وبعد أعمال الهدم والتخريب (4)
بيت مدكور قبل وبعد أعمال الهدم والتخريب
حيل هدم بيت مدكور

يكشف عماد عثمان مهران، كبير باحثين في الآثار الإسلامية ومدير عام سابق بالآثار، أحقية ورثة البيوت التاريخية لهدمها، وتاريخه مع “بيت مدكور”. وجاء حديثه من واقع خبرته ونضاله الطويل على مدار الأعوام السابقة في الحفاظ على البيت وتاريخه العريق. بالإضافة إلى انتدابه للتحقيق في قضية سابقة يرجع تاريخها إلى قبل 20 عاما في إحدى قاعات “بيت مدكور”.

في البداية أوضح أن “بيت مدكور” التاريخي له ورثة ويعطيهم القانون حق هدم البيت حال وصوله إلى مرحلة الخطورة الداهمة، ونجحوا وقت ثورة يناير 2011، في الحصول على قرار بالهدم لوصول البيت إلى هذه المرحلة. ولكن بعد إطلاع لجنة أثرية على البيت اتضح أنه بحالة جيدة. ولهذا استخرج مستأجرين البيت قرار يلغي قرار هدم البيت، أي أن قرار الهدم بتاريخ 2011 مع إيقاف التنفيذ.

يصف مهران حالة البيت لـ”باب مصر”، وقال إنه تم بناءه من حجر “المدماك” وهو الحجر الذي تم استخدامه في بناء العديد من الأحصنة والبيوت، مثل بيت زينب خاتون، وبيت الرزاز، وبيت السحيمي، وبيت الهراوي، وبيت الست وسيلة. وهذه الحجارة على حد وصفه طويلة الأمد ولا ينتج عنها أي مشاكل إنشائية. وفي كل مرة كان يُنتدب لكتابة تقرير عن البيت كان يصفه أنه آمن وفي حالة جيدة.

لكن بحسب استنتاجاته من واقع خبرته في المجال الأثري، اتبع ملاك البيت عملية تخريب ممنهجة. ويقول لـ”باب مصر”: “يلجأ أصحاب البيوت ذات الطراز المميز إلى طريقة سخيفة وهي تخريبها بشكل متعمد دون علم الحكومة. وفي حالة بيت مدكور من آل إليه البيت من الورثة بدأوا بتخريب أول دورين من خلال حريق مرة وكسر ماسورة مياه مرة أخرى مما أدى إلى إتلاف واجهة الدورين وفقد الكثير من المعالم”.

الشكاوي
تسجيل “بيت مدكور” أثر

يهدئ الوضع عن “بيت مدكور” ثم يثور بشكل مباغت. وكان قد أنقذ مهران ومحبي القاهرة التاريخية “بيت مدكور” من محاولة هدم سابقة قبل عدة أعوام. ويتابع: “تفاجئنا بسيدة مترددة على المحاكم وتحمل أوراق بالطرد والهدم ولكنها أوراق تم التلاعب فيها. ونجحنا بعد إرسال شكاوى إلى المجلس الأعلى للآثار، ورئاسة مجلس الوزراء ومحافظة القاهرة ونائب المحافظ وقف عملية الهدم”.

حاول مهران تسجيل الأُثر لحمايته. ولكن كان قد فقد المنزل العديد من معالمه المميزة بشكل متعمد. ويستكمل: “نظرا لعملي في آثار جنوب القاهرة تفاجئ السكان عدة مرات بوجود عمال هدم دون سابق إنذار ويدمرون ما يستطيعون تدميره. ثم يختفوا من الدرب الأحمر. واستمرت هذه العملية لتدمير جزء جزء من البيت مثل السلم، الأعمدة الخشبية، الجدران، الحجارة وغيرها. مما يحمله البيت من التاريخ العثماني. ومرة أخرى تم الهدم بواسطة آلة بشكل عشوائي لكي يراه أي خبير ويحدد أنه فقد الآثار المعمارية المميزة له”.

 الآثار ومحافظة القاهرة

لم يستطع محبي القاهرة التاريخية فهم هدف الملاك من تدمير “بيت مدكور”. ودشنوا سابقا حملة لشراء البيت ومساحته الكبيرة، قبل هدمه مثل “بيت المهندس” 67 شارع سوق السلاح، الذي يجاوره وبناء عمارة حديثة بدلا منه. ويقول: “يوما بعد يوم نصمت ونفقد مباني جميلة لن تتكرر وحين حاولنا تسجيله أثر قبل 10 أعواما رفضت الوزارة بحجة أنه مسجل ذو طراز مميز بالفعل وفكرنا بعدها تدشين حملة لشرائه وتحويله إلى بيت ثقافي للجميع”.

لكن تسجل المبنى ذو طراز معماري مميز لا يجعله ضمن مسؤوليات وزارة السياحة والآثار. ويفسر مهران أن الطراز صادرة عن محافظة القاهرة وبالتالي هي المعنية بمصير البيت. أما وزارة الآثار مسؤوليتها الآثار سواء قبطية أو إسلامية أو يونانية أو رومانية. ويتوجب تسجيل هذا الأثر ويحمل رقم تسجيل.

حاول “باب مصر” التواصل مع أحمد يسري من محافظة القاهرة ورغم زيارته المتكررة لمحيط بيت مدكور لكنه أسند المهمة إلى رئيس الحي. كذلك حاول “باب مصر” التواصل مع سمية إبراهيم رئيس حي وسط القاهرة التابع له منطقة “الدرب الأحمر” ولكن لم يتم الرد.

ولم نتلقى ردا أيضا من  المهندس محمد أبوسعدة، رئيس جهاز التنسيق الحضاري الذى حاولنا التواصل معه لمعرفة سبب هدم البيت دون ترخيص، ولماذا لا تتم معاقبة المسؤولين عن عملية الإزالة، خاصة مع حضور لجنة من الحي لوقف عملية الهدم؟. ولكن عمال الهدم ما زالوا في “بيت مدكور” يستمرون في عملية الهدم، وخروج سيارات مُحملة بالمخلفات تم توثيقها في عدد من كاميرات المراقبة المحيطة بالبيت.

تفعيل قرار الهدم بتاريخ 2014 بمعاينة عام 2011 الحاصلة على إيقاف التنفيذ
تفعيل قرار الهدم بتاريخ 2014 بمعاينة عام 2011 الحاصلة على إيقاف التنفيذ
التنقيب عن آثار

حيل التخريب المتعمدة لم تحدث في “بيت مدكور” فقط. وعلى حد وصفه تم إتباع هذه الحيل في أكثر من بيت تاريخي ويلجأ المالك لخلق خلل يؤدي إلى انهيار، والحصول على تراخيص للهدم وهو نوع من التحايل والتلاعب بالقوانين، “قانون حماية الآثار للآثار المدرجة في فهارس الآثار وهو غير مدرج بالتالي ليس له سلطان أو مراقبة وأقصى ما يمكن فعله هو كتابة مفتش الآثار للحي فقط طلب بعدم الهدم”.

البحث عن آثار أو عملات قديمة واحدة من الأمور الشائعة عن هدم البيوت التاريخية. ويقول أحمد أرسطو، ساكن سابق للعقار، إنه شهد وجود مستأجر قام بالتنقيب أسفل غرفة في البيت التاريخي بحثا عن آثار. وأكد المفتش الأثري عماد عثمان على هذه الواقعة نظرا لارتباطه الوثيق بهذه القضية. إذ تم انتدابه لكتابة تقرير يوضح سبب الحفر.

ترجع تاريخ هذه الواقعة إلى مطلع الألفينات. ويقول مهران: “تواجدت في هذه الغرفة وتقدر مساحتها حوالي 6 متر وارتفاع يصل إلى 4 أمتار وفوجئت بوجود ممر مستطيل تحت الأرض استطعت الوقوف فيه، وعثرت على بقايا شُبك وسيجار البايب”.

مدينة تعلو مدينة!

يصف “بيت مدكور” أنه يمثل مدينة تعلو مدينة. ورأى من خلال هذه التجربة الشخصية مهارة صنع “المجاذير” وهي الحجارة وعلى حد وصفه “مشطوفة ومتساوية يعني صنعة قديمة جدا”. وهذه الممرات جعلته يطرح تساؤلات هل الممرات السفلية للهروب أم للصرف الصحي لكنه سرعان ما نفى الاعتقاد الثاني لأنها ممرات أسفل غرف لا توجد بها مياه.

ويتابع أن أغلب البيوت المملوكية والعثمانية تتضمن وجود ممرات تحت الأرض، والجزء الثاني يكون للتخلص من الفضلات. بالإضافة إلى أن المماليك عُرف عنهم الغدر والخيانة وقلعة صلاح الدين الأيوبي كانت قريبة من بيت مدكور وبالتالي استخدموا الممرات لإخفاء مقتنياتهم أو الاختباء فيها بأنفسهم. ويستكمل: “من الواضح أن هذا البيت يرجع إلى عصور أقدم”.

اقرأ أيضا

الساكن الأخير في «بيت مدكور»: حي ينتظر الموت بين أنقاض الهدد

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى