مركز أحمد بهاء الدين في الدوير: من حماس البدايات إلى ضرورة المراجعة

مركز أحمد بهاء الدين هو الصرح الثقافي الأهم في الصعيد، بعيدا عن منشآت وزارة الثقافة. وقد ظهر إلى الوجود بشكل يشبه الحلم، من حيث إمكانياته الكبيرة. ووجوده في قرية صغيرة جدا، ليصنع نموذجا نادرا يكسر ارتباط الفعل الثقافي بالمدن، ويمنح أهل الريف جزءا من حقهم في خدمة ثقافية تساهم في بناء المواطن المصري ليواجه التحديات الكبيرة التي تنتظره في ظل العصر الحديث.

المركز يقدم تجربة تستحق الدراسة والمتابعة لرصد علاقة الجماعة المحيطة بالمركز ومدى نجاحه في تحقيق أهدافه. لأنه يقدم تجسيدا واقعيا لأفكار نظرية رائعة عن حاجة الريف إلى الثقافة، وقدرة الثقافة على القيام بدور فعال في حياة الناس المهمشين بسبب الجغرافيا.

**

لقد اصطدمت تلك الأفكار النبيلة بعقبات واقعية كثيرة وغير متوقعة، ومنها رد فعل أهالي القرية أنفسهم، نظرا لعدم إدراكهم أو إيمانهم بجدوى العمل الثقافي.

لقد نظر الناس إلى الصرح الثقافي باعتباره كيانا غريبا، لا وجود له في آمالهم وطموحاتهم وأفق انتظارهم لجهود ترفع أعباء الحياة في هيئة مؤسسات خدمية. وقد عبر عدد من الأهالي بشكل واضح عن صدمتهم السلبية عند بناء الصرح الثقافي مفضلين عليه بناء مستوصف أو مخبز أو أي شيء يتعلق باحتياجاتهم الحياتية.

تأسست جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين في نوفمبر 1995. وكان القصد الرئيسي وراء إنشاء الجمعية هو دعم المواقف والآراء التي تبناها أحمد بهاء الدين، بالإضافة إلى إقامة روابط ثقافية وفكرية بين الجمهور المصري وبين جماهير العالم العربي المهتمة بذات القضايا.

بدأ نشاط الجمعية بمسابقة بحثية كبرى على مستوي الوطن العربي، ومسابقة ثقافية كبرى تشمل مجالات أدبية وفنية مختلفة علي مستوى الصعيد بمصر. ثم تطورت مسيرة الجمعية وبلغت ذروتها من خلال بناء صرح ثقافي كبير في قرية الدوير – مركز صدفا – محافظة أسيوط، مسقط رأس الكاتب الكبير.

**

يتميز المركز الثقافي ببناء معماري فريد، ويحتوى على مسرح مفتوح على الطراز الروماني. ومسرح داخلي وقاعة سينما وقاعة لتعليم الكمبيوتر وقاعة للفن التشكيلي والأشغال الفنية.

كما يحتوي المركز على ثلاث مكتبات، الأولى هي مكتبة أحمد بهاء الدين، وتحتوي على جزء من مكتبة أحمد بهاء الدين الشخصية، بجانب كتب أخرى.

المكتبة الثانية هي مكتبة المناضل/ محجوب عمر. وهي المكتبة الوحيدة المتخصصة عن فلسطين في الشرق الأوسط، وتحتوي رفوفها على خمسة آلاف وخمسمائة كتاب متخصصة في القضية الفلسطينية.

المكتبة الثالثة هي مكتبة الطفل، والتي تعتبر من أكثر الأماكن نشاطا. لما تقدمه من برامج لجذب الطفل إلى عالم القراءة، مثل برنامج المستكشف الصغير ونادي العلوم وورش الحكي والرسم وغيرها.

**

بدأ المركز بداية قوية من خلال إقامة ملتقيات ثقافية على مستوى صعيد مصر تضمنت عمل مسابقات ثقافية. ومسابقات وعروض للفن التشكيلي والأشغال الفنية والتصوير الفوتوغرافي، والأفلام التسجيلية، وعروض فنون شعبية. كما أقام المركز مهرجانات مسرحية للفرق المسرحية المستقلة لصعيد مصر، كان أخرها عام 2018.

الجانب الثقافي وحده كان كفيلا بضرب سياج من العزلة الشديدة على المركز. ومن ثم شاهدنا تحويلا للمسار، حيث بدأ المركز يتفاعل مع حاجات الناس المباشرة والملحة. وتحول إلى مركز للتنمية الاجتماعية لقرية الدوير والقرى المحيطة، خاصة في مجالي الصحة والتعليم.

لقد قامت الجمعية بتحريك قوافل طبية، وتنفيذ مشروع للتثقيف الصحي بالتعاون مع الهلال الأحمر المصري. كما قامت بتأسيس عيادتين بمستشفى الدوير، والتبرع بأجهزة غسيل كلوي وحضانات المبتسرين لمستشفى صدفا المركزي.

ساهمت الجمعية في تطوير خمس مدارس بإدارة صدفا التعليمية، من خلال تأسيس عيادات داخل المدارس، وتوزيع حقائب طبية على التلاميذ، وتوريد أدوات موسيقية ومعامل ومقاعد وسبورات ذكية وماكينات تصوير وأجهزة حاسب آلي وطابعات. بالإضافة إلى استقبال زيارات المدارس بالمركز الثقافي، وعمل دورات خاصة بتعليم أساسيات الحاسب الآلي للأطفال والتلاميذ.

**

الجانب الاقتصادي هو الآخر وجد مساحة من خلال عمل ورش الأشغال اليدوية والخياطة للسيدات والفتيات وتنفيذ معارض لبيع المنتجات.

لاشك أن كل نشاط يستحق الحفاوة والتقدير سواء أكان مرتبطا بالجانب الثقافي أو الاجتماعي بشكل عام. وتبقى هوية المركز الثقافية هي الأهم. فهل ينتصر الثقافي وينجح في القيام بدور حقيقي أم ينهزم تحت تأثير الضغوط الاجتماعية الأخرى، ويفقد خصوصيته ويتحول إلى جمعية من جمعيات تنمية المجتمع بالشكل المباشر للكلمة. لأن الثقافة في جوهرها وسيلة هامة من وسائل تنمية المجتمع، لكن بلغتها الخاصة التي لا تنافسها فيها غيرها من المؤسسات التي تهتم هي الأخرى بتنمية المجتمع.

السؤال الأهم يرتبط بالحوار مع الثقافة التقليدية، ومساعدة المواطن الريفي في استيعاب المستجدات العصرية وتأثيرها على منظومة القيم العادات والتقاليد المتوارثة. والمؤسف أن المركز رغم إمكانياته الكبيرة لم يلعب دورا على هذا المستوى. فلم يقم على سبيل المثال باستضافة أساتذة في علم الاجتماع لمناقشة قضايا الريف مع أهالي القرية، مثل قضية الثأر أو الثقافة القبلية، ولم يفتح المجال للباحثين لدراسة كل ما يرتبط بثقافة القرية.

لقد قام المركز بأنشطة كثيرة وهامة خلال السنوات الماضية. لكن عطاءه أقل من إمكانياته، الأمر الذي يحتاج إلى مناقشة ومراجعة وإقامة حوار دائم حول البرامج التي يمكنه تنفيذها.

**

بعض مثقفي أسيوط سعداء بوجود المركز في قلب القرية، مثل الروائي مصطفى البلكي، لأن المدن الكبرى ـ في رأيه ـ بها قصور وبيوت للثقافة. خاصة وأن المركز يحمل اسم أحد أبرز صحفي مصر في القرن العشرين، وفكرة وجوده جاءت لتخليد ذكراه والمحافظة على تراثه، ومكتبته. وقد ارتبط في ظل حماس البدايات بجهود مخلصة في نشر الوعي، اتسع نطاقها لتشمل الصعيد من خلال ملتقى ثقافي سنوي.

لقد لعب المركز ـ كما يقول مصطفى البلكي ـ دورا هاما في اكتشاف الكثير من المواهب التي أصبحت ركيزة مهمة في العمل الثقافي في الكثير من المؤسسات. لكن المركز يشهد نوعا من التراجع بسبب ضعف الدعم المالي والكوادر التي تؤمن بدور المركز في التنمية الثقافية.

**

بعض المثقفين في الصعيد يشككون في جدوى وجود المركز بين سكان الريف. كما هو حال الشاعر سيد عبدالرازق الذي كان يتمنى وجود المركز في مدينة أسيوط، لا في قرية الدوير، وذلك للأسباب التالية:

أولا: وجود المركز في قرية نائية في آخر مراكز المحافظة أدى إلى وجود عزلة ثقافية عن الأدباء والفنانين. اللهم إلا إن كانت دعوة مخصوصة لأحدهم للحضور أو عملا وظيفيا يؤديه هناك.

ثانيا: النطاق التأثيري له في مكانه الحالي فيما يتعلق بالجمهور ثابت وغير متنامٍ. لأنه يخدم بالكاد أبناء الدوير وإن كنا أكثر أملا لقلنا أبناء مركز صدفا.

ثالثا: ألجأه هذا البعد الجغرافي ومحاولة للتخلص من ثبات قيمته النفعية المعرفية إلى تنقل كوادره بين المراكز لتنفيذ فعالياته التي يقيمها. مما أفقد المكان المعد لممارسة الأنشطة الإبداعية قيمته اللوجيستية، وأهدر موارده بشكل كبير.

**

ويضرب الشاعر سيد عبدالرازق مثلا على إهدار إمكانيات المركز بنموذجين. الأول مكتبة فلسطين، وهي مكتبة ذاخرة بكل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ولو أنها في المدينة وتم الترويج لها كما ينبغي لكانت مقصد كل المهتمين والدارسين على السواء.

الثاني قاعة العرض المسرحي وهي معدة للعروض المسرحية الصغيرة أو للعرض السينمائي. لو أنها في المدينة كان يمكن استثمارها أيما استثمار ولدفعت بالمكان إلى مكانة تليق بإمكاناته.

لكن، هل توجد أنشطة يمكن أن تكسر تلك العزلة وتجعلنا نستفيد من المركز بشكل أفضل؟

يذهب الشاعر سيد عبدالرازق، إلى أن الأنشطة المقترحة كثيرة، مثل استغلال المسرح في مهرجان المونودراما والديودراما ومسرحيات الأطفال و الفصل الواحد. وعروض سينمائية ترويحية وتعليمية وحلقات فيديو كونفرانس عبر تطبيق الزوم أو غيره مع الأدباء وهم في بيوتهم.

**

بالنسبة للمكتبة يقترح سيد عبدالرازق تنظيم يوم فلسطين كل شهر، مع تنظيم رحلات دورية من كل أنحاء المحافظة للمركز. واستضافة مدرسة كل أسبوع، وتوفير أتوبيس خاص بالمركز لنقل التلاميذ. وكذلك نقل أدباء أسيوط وسوهاج من وإلى المركز، مع إقامة حفلات التوقيع. واستضافة شعراء الجامعة بفرقهم البسيطة ومريديهم من زمايلهم.

مهما كانت التحديات التي تواجه مركز أحمد بهاء الدين إلا أن إقامته في منطقة ريفية في وسط الصعيد يعبر عن توجه وطني وإنساني محمود، ويلبي حاجة ماسة. لكنه بحاجة إلى أفكار إبداعية مستمرة، ومراجعة دائمة، وحوار متواصل، وانفتاح فعال على الحركة الثقافية في الصعيد.

اقرأ أيضا

عصام راسم وأسطورة تاجر العبيد الذي صار تمساحا

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى