مذيع الكرة..وتحولات الماتريكس الجنسية

من السهل أن يتجنب المرء الحديث عن هذه الأمور “المحرجة”، تجنبا لسوء الفهم الذي لا مفر منه، وتجنبا للتعليقات السخيفة والجاهلة. ولو كنت من محبي كثرة اللايكات والتعليقات المؤيدة، فربما يمكنك أيضا أن تشارك بقية القطيع في الهجوم على ما يحدث في العالم، وفي صناعة الترفيه بوجه خاص، من تركيز على حياة ومشاكل المثليين والمثليات والمخنثين وعابري الجنس وغيرهم من الأقليات “الجنسية”، التي طالما تربينا، جيلا وراء جيل وراء جيل، على إدانتهم وتكفيرهم والتحقير منهم وربما اضطهادهم وملاحقتهم أيضا. ما أسهل أن يتجنب المرء الخوض في هذا الموضوع “الحساس”، الذي يثير لدى الغالبية حساسية غير طبيعية.

لكن ما يدفعني لفتح هذا الموضوع الآن هو أنني في يوم واحد استمعت إلى فقرة إذاعية لمذيع رياضي شاب لا أعرف اسمه، ثم شاهدت الجزء الرابع من سلسلة “الماتريكس” الذي يحمل اسم “عودة الماتريكس” أو ”  The Matrix Resurrections.

المذيع الشاب، وهو نموذج للمواطن الصالح المندمج داخل “المصفوفة” في تآلف وألفة واضحة، يعتقد مثل ملايين غيره من مواطنينا الصالحين، أن الغرب يحاول اجبارنا على الانحلال ليخرب أخلاقنا، وأن هذه الموجة الموجهة من الأفلام التي تدور حول المثليين أو تحتوي على شخصيات مثلية، تهدف بالأساس إلى اجبارنا أو استدراجنا للاعتراف بهؤلاء وربما تهدف أيضا لاغرائنا بالتحول جنسيا!

**

المذيع الشاب، المتصالح مع المصفوفة ومع صورة الذكر الممتلئ بالرجولة الذي يسخر ويحقر من الكائنات التي تنقصها  أو تزيد لديها بعض الهرمونات الذكورية أو الأنثوية، ترك الرياضة وكرة القدم ليعلق على ما تبثه إحدى المنصات من أفلام تدور عن المثليين. والمذيع الشاب الذكي، اعتبر أن محتوى هذه المنصة يستهدفنا وأنه جزء من خطة الغرب لاجبارنا على اعتناق مفهومهم عن “الحرية”..وأن أي مؤسسة دولية أو دولة أو تذكر كلمة “حرية” و”مصر” في سياق واحد فهي تعني حرية وحقوق “الشواذ” وهي بالقطع تستهدف هدم معتقداتنا وتقاليدنا. والمذيع الشاب الحكيم أمسك بتلابيب المنطق برده على أصحاب منصات الترفيه والمؤسسات الدولية (معا) عندما قال لهم نحن أحرار في أفكارنا ومعتقداتنا وأنتم تعتدون على هذه الحرية باسم الحرية..وهكذا قطع بسيف المنطق المبهر كل ضلالة!

كان المذيع المفوه يواصل بلا انقطاع حديثه الحماسي، المنفعل (بطريقة تثير الشكوك) حول المثليين والمثليات، عندما تركته لمشاهدة أحدث أفلام  “الماتريكس”، وبينما تتوالى عناوين الفيلم أمام عيني رحت أفكر في أمر عجيب: منذ ما يزيد عن عشرين عاما، شاهدت الفيلم الأول من سلسلة “الماتريكس” وانبهرت به، مثل الملايين، ولم أزل واحدا من عشاق هذه السلسلة الكلاسيكية التي غيرت مفهوم أفلام الأكشن، وتنبأت بحلول عصر الواقع الافتراضي وظهور أجيال تعيش داخل هذا الواقع الافتراضي وهيمنة الكمبيوتر والذكاء الصناعي على معالم حياتنا.

**

بعد الماتريكس انضم مؤلفا ومخرجا السلسلة، الأخوان لاري وآندي واشوسكي، من إلى قائمة أبرز صناع السينما في العالم، وأكثرهم ثراء.

اليوم لم يعد لهذين الأسمين وجود. فجأة في 2012 أعلن الأخ الأكبر لاري أنه تحول إلى امرأة اسمها لانا، وفي 2016 أعلن الأخ الأصغر آندي أنه تحول أيضا إلى امرأة اسمها ليلي!

لانا وليلي ليسا أول المتحولين، ولن يكونا آخرهم، لكنهما بالطبع أشهرهم، وتحولهما هو الأكثر تأثيرا في تاريخ التحول الجنسي، ورغم مرور سنوات على الحدث يصعب على المرء (علي شخصيا) استيعاب هذا الأمر أو التعامل معه. ورغم أنني لا أعطي لنفسي الحق في لوم أي إنسان على ميوله الجنسية (طالما أنه لا يعتدي على إنسان آخر)، إلا أن قبول الأمر على المستوى النفسي والبدني لم يزل صعبا، والأمر ليس له علاقة بالقناعات الفكرية أو الاعتقادات الدينية. وأتذكر منذ حوالي عشرين عاما أنني التقيت بأحد الممثلين (الممثلات) الايطاليين، كان قد شارك بدور مهم في أحد أفلام فلليني، وأثناء الحوار معه لم أستطع أن أحدد هل أنظر إليه وأخاطبه كرجل أم كامرأة، وقد تسبب لي ذلك فيما يشبه الغثيان.

**

كنت أدرك، عقليا، أن الذنب لا يقع عليه، فهكذا خلق، وكنت أعرف، أو ربما عرفت لاحقا، أن كلمة “طبيعي” لا وجود لها في الطبيعة، وأن هناك حيوانات وطيور وحبات طماطم “غير طبيعية”، وأن المسألة كلها تتعلق بالأغلبية وبالصراع التاريخي بين الجنسين على الهيمنة، وهي هيمنة تسببت في نوع من الكبت والقمع الجماعي، دائما ما يتسبب في انتاج مخلوقات مريضة عدوانية غالبا ما تنتقم من المجتمع الذي يرفض الاعتراف بها (ولعل قصة فرانكنشتين واحدة من الاستعارات المجازية  الشهيرة على هذا الكبت ونتائجه، وكثير من روايات الرعب تعبر بطريقة أو أخرى عن هذه المكبوتات والمحرمات التي تنفجر لتنتقم.). أدرك اليوم أيضا أن الشعور الخفيف بالغثيان الذي أصابني يومها له علاقة بهذا الكبت الذي يتعرض له الجميع منذ طفولتهم لاجبارهم على تقسيم أنفسهم ومشاعرهم ورغباتهم والعالم كله إلى ذكر وأنثى فقط.

**

كنت أطالع فيلم “الماتريكس” مستغرقا في أفكاري حول هذه الهوة الحفرة التي تفصل بين مجتمعين وطريقتين على طرفي النقيض في التفكير..وشعرت أنني مثل أبطال الفيلم الحائرين أمام اختيارين صعبين وهما تناول القرص الأزرق الذي يعني الاستمرار في العيش داخل الأكاذيب المريحة، أم تناول القرص الأحمر الذي يجعلك ترى الحقيقة الصعبة، والمعاناة من هولها وغرابتها، ومن ملاحقة ومطاردات الماتريكس!

عزيزي القارئ..القرصان أمامك..فأيهما تفضل؟

اقرأ أيضا:

رفضته الرقابة: «شرف» صنع الله إبراهيم في فيلم متعدد الجنسيات لمخرج مصري ألماني

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى