مذبحة حدائق القبة: حكاية البلطجي النبيل (2-4)

مذبحة حدائق القبة هو الاسم الذي أطلقته الصحف على الحادث المأساوي الذي شهده شارع عزام وشارع محمد خضر المتفرع منه بتاريخ 28/8/2022، وراح ضحيته شقيقين، وقام شقيقهما الثالث بقتل قاتلهما.

المذبحة اسمٌ من أسماء أخرى أطلقتها الصحف على الحادث مثل المجزرة وحرب الشوارع. وقد فضَّلنا الاسم الأول لأنه الأكثر حضورا في الصحف. ولأن عدد القتلى صغيرٌ قياسا بكلمة حرب الشوارع أو حتى كلمة المجزرة، رغم ارتباط الحادث بأداة من أدوات الجزارة وهي “الكزلك”.

**

الحادث المأساوي يثير عددا من الأسئلة التي تتعلق بظاهرة العنف، وطبيعة وخصوصية الثقافة الثأرية في العاصمة، وظاهرة الحفاوة الشعبية بالقاتل. كما يثير أسئلة تتعلق بالمحتوى الرمزي للثقافة التقليدية وهو ينتقل من علامات قديمة إلى علامات جديدة. حيث يختلف المظهر أو الشكل الخارجي للرموز بينما يبقى المحتوى التقليدي أو التراثي ثابتا كما هو، مع بعض التغييرات التي تقوم بتجميل التراث، أو تعديله، أو تشويهه.

سوف نتوقف أمام الحادث من خلال شهادتين الأولى تتحدث فيها ابنة شقيقة القاتل الثاني. والقتيلين الأول والثاني، والأخرى يتحدث فيها شقيق القتيل “حسن بخيت”، والقاتل الأول. ثم نقوم بتحليل الواقعة، والتوقف أمام أبعادها الرمزية. كما تتجسد في بعض المظاهر مثل جنازة القتلى، وارتباط المكانة بالمكان، والأدوات المستخدمة مثل “الكزلك” وعصا البلياردو.

الشهادتان عبارة عن ملخص لحوار أجريته مع سالفي الذكر، يومي الاثنين والثلاثاء 5، 6 سبتمبر 2022. وهو توقيت صعب نظرا لقربه من تاريخ الواقعة. وكان الدم ساخنا على حد تعبير محمد بخيت. فجاءت الإجابات قصيرة مختزلة ومتبرمة أحيانا من كثرة الأسئلة. وقد قمتُ بإعادة تحرير الإجابات في صيغة شهادتين، بعد تفريغ التسجيل الصوتي، وتكثيف الحوار، وتجريده من الزيادات والاستطرادات.

وقد تلاحظ لي صمت الشهادتين عن بعض التفاصيل الصغيرة نظرا لتعاطف الراوي مع أحد القتلى. ولهذا لم أكتف بأقوالهما، بل لجأت إلى مصادر أخرى. ومنها صفحات الفيس بوك الخاصة ببعض أقارب وأصدقاء القتلى، والتي نشرت نعيا لهم وفيديوهات للجنازة، وتعليقات عليها. وقد قمت بذكر تلك التفاصيل التي لم ترد في الشهادتين في موضعها عند تحليل الواقعة وهي قليلة جدا. وقد حاولت الاطلاع على أوراق القضية لكن الأمر تعذَّر.

 شهادة هايدي ناصر

الراوي: هايدي ناصر سيد، 23 سنة، طالبة بالفرقة الرابعة بكلية الحقوق، ابنة شقيقة الضحيتين سامي وأمير والجاني الثاني وليد.

أخوالي مولودين في الوايلي، وكلُّهم متجوزين ومعاهم أولاد، وأبوهم اللي هو جدي مش من الصعيد، ومعرفش أصله منين بالظبط. بس التُرْبة بتاعت جدي في سرياقوس تبع محافظة القليوبية.

خالي “وليد” المحبوس من يوم الحادثة، هو أكبر أخواته. وما أعرفش عمره كام بالظبط. وهو ما كملش تعليمه. وشغال مقاول أعمال تأسيس سباكة وصرف صحي. وساكن في أول شارع عزام.

خالي “سامي” أتوفى بطلقة وعنده 41 سنة. وهو خرِّيج معهد عالي كمبيوتر وبرمجة. وموظف في شركة حسابات. وهو ساكن في شارع عزام.

خالي أمير عنده 38 سنة، وأتوفى بطعنة الكزلك. وهو خريج سياحة وفنادق. وشغال شيف في مطعم بالنادي الأهلي. وساكن في الخصوص. وكان بيصيف في إسكندرية وجه يوم الحادثة.

**

حسن بخيت، اللي قتل أخوالي كان متربي معاهم في نفس المنطقة، وهو ساكن في شارع محمد خضر، المتفرع من شارع عزام،  قبْل بيت خالي وليد بشارعين. وهو مسجل خطر جرائم نفس، لأنه قتل واحد قبل كده ودخل السجن، وبيتعامل مع الناس بصفته شخص خطر، وما معرفش أصله منين. وهو جايب ترابيزة بلياردو وترابيزة تنس طاولة  قدام بيته، وبيأجرهم بالساعة، ودا كان سبب من أسباب كراهيته لخالي وليد. لأن خالي جاب ترابيزة بلياردو لابنه يشتغل عليها في الشارع، وحسن كان بيقول إنه بياخد رزقه.

يوم الأحد الصبح كان “حسن بخيت” راجع من سهره وهو في حالة سكر. وقابل خالي “وليد” عند  المطعم، وخالي كان بيضحك معاه. وبعد كده شدُّوا مع بعض في الكلام، لأني “حسن” افتكر إن خالي بيضحك عليه. وقام “حسن” ضرَبُه ضرْبة جامدة تحْت عينه الشمال، والضربة كانت هتْضيَّع عينه خالص.

في العصر قعدوا أخوالي مع بعض، و”سامي” اتصل بـ”حسن بخيت” في التليفون. وأتكلم معاه عن المشكلة. و”حسن” قال إنه هيراضي “وليد” ويعتذر له.

**

خالي سامي وخالي أمير ومعاهم ناس تانية من الجيران راحوا لحسن بخيت، علشان ياخدوه يروح يعتذر لخالي “وليد” في بيته. وهو ماعرفش إنهم راحوا له، غير لما سمع صوت ضرب النار.

خالي سامي واللي معاه، راحوا لحسن بخيت عند البيت، واستنوه فترة طويلة على القهوة اللي قدام بيته، لغاية ما نزل. وقعد يقوله “مش عيب تضرب أخوك الكبير “وليد” في عينه”. و”حسن” قال: “وأنا مش صغير وليَّ احترامي” وشدو مع بعض في الكلام. وقام “حسن بخيت” طلع مسدس روسي فيه طلقة واحدة، ورفعه في وجه سامي، وسامي كان عايز ياخد المسدس. وفي عُرْف “حسن” وعرف البلطجية محدش ياخد سلاحه من إيده وقام بإطلاق الطلقة الوحيدة، وجات في بطن “سامي” وأدت إلى وفاته في الحال.

خالي أمير لما شاف أخوه مرمي حاول الدفاع عنه لكن حسن بخيت طعنه بالكزلك وموته.

**

بعد صوت الطلقة حصل ذعر في الشارع، والناس طلعت تجري. وخالي وليد ماكانش يعرف إن حسن هو اللي ضرب نار. والناس اللي بتجري في الشارع همَّا اللي قالوا له ألحق أخواتك سايحين في دمهم.

طلع يجري، لقي حسن واقف بيتظاهر بالسكين، فقام خالي مسك كور البلياردو اللي على الترابيزة اللي قدام بيت حسن، وضربه بيها في وشه، فحصلت له دوخة، ووقع من الضربة. وراح خالي أخد منه الكزلك، وطعنة تلات طعنات.

في رواية لشاهد آخر قال: وليد بعد ما قتل حسن، جاب عصاية البلياردو وفِضِل يضرب فيه، لغاية ما كسَّر راسه”.

تلك هي الحكاية من داخل بيت الطرف الأول، فماذا تقول الحكاية وهي تخرج من بيت الطرف الثاني؟

اقرأ أيضا

 الثأر في القاهرة: الخصوصية والقيمة الرمزية (1-4)

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى