مدينة أخميم.. 3 آلاف عام في صناعة النسيج و”شغل اليد”

تصوير: أحمد دريم

دفعتنا شهرة مركز أخميم بمحافظة سوهاج بأعمال النسيج الرائعة، إلى زيارة  أكثر  مكان مخصص لأعمال النسيج.

هناك حملت النساء هم تدريب غيرهن من نساء أخميم، بهدف الحفاظ على الحرفة من جانب، وتوفير مصدر رزق للسيدات بالأخص من جانب آخر.

من داخل مركز الخدمة الجامعية بأخميم “ولاد البلد” أخذت جولة مع سميرة عطية، مدير الجمعية، لتتعرف على أهم ماكينات وحرفين النسيج.

النول

في غرفة واسعة تزين جدرانها أعمال النسيج الرائعة نجد النول، الذي تصنع من خلاله “السدوة” أو “الخيوط الطويلة”، وهو عبارة عن إطار خشبي مكون من ثلاث أضلع، يعلو عن الأرض بمسافة ثلاثة أمتار تقريبًا، يتدلى من الضلع الأمامي حلقات مستديرة صغيرة مصنوعة من الخيط المقوى عددهم 48 حلقة.

توضع بهذه الحلقات خيط نسيج يشد، وينقل على وتد، وهو إطار خشبي آخر أكبر من الأول قليلا، ليجمعهم على شكل كورة خيط كبيرة، وتعد “السدوة” هي أساس النسيج.

عم “موريس”

يقف بجوار الإطارين رجل رغم كبر سنه إلا أن جسده احتفظ بقوة واضحة في بنيانه، كان منهمكا في عمله في حركات سريعة وغاية في المهارة والدقة معًا، واضعًا على الأرض أكثر من بكرة خيط كبيرة الحجم يعمل بهم، لنتحدث معه عن رحلة حياته مع النسيج.

موريس غطاس، 70عاما، “عشقت النسيج من أول ما عينى فتحت عليه” بهذه الكلمات يبدأ عم موريس كلامه عن النسيج قائلًا: منذ طفولتي وأنا أتابع والدي الذي كان يعمل بالنسيج، وفي سن 10سنوات تركت المدرسة وتفرغت للعمل مع والدي.

“في البداية كانت الصنعة صعبة عليّ لكن غويتها وأتعلمتها بسرعة ودقة أيضا”، ليقدم بعدها في وظيفة بمجلس المدينة في مشروع النسيج بالمحافظة.

يستكمل غطاس: كان المشروع هو بداية نجاحي في النسيج، لأني وزملائي معنيين بتنظيم معارض، ونظرًا لخبرتي أصبحت بعد فترة قصيرة مدربًا للقائمين على المشروع لأعلمهم أصول النسيج.

ويوضح أنه يستطيع تعليم صناعة النسيج في مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وبعدها يقوم بالملاحظة والمتابعة والإشراف على العمال.

يضيف غطاس أنه بعد خروجه على المعاش طلب منه القائمون على الجمعية الانضمام إليهم، ليكون أيضا مدربًا وملاحظًا على العاملات بالمشروع.

أما عن النوال فيوضح عم موريس، يعد هو المرحلة الأولى للنسيج، إذ يتكون من 48 حلقة، وبالتالي يضع نفس العدد من بكر الخيط على الأرض، ثم يسحب “فتلة” خيط من كل بكرة ويضعها في حلقة، ويجمعهم بيده وينقلهم إلى النول الأكبر، وبذلك صنع عم موريس على النول “السدوة” أساس المنتجات النسيجية المختلفة.

النير

في الركن الأخير للغرفة نجد إطارين خشبيين متقابلين، بهما حلقات توضع بها خيط النسيج، يسمي “نير” يستخدم لعمل مفارش نسيجية صغيرة الحجم، وأمام كل إطار تجلس سيدة يعملان بطريقة تبادلية ومنظمة.

رضا فكري، 50 عاما، تجلس أمام أحد الإطارين، تقول إنها تبادل الخيط مع زميلتها في الاتجاه المقابل على شكل مقص لتصنع ما يمسى بـ”اللقطة”، التي تعني تداخل الخيوط ذات الألوان المختلفة بشكل منتظم، موضحة أنها تحرص جيدًا على أن يكون التبادل بالترتيب ولا تعمل “لقطة” قبل أخرى، وإلا يحدث خللًا في شكل قطعة النسيج.

النول العريض

النول العريض أو “النول فرد واحد” هو آلة خشبية ضخمة صوتها يشبه صوت عربات القطار عندما تصطدم بعضها ببعض، وتشبه في طريقة عملها ماكينة الخياطة القديمة.

وتتكون من أعمدة خشبية مرصوصة بشكل أفقي  ورأسي لتشكل مربعًا كبير الحجم، ومربوط حول الأعمدة الرأسية الخيوط الطويلة “السدوة”، وتتداخل الخيوط العرضية في الطويلة عن طريق أداة تسمى “اللحامة”، وهي عبارة عن مساورة حديدية ملفوف حولها خيط نسيج، تحملها المرأة التى تعمل على تلك الآلة، وتحركها يمينا ويسارًا، بالتزامن مع حركة رجليها على “الدوسات”، والدواسة هي قطعة حديد متحركة في قاع الآلة تعمل بالضغط عليها بالأرجل، ليتداخل الخيط العريض في المثبت بالطول كالشبكة وبذلك تتكون قطعة النسيج.

نقترب من هذه المرأة الحديدية، التي يبدو عليها الإرهاق من جراء العمل الشاق والجهد الذي تؤديه على هذه الآلة، هي شادية عدلي، في الأربعينات من عمرها من أهالي أخميم.

تقول شادية إنها تعمل بالنسيج فى هذا المكان منذ 30 عامًا، صنعت خلالهم مئات المنتجات النسيجية، التي تتنوع ما بين مفارش منزلية وأطقم سرير وغيره، فمنذ أن بدأت في تعلم النسيج خطوة بخطة على يد عم موريس، أحبت تلك الصناعة وأصبحت تمارس المهنة من نابع حبها للأشكال الفنية التي تخرج من تحت يديها، ومرت بها السنين في المكان لتصبح من أشهر المصممات في إخراج النسيج.

تستكمل شادية أنها غالبا ما يكون هناك رسمة محددة تمشي على نهجها، لتحولها من على الورق إلى مفرش النسيج، لكن هي فى نفس الوقت تمتلك حرية الاختيار في تصميم نموذج تختاره، بالإضافة إلى أنها تنسق الألوان بحسب خيالها وتقديرها للرسمة، مضيفة أن النول يعتمد على فرد واحد ليصمم مفارش مقلمة أو مطرزة أو سادة.

توضح أنه رغم اعتماد النسيج على المجهود اليدوي خاصة تلك الماكينة، إلا أن النسيج هو مهنتها التي تعيش عليها “أنا ربيت بناتي وعلمتهم أحسن تعليم، بنت في كلية طب وأخرى في كلية تربية، هنا في المكان بلاقي تقدير سواء مادي أو معنوي على شغلي”.

التدويرة

هي ماكينة تساهم أيضا في عمل النسيج، سميت بذلك لأنها تعمل بشكل دائرة عن طريق لف خيوط النسيج حول مواسير تلك الآلة، لتوضع  على “مكوك” وتأخذها النسّاجة بعد ذلك لاستخدامها كلحامة “أي عمل خيوط عرضية”.

البكماء الناطقة

تضم الجمعية أيضا فنانات يقمن بتطريز النسيج ووضعه فى إطار خشبي ليتحول إلي لوحات فنية، لنتعرف هناك على أحدهن، فتاة ذات عيون خضراء الجميلة وضحكة الناعمة، لتجلس معانا فى هدوء وتتحدث بكلمات غير مفهومة، فهي “بكماء”، وهو مايزيد من جمالها جمال.

تشتهر بيدها الساحرتين، ولديها قدرة علي تحويل الشكل الصامت للنسيج إلي لوحه فنية صارخة تحمل الكثير من المعني، إنها نوره خلف، 50عاما، الفنانة التى ذاع صيتها فى المكان ليس لأنها البكماء الوحيدة التى تعمل بالنسيج ولكن لجمال وروعة لوحاتها التي تقوم بزخرفتها، حاولنا التحدث معاه بعض الكلمات بالإضافة إلي وجود سميرة عطية، مديرة الجمعية، التى تحفظها عن ظهر قلب.

تقول نوره إنها تعمل فى النسيج منذ 30عاما، في تطريز اللوحات النسيجية من وحي خيالها، فتقوم الجمعية بعمل رحلات تنزه لنوره حيث الطبيعة الربانية والأشكال البشرية والحيوانية المختلفة لتلتقط بعينها بعض المناظر وتقوم برسمها بخيط النسيج على اللوحة النسيجية “بحب الجديد مش القديم في الفن” بكلمات بسيطة عبرت نوره عن طريقة اختيارها للمنظر التي ترسم، رافضة عدم تكرار الموضوع مطلقا.

تضيف سميرة عطية، مديرة الجمعية، عن نوره، إنها الفنانة الوحيدة في المكان هي ومريم، وتميزت نوره بلوحاتها الجميلة الساحرة، وبالقطة الغربية قائلة: “كان فى زيارة لحديقة الحيوان وكان هناك ولد جلسان بجوار بعضهم فى منظر غرامي، فقامت برسمهما بطريقة مبدعة، وفى رحلة أخري قامت سميرة بضربها علي يدها لمنعها من قطع الورد فى الحديقة، فنقلت غضبها من ذلك على لوحة نسيجية رائعة”، وغيرها من اللوحات التي تملي المكان.

توضح عطية، أن  العمل فى المركز ينقسم إلي نوعين نساجات وفنانات، وتعتمد طبيعة العمل النساجات على تدريبهم على حرفة النسيج بداية من الخيط والإبرة وحتى تصميم قطعة النسيج والتي تتنوع مابين كوفرتات، ومفارش للسرير، وسفرة، وشيلان، وستائر، وتستمر مدة التدريب حوالي 3أشهر من بعدها تعتمد النساجة على ذاتها في تصميم قطعة النسيج مع استمرار المتابعة والأشراف.

تردف إلي أن الرسومات تتقسم إلي رسومات قبطية وإسلامية، وأن عملية تداخل الألوان في قطعة النسيج تتم عن طريق تصميم رسامة معينة  لتنقلها على النسيج وأحيانا أيضا يكون لها مطلق الحرية في تذوق الألوان، يختلف هذا طبقا لعمر النساجة وخبرتها في العمل، ولكن الفنانات بالمركز يجهز لهم المركز رحلات فى الطبيعة لاختيار موضوعات تطرز على قطعة النسيج.

أما عن حرفة النسيج تشير مديرة الجمعية أنها أوشكت على الانقراض بسبب عدم توارث الحرفة، فأغلب الحرفين يمنعون أولادهم من تعلم صناعة النسيج، نظرا لصعوبة العمل به بالإضافة إلي قلة الدخل العائد منها، ولهذا تحرص الجمعية على ضم اكبر عدد لها من السيدات للمحافظة علي الحرفة التي تشتهر به المدينة منذ قديم الأزل.

عن المركز

مركز الخدمة الجامعية بأخميم التابع لجمعية الصعيد للتربية، وهي جمعية ذات صفة عامة ومشهرة فى الشئون الاجتماعية تحت رقم 1010 لسنة 1967، يضم المركز 120فتاة تم توزيعهم على ثلاثة أقسام، قسم التشغيل اليدوي القائم على الأنواع الخشبية، والتطريز القديم القائم على الفن القبطي الإسلامي، والفن التلقائي من خلال تنظيم رحلة إلي أماكن مختلفة سوا كان الموضوع.

اخميم

عُرفت مدينة أخميم قديما كأحد أهم مراكز صناعة النسيج، وأطلق عليها أحد المؤرخين اسم “مانشيستر ما قبل التاريخ”، نسبة إلى مدينة مانشيستر التي تعتبر أقدم مدينة لصناعة النسيج في بريطانيا، وقال زكي مبارك في الخطط التوفيقية إن أهلها يفوقون غيرهم في الصنائع، لا سيما في نسيج أقمشة الكتان‏.‏

وقد اشتهرت أخميم في العصر الروماني بالمنسوجات الحريرية، وبلغت في ذلك شأنا كبيرا حتى أنها كانت تصدر خارج البلاد، وقد توافر لها من مواد الصباغة ما ساعدها على تفوقها في المنسوجات، حيث كان ينمو بمنطقة وادي الملوك قرب دير السبع بمنطقة جبال شرق سوهاج، نبات سُمي “الملوك”، له عصارة حمراء داكنة تستعمل في الصباغة، خاصة الحرير القرمزي الذي اقتصر ارتداؤه على الملوك والأباطرة في ذلك العصر‏.

 

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى