محمد صلاح.. في محبة «الكرة الشراب»

طالما انفجر حديث «الكرة الشراب»، بعدما أظهر ابننا محمد صلاح حنينه إلى أيامها. وترك هذا الحنين أثره على ظهر مدافعي فريق واتفورد، فيجدر علينا نحن الأكبر سنا أن نصارح أجيالنا الجديدة بما تعنيه اللفظة، لئلا يختلط على بعضهم جوربا بمشروب. وليفهموا ما لهذه الكتلة العجيبة من الصوف وخيوط القطن والمطاط والإسفنج من دور كبير في فرز اللاعبين الحريفة من أولئك “الكتيانين”. ولأني من جيل التحولات الكبرى، الذي شهد بعينيه صعود الكرة “الكوفر” في الشوارع والحارات، وإنهائها لذلك العصر العجيب الذي زينته الكرة الشراب. فيجدر بي أن أبدأ بحكاية صناعتها، تلك الساحرة الأولى، وكيف كنا نجلب تلك العناصر التي تكونها، وهي حكاية سأخفي جانبها جالب المتاعب واللعنات والمطاردات، لأبقي ذلك الجانب المفعم بالسعادة والمتعة.

الكتلة المدورة

لقد رأيت بعيني في الشوارع الأسفلت القليلة الجيل الأخير من عتاة اللعبة. من الحفاة الذين تحولت جلود أقدامهم كتلا من “الكلو”، فلا يضر باطنها سخونة أسفلت الطريق. ولا تمس وجهها خشونة تلك الكرة الثقيلة. كنت فاشلا في اللعبة بامتياز، لكن تعلقت عيني بهم وهم يغازلون بها ويغزلون ما بين الأقدام بخيوط المهارة. وكم جلست على الخط، في الدورات الرمضانية، أشهد تدحرجها بين الأقدام، وإصابتها المرمى، وأنا متساءل عن كيف لهذه الكتلة المدورة التي اكتسبت لون أديم الأرض أن تثير كل هذا الصخب.

ولعلها فرصة أن أعترف أيضا بأمر من الزمن الغابر. وبدين لهيئة أتوبيس القاهرة الكبرى في رقبتي، ربما أسقطه القانون بالتقادم، لكن على المرء أن يفي به ولو بالاعتراف الأدبي. لن أقول أني تعلمت صنع الكرة الشراب بالصدفة، بل جاء الأمر كجريمة مكتملة الأركان. بعدما دعاني ذلك الفتى الشقي من جيرتنا في شبرا، إلى جولة في الحافلات التي تقطع الكورنيش وصولا لميدان التحرير. في المساء، تبعنا أشرف أنا ومن نادتهم نداهة “الشعبطة في الأتوبيسات”، وقفزنا إلى رقم “26” و”133″ وغيرهما لنقوم بعملتنا. كنا نتحين فنتحين تهدئة السائق للسرعة  عند منحنيات الشارع، قبيل وصول الحافلة المظلات، وتحول مسارها. كانت في طريق العودة تكاد تخلو من ركابها. ويختفي لسبب مجهول الكمسرية، ويصبح سائغا أن نصعد بخفة ونستقر بالمقعد الخلفي، دون أن ينتبه لوجودنا السائق، أو لعله كان قد أنهكه التعب، فسأم هشنا وملاحقتنا بالسباب وفرملة الحافلة لطردنا.

توجيهات أشرف

كانت توجيهات أشرف واضحة، أن ننشب أصابعنا الصغيرة بسرعة في أي فتحة نجدها بالمقاعد أو المساند، لتقرض الإسفنج. وإن لم توجد، كان يخرج “بشلة”، ليصنع بها لكل واحد منا فتحة في المقعد الذي يستقر بسمة البراءة عليه. إسفنج المقاعد كان من النوع الطبيعي القوي، الذي لا يتأثر كثيرا بالماء. وكان صعبا أن تشده أظافرنا مرة واحدة، فكان علينا أن نقرضه قطعا صغيرة، ونخفيه فوق بطوننا أسفل الفانلات. كان علينا أن نفعل ذلك في مسافة قصيرة، لنقفز من الوحش الحديدي عند منحنى آخر قبل وصوله لمستقره. ونعبر للجهة الأخرى لنستقل حافلة أخرى عائدة، وندور هذه الدورة في تلك المسافة، لنحصل أكبر كم من الإسفنج. ولنعود من بعد الجولة لنهتف ظافرين في شوارعنا بسرقتنا الصغيرة.

في ذلك المساء، ذهب الأشقياء وأبقتني من دونهم الدهشة وأنا أشاهد العم جمال، الأخ الأكبر لذلك الشقي الصغير، وهو يعامل كومة الإسفنج التي ألقيناها أمامه بحنو وفرح. انتبه لوجودي فأمرني قبل أن يحشوها بأن أسوي ما بينها لتكون جميعا في حجم صغير. وأحضر هو جوربا طويل وفغر فاه. وبدأ في تلقيمه بتلك القطع. أفهمني أن شرط الجورب أن يكون طويلا، وحبذا لو كان “كولون” نسائيا، ليمكن ثني راقاته مرة ومرة، حتى يحكم التكوير الأول لكتلة الإسفنج. لم أعرف لمّ كان بجيبه كولونات نسائية كثيرة ومن أحجام مختلفة. كان جمال وسيما على أي حال، ولاعب دفاع صنديد، فضلا عن أنه كان معروفا كهجام شقق.

الحريف فيلم محمد خان عن أسطورة أحد لاعبي الكرة الشراب في حواري القاهرة
الحريف فيلم محمد خان عن أسطورة أحد لاعبي الكرة الشراب في حواري القاهرة
صنعة الكرة الشراب

ما أن لملمت يد جمال الخبيرة شتات الإسفنج داخل الجورب، حتى بدأت العملية الأدق. وهي لفها كالمومياء بخيوط القطن الكبيرة، التي كان صناع الأحذية يستخدمونها في حياكة النعال ووصلها بالجلد. وحيث كانت أرفف باعة “الخردوات” ومحلات الكلف والأزرار تضن كثيرا بهذا الصنف القوي من الخيوط. كان البديل أمامنا، وفق ما أمرنا العم جمال هو الذهاب للأفران البلدية في الحي لطلب الخيوط التي يشدونها من أجولة الدقيق لفتح فوهاتها. وكانت تأتي مقطعة، بأطوال لا تجاوز المترين، وكان لزاما علينا أن نوصلها ببعضها البعض، في شكل لفة حول عصا من جريد أقفاص الخبز، ليتسنى لجمال أن يحيط بهذه الخيوط كتلة الاسفنج التي يضمها بقوة إلى صدره.

ضهر الحية

تبينت لاحقا، بعد قليل من الدربة، أن الحل الأمثل كان في خيط اسمه “ضهر الحية”. كنا نستخدمه في تطيير الطيارات الورقية، وكان من خامة الحرير الصناعي المجدول، الذي لا ندري فيم يستخدم، لكننا كنا نجلبه من أكوام مخلفات تلك المصانع على ترعة الإسماعيلية. كان خيطا قويا بحيث يستحيل أن تقطع خيطا مفردا منه إلا بالموسى. وكان مثاليا في مناوراتنا لاصطياد طائرات عيال الشوارع المجاورة، ووظفه جمال في صنعة الكرة الشراب.

“تلف بكرتين كبيرتين من الخيط على جورب الإسفنج، بدقة وحذق حتى يخرج التكوير منضبطا مهندسا متكتلا لا يعيبه بروز ولا فراغات”، هكذا أمرني جمال، وهو يدفع بالكرة صوب صدري لأضمها بعضدي وتحكم كف كتلتها. في هذا الموضع، فيم الأخرى تشد الخيط. “ومع كل لفة تشد شدة محبوكة محسوبة، لتضغط شيئا من الإسفنج البارز، وتكمل شكل الشبكة المحيطة بكتلة الكرة”.

كتلة مدورة صالحة للعب

ما أن يكتمل التكوير، وينتهي لف الخيوط، حتى تأتي المرحلة الأخيرة. بجلب طبق صاج نصف مستدير، نسكب به قليلا من الكلة، من تلك التي يستخدمها صناع الأحذية (الجزمجية)، وشرطها أن تكون سائلة، بيضاء. ومنفرة الرائحة بأفظع ما يكون النفور. وتوضع الكرة في قليل الكلة هذا، وتقلب فيه على أجنابها جميعا، حتى تبلل الكلة كل مساحتها، وتسد الفراغات الصغيرة ما بين الخيوط. بعد أول تغليف لها بالسائل سريع الجفاف، تترك على أطراف مسامير مدقوقة في قطعة خشب، حتى لا تلتصق بأي شيء. وما أن تجف طبقة الكلة على الكرة بشكل تام، حتى تعاد عملية الغمس مرة أخرى في سائل الكلة ويجري تقليبها. وهكذا مرتان أو ثلاثة، إلى أن تختفي خشونة لف الخيوط، وتمتلئ كل الفراغات، ولا يبقى أمامنا إلا كتلة مدورة صالحة للعب.

اقرأ أيضا:

مو صلاح ورامي مالك في فيلم واحد.. مشروع يبحث عن مؤلف!

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى