دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«متحف الغردقة».. تجربة حديثة تروي حكاية الجمال والسلطة عبر العصور

تحتضن مدينة الغردقة أحد أبرز النماذج الحديثة في إدارة المتاحف الأثرية، حيث يبرز متحفها كأول تجربة شراكة مع القطاع الخاص بنظام تقاسم عائد الزيارة، في خطوة تعكس توجهًا مبتكرًا نحو تطوير القطاعين الثقافي والسياحي في مصر. ورغم هذه الشراكة، تحتفظ وزارة السياحة والآثار بالدور الكامل في الإدارة والإشراف، بما يضمن الحفاظ على الهوية الأثرية والعلمية للمتحف وفق أعلى المعايير الدولية.

تقنية متطورة

يتميز المتحف ببنية تقنية متطورة، إذ تم تزويده بأنظمة إضاءة حديثة تبرز جمال القطع الأثرية وتفاصيلها الدقيقة. إلى جانب منظومة تأمين متكاملة تراعي أدق الاشتراطات العالمية. كما يعتمد على شبكة متقدمة من الكاميرات وأجهزة الإنذار. بما يضمن أعلى مستويات الحماية للمقتنيات والزائرين على حد سواء.

بهذا المزيج من الحداثة والإدارة الواعية، يقدم متحف الغردقة تجربة ثقافية متكاملة. تجمع بين أصالة التاريخ وروح التطوير، ليصبح أحد أهم عوامل الجذب السياحي والثقافي على ساحل البحر الأحمر.

الموقع والمساحة

في جولة ميدانية للكشف عن ثراء التجربة الثقافية، رصدنا تفاصيل المتحف ومحتوياته واستكشاف تجربة التجول بين قاعاته التي تمزج بين عبق التاريخ وروح الحداثة. ويقع المتحف جنوب المدينة بالقرب من الممشى السياحي. على مساحة إجمالية تبلغ نحو 100 ألف متر مربع. خصص منها 3 آلاف متر مربع لعرض الكنوز الأثرية التي يصل عددها إلى نحو 2000 قطعة أصلية، تجسد عصورًا مختلفة من الحضارة المصرية.

وقد بلغت التكلفة الإجمالية لإنشاء المتحف نحو 160 مليون جنيه. في استثمار يعكس الاهتمام المتزايد بتعزيز البنية التحتية الثقافية والسياحية. وتقديم تجربة متحفية متكاملة تليق بمكانة مصر التاريخية وتلبي تطلعات زوارها من مختلف أنحاء العالم.

مقتنيات المتحف

في قلب المتحف، تأخذك “فاترينة العالم الآخر” في رحلة بصرية آسرة إلى عمق العقيدة المصرية القديمة. حيث صُممت على هيئة مقبرة متكاملة تمتد على مساحة 120 مترًا مربعًا. تجسد تصور المصري القديم للحياة بعد الموت. وتتجلى ملامح الجمال الفرعوني في أدق تفاصيله: توابيت فاخرة، ومومياوات ذهبية، وموائد قرابين، وأواني أحشاء. إلى جانب عشرات من تماثيل الأوشابتي التي كانت ترافق المتوفى في رحلته الأبدية.

وتضم هذه المقبرة أكثر من تابوت ومومياوات متنوعة، بينها اثنتان ذهبيتان. إضافة إلى مومياء لطفل، في عرض يجمع بين الهيبة والرهبة وروعة الفن الجنائزي.

ولا تتوقف عظمة المتحف عند هذا الحد من العرض المتحفي. بل تمتد إلى مجموعة من أبرز القطع التي تشكل علامات مضيئة في تاريخ الفن والحضارة. من بينها تمثال الملكة ميريت آمون، ولوحة الأميرة فاطمة إسماعيل، وصندوق التوراة. فضلًا عن مجوهرات الأسرة العلوية التي تعكس أناقة ورقي العصر الحديث.

ركن البحر الأحمر وحطام السفينة سعدانة

من بين أركان المتحف اللافتة، يبرز ركن البحر الأحمر الذي يضم 24 قطعة من حطام السفينة الغارقة “سعدانة”. والتي ترقد على بعد 5.3 كيلومترات جنوب الغردقة، عند سفح الشعاب المرجانية شمال جزر سعدانة. على عمق يتراوح بين 27 و45 مترًا.

وقد كانت السفينة بطول 50 مترًا وعرض 18 مترًا. ويعرض منها مجموعة فريدة تشمل أواني بازلتية وفخارية، وآلات موسيقية، وعطورًا، وأدوات للصيد والمطبخ. ما يعكس تفاصيل الحياة اليومية والتجارية في زمنها.

وفقًا لمصادر وزارة السياحة والآثار، يضم المتحف مجموعة متنوعة من آثار محافظة البحر الأحمر. تشمل مكتشفات وادي الحمامات، وآثار المدينة الرومانية بسفاجا، ونظيرتها بالجونة في منطقة وادي جاسوس جنوب سفاجا. إلى جانب قطع تنتمي لعصور مختلفة، منها مقتنيات ذهبية. وقسم مخصص لآثار أسرة محمد علي، إضافة إلى مسرح روماني يعكس ملامح الحياة الثقافية في تلك الحقبة.

اقرأ أيضا: سجاد وخيش وتطريز.. كيف صنعت «سيدات القصير» مشروعا للتمكين الاقتصادي؟

قطع متوسطة وصغيرة الحجم

يتميز المتحف بأن جميع معروضاته من القطع متوسطة وصغيرة الحجم. حيث لا يتجاوز وزن أكبر قطعة ثمانية أطنان. وقد جمعت هذه الكنوز من عدد من المواقع والمتاحف. من بينها المتحف المصري بالقاهرة، ومعبد دندرة، ومعبد قفط. كما انتهت الوزارة من تنفيذ سيناريو العرض المتحفي بعناية. مع تركيب فاترينات متنوعة الأحجام تعكس تسلسلًا زمنيًا وحضاريًا دقيقًا.

وفي هذا السياق، أكدت صباح عبد الرازق، مدير عام المتحف المصري بالتحرير، في تصريحات سابقة، أن نقل الجزء العلوي من تمثال الملكة ميريت آمون من المتحف المصري لعرضه بالغردقة. وهو من الكنوز التي عثر عليها داخل معبدها الصغير بالرامسيوم، المعبد الجنائزي للملك رمسيس الثاني. ويعد هذا التمثال من روائع فن النحت في عصر الدولة الحديثة. حيث يصور الجزء العلوي للملكة، ابنة رمسيس الثاني. وهي تمسك بعقد “المنات” المستخدم في الطقوس الدينية لإصدار أصوات احتفالية تُبجّل الآلهة.

يتكون المتحف من طابقين يضمان مجموعة ثرية من القطع الأثرية التي تروي فصول الحضارة المصرية عبر العصور. بدءًا من المصرية القديمة، مرورًا باليونانية والرومانية. ثم القبطية والإسلامية، وصولًا إلى العصر الحديث. وتلتقي هذه المقتنيات جميعها حول محور موضوعي يعكس مفهوم “الجمال والرفاهية” في مصر عبر الزمن. في تجربة متحفية متكاملة تزاوج بين التاريخ والفن والحياة.

كنوز أسرة محمد علي

لا تقتصر الحكاية على عصور الفراعنة والرومان بل تحتوي أروقة متحف آثار الغردقة على جانب من التاريخ الحديث. حيث مقتنيات الأسرة العلوية من أكثر الأقسام جذبًا للزائرين. لما تحمله من ندرة وقيمة تاريخية ورمزية اجتماعية.

وفي هذا الركن، تتلألأ مقتنيات تعود إلى أسرة محمد علي. حيث تعرض مجموعة فريدة من الأوسمة والمجوهرات الملكية واللوحات الزيتية التي كانت جزءًا من مقتنيات الأميرات وأفراد العائلة المالكة. لتمنح الزائر تجربة بصرية ثرية تستعيد ملامح الحياة الأرستقراطية في مصر الحديثة.

اقرأ أيضا: من قلب الأعماق.. «هيبكا» تقود مهمة بحرية لحماية كنوز البحر الأحمر

نيشان الكمال.. وسام ملكي بتوقيع نسائي

من بين أبرز هذه المقتنيات، يلفت الأنظار “نيشان الكمال”، أحد أهم الأوسمة الملكية التي خصصت للسيدات فقط خلال الحقبة الملكية. وقد تأسس هذا الوسام بأمر سلطاني عام 1915 في عهد السلطان حسين كامل. وكان يمنح للسيدات اللاتي قدمن إسهامات بارزة في المجتمع.

ومن أشهر من حظين به خارج نطاق الأسرة المالكة، كانت الفنانة أم كلثوم، التي نالته تقديرًا لدورها الفني والثقافي المؤثر. واستمر الاحتفاظ بهذا الوسام حتى بعد قيام الجمهورية عام 1953، ليظل شاهدًا على تقدير دور المرأة ومكانتها في الحياة العامة خلال تلك الفترة.

ولا تقل قطعة “بروش الغزالة” أهمية وجمالًا فهي واحدة من أثمن المعروضات داخل المتحف. وهي عبارة عن دبوس صدر مصنوع من الذهب الخالص ومرصع بالألماس يرجع تاريخه إلى عام 1805 في عصر محمد علي باشا.

لوحات زيتية نادرة

يقدم متحف آثار الغردقة سرد بصري ثري لتاريخ الأسرة العلوية. من خلال مجموعة نادرة من اللوحات الزيتية التي توثق أناقة الأميرات وتفاصيل حضورهن الاجتماعي والسياسي.

وبين هذه الأعمال، تبرز لوحة لأميرة شابة ترتدي فستانًا ورديًا، ينسدل شعرها على كتفيها في نعومة لافتة، وتتزين بقلادة من الأحجار الكريمة. بينما يعلو رأسها تاج ملكي يعكس مكانتها الرفيعة، عن أن القاعة تضم لوحة خاصة بالأميرة فاطمة إسماعيل التي تعبر عن دورها الريادي في دعم التعليم والثقافة. وتخلد إسهاماتها المؤثرة في تاريخ مصر الحديث.

وتكتمل هذه المجموعة بلوحة أخرى لأميرة ترتدي “بدلة التشريفة”، يتدلى على صدرها وسام “شفت” ويصاحبها وشاح أبيض، في دلالة بصرية واضحة على المكانة الاجتماعية والسياسية التي كانت تتبوأها نساء القصر. حيث امتزجت رمزية السلطة بجماليات الفن في تصوير دقيق لهيئة الأميرات.

وسام “شفت” العثماني

يضم المتحف وسام “شفت” وهو نيشان عثماني يعود إلى عهد السلطان عبد الحميد الثاني، أحد أبرز سلاطين الدولة العثمانية في مراحلها المتأخرة.

ويعرض هذا الوسام ضمن مجموعة القطع الملكية العثمانية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بفترة حكم الأسرة العلوية وبدايات تشكّل الدولة الحديثة في مصر. ليشكل حلقة وصل تاريخية بين الإرث العثماني والتجربة المصرية ويمنح الزائر قراءة أعمق لسياق زمني امتد عبر إمبراطوريتين تركتا بصمتهما على ملامح المنطقة.

مواعيد الزيارة

المواعيد الصباحية من 10 ص إلى 1م، المواعيد المسائية من 5م إلى 11م. كما يمكن شراء تذكرة الزيارة إلكترونيا من خلال الاتصال بالخط الساخن 19654.

اقرأ أيضا: «ليالي الأنس في سفاجا».. كيف فقد المسرح مكانته وأثره المجتمعي؟

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.