متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري (2/2)

في هذا المقال يواصل المفكر الكبير نبيل عبدالفتاح الكتابة عن أسباب الفوضى المعمارية العشوائية وسيطرتها على الحالة المصرية، والحاملة للقبح في الشكل والطرز والبناء وما وراء هذه الفوضى. ويستكمل هنا الأسباب التي تقف وراء ثقافة القبح المعماري، والأنماط العشوائية في البناء.

ثانيا: ثقافة العمارة القبيحة، ابنة أزمة دولة القانون الحديث

كانت قاهرة القرن التاسع عشر والإسكندرية من ثمار التحديث السلطوي المادي، والخروج من دائرة القاهرة، والإسكندرية القديمة، وللرؤى السلطوية للخديوي إسماعيل واستعادة الطرز والتخطيط العمراني لمدينة باريس التي أفتتن بها، ومحاولة نقل بعض طرزها في البناء، وإقامة الحدائق، وتنسيقها على النمط الباريسي!

من ناحية أخرى كانت جزءًا من عمليات بناء الدولة الحديثة. ومتطلباتها من العمارة وتخطيط المدن. وأيضا من الهندسات القانونية والاجتماعية الحديثة.

المدينة الحديثة هي أحد تجليات التنظيم القانوني الحديث في النظم الإدارية، في التراخيص للبناء، وفي ترقيمها، وفي تخطيطها، وفي الطرق، والكباري… إلخ.

كان تطبيق القانون وفاعليته يعتمد على التوازن في المصالح المتصارعة. وأيضا على إجراءات تطبيقه وعلى الجزاءات الرادعة حال الإخلال به، وتجاوزه من قبل المخاطبين بأحكامه في جميع مجالات القانون، وتفاصيل الحياة.

ظل تطبيق القانون فاعلا نسبيا إلى عهد الستينيات من القرن الماضي، حتى هزيمة يونيو 1967 وما بعد، وتزايدت ظواهر الفساد في الوظيفة العامة. وفي بعض عناصر الأجهزة المعاونة للقضاء، وفي قطاعات تنفيذ القانون في الدولة على نحو بات ظاهرة مستمرة ومتفاقمة، ويمكن أن نطلق عليها المسألة القانونية في مصر. من خلال ضعف فعالية القانون وردعه وتنظيمه للمراكز القانونية، وللمصالح المتصارعة. وفي تحايل الجموع الشعبية على تطبيقه، مع بعض الفاسدين في جهاز الدولة.

**

كانت سياسة التشريع توضع من منظار مصالح السلطة السياسية الحاكمة، وظهيرها الاجتماعي. ومن ثم لا تراعى المصالح الأخرى، ومشكلات المعسورين، على نحو فتح المجال للمبالاة بالقوانين، وتجاوزها من خلال آليات الرشا.مع تزايد الانفجارات السكانية، تضخم المجتمع، وأصبح قادرا على فرض ما يراه بعضهم إزاء النظام الضريبي، وتراخيص البناء، والخروج على التنظيم المروري، وغيرها من تفصيلات الحياة اليومية. مع تراجع خطط التنمية، والأخطر تشكيك الجماعات الإسلامية السياسية، والسلفيين في شرعية الحكم، والقانون، واعتباره خارج نظام الشريعة الإسلامية.

وتمددت هذه الدعاوى مع بروز أنماط من التدين الشعبي تبرر الخروج على القانون في مقابل اللغة الدينية في الخطاب اليومي، وأداء الطقوس الدينية والسلوك المناقض لها تماما…. إلخ. هذا النمط من الازدواجية، والمخاتلات في السلوك الاجتماعي أدى إلى إعاقة شعبية لقانون الدولة.

من هنا ازداد دور شركات المقاولات الكبرى، ومن الباطن في نشر القبح في البناء، وتجاوز الأطر القانونية، والإجرائية المحددة.

**

سيطرت التجاوزات في البناء على شكل وطرز المعمار التي باتت قبيحة، وتفتقر إلى هوية الأمكنة التاريخية، والبيئة، وثقافة المكان، ومحمولاته الرمزية والجمالية.

يبدو أن العقل الأداتي للسلطة السياسية، الناصرية، والساداتية، والمباركية، ومصادر تجنيدها الأساسية في تشكيلات الحكومات المتعاقبة، من التكنوقراط، والبيروقراطية لم يكن من حيث تكوينها الوظيفي، والاحترافي حاملة لرأسمال خبراتي، أو تصورات تتعلق بالثقافة المعمارية، وطرزها، وجمالياتها، ومدارسها المختلفة، وعلاقة التشكيلات المعمارية بالبيئة وثقافة المكان وتاريخه.

وكان جل اهتماماتها يتركز على مواجه المشكلات الخاصة بضرورة مواجهة أزمات السكن المتزايدة وتخفيض حدتها في ظل التغير في السياسيات الاقتصادية، والإسكانية. للتقليل من معدلات الغضب الاجتماعي واحتوائه حتى لا يتحول إلى غضب شعبي يؤثر على استقرار النظام والسلطة السياسية الحاكمة.

هذا العقل الأداتي لا ينظر كثيرا إلى المستقبل البعيد في معالجة المشكلات الكبرى من جذورها، ومعها المشكلة الفرعية، أو الأساسية المرتبطة بها. ومن ثم هو عقل جزئي، وظرفي في معالجاته، ولا يهتم بالثقافة المعمارية، ويركز فقط على أبنية الاستعراض السلطوي في البنايات الرسمية، وبعض الميادين العامة، وترميم بعض القصور القديمة التي ورثها النظام من مرحلة ما قبل يوليو 1952م. أو بعض المناطق السكنية الحديثة مثل مدينة مصر في المرحلة الناصرية، والمساكن الشعبية في بعض المناطق في القاهرة والإسكندرية والمحافظات. ليعدها من إنجازات النظام الاجتماعية، أو المدن الجديدة حول القاهرة في عصري السادات ومبارك.

**

ثمة نزوع لدى العقل الأدائي السلطوي، والبيروقراطي، إلى بناء المناطق الجديدة والمدن الجديدة مع تحرير السياسة السكانية والإسكانية وتركها لآليات قوانين العرض والطلب، وإحداث تعديلات في قوانين إيجار الأماكن لتصبح الإيجارات القديمة تعتمد على عقود الإيجار الجديدة. والأهم تشجيع ملكية الأراضي في المناطق الجديدة، وفي شراء الوحدات السكنية للشركات الخاصة، أو ملاك العقار. وهو ما أصبح القاعدة لعقود عديدة بالنظر إلى الاعتماد على مدخرات العاملين المصريين بالخارج، وشيوع اتجاه عارم نحو التملك العقاري كمركز توظيف المدخرات، والمضاربة على أسعار المنازل، والوحدات السكنية، من ناحية أخرى تنشط الشركات للبيع بالتقسيط لهذه الوحدات، والفيلات في المدن الجديدة.

الولع بالاستثمار العقاري لدى الشركات، والأفراد أدى إلى تركز الاستثمار المالي في العقارات. في ظل التسهيلات المصرفية، والحكومية في بيع الأراضي بأثمان بخسة، بل وتحويل طبيعة الاستثمار من زراعي إلى عقاري بتواطؤ من السلطة في عهد مبارك.

في ظل هذه الظروف السياسية، والمالية والاستثمارية كان العقل الأداتي السلطوي يميل إلى الاستثمارات العقارية في مناطق جديدة ذات طابع سياحي. مثل الساحل الشمالي الذي تحول إلى ما سبق أن أطلقنا عليه منذ عديد العقود إلى مقلب زبالة معماري، في تخطيطه العشوائي. وفي طرز البناء لتكون مصيفا لأسبوعين أو أكثر سنويا لطبقة رجال الأعمال، والأثرياء الجدد، ورأسمالية المحاسيب. والعناصر الفاسدة في جهاز الدولة البيروقراطي، والمقيمين للهجرة المؤقتة في البلدان النمطية لسنوات طويلة!

تحولت هذه المناطق بالساحل الشمالي، إلى دوائر لاستعراضات هذه الفئات اجتماعيا. وتعبيرًا عن القيم الاستهلاكية المترفة، والمفرطة تعبيرًا عن مكانتهم، وسلطتهم المالية أو نفوذهم.

ثالثا: من العقل المعماري إلى عقل المقاولين إلى عقل المعماري المقاول

الفوضى المعمارية في الساحل الشمالي، وطرزها المعمارية، في المدن الجديدة، وفي الأبنية الجديدة بالقاهرة وساحل الإسكندرية.. وغيرها. وفي المحافظات لا تعود فقط إلى آليات الفساد السلطوي لدى بعض الموظفين العموميين، وإنما إلى توظيف عقل المقاولين الذي فرض نفسه على عمليات تصميم. وإنشاء وشكل البنايات والمدن الجديدة وأحيائها، والمعازل الجديدة التي لجأ إليها رجال الأعمال، والأثرياء الجدد للسكنى، بعيدا عن الفوضى المرورية، وصخب المدن الكبرى التاريخية، ولانعزالهم عن حركة التفاعلات اليومية مع جموع المواطنين. وذلك بحثا عن الخصوصية، والهدوء، وإشباع حاجتهم السوسيو- نفسية، ورغباتهم الجامحة في التميز الاجتماعي عن غيرهم من المواطنين العاديين. وأنهم ممثلو طبقة متميزة في المجتمع لها حياتها الخاصة، وهو ما قامت شركات المقاولات الكبرى بتلبية هذه الحاجة النفسية لهم.

هذه المعازل السوسيو- نفسية لفئات صعدت اجتماعيا، بناءً على مصادر متعددة وآليات للصعود الاجتماعي لأعلى- بعضها غير معروف مصادره – تحولت إلى علامات على العزلة عن المجتمع ومشاكله.

**

لاشك أن عقل المقاولين أيا كانت مستوياتهم وتاريخهم، لا يهمهم فقط ثقافة المكان، وبيئته، ولا هويته، ولا طرزه المعمارية. وإنما ما يهمهم هو تعظيم الربحية إلي مستويات عالية. ومن ثم فرضوا عقليتهم على مكاتب، والشركات الهندسية والمعمارية. وبعضهم بات يفتقر إلى ثقافة وتكوين المعماريين الأجانب والشوام والمصريين الكبار الذين قاموا ببناء الأبنية العلامات في القاهرة والإسكندرية، قبل 1952. وبعدها حتى هزيمة يونيو 1967.

من هنا استمرارية وممارسات عقل المقاولين ظل مسيطرا على عقل المهندسين المعماريين. بحيث أصبح عقل المقاولين هو المهيمن في التخطيط، والطرز. دون إيلاء أهمية للإبعاد الجمالية، والوظيفية للأنسجة المعمارية والفراغات، في علاقاتهم بالطرق، والمواصلات، وتطورها المستقبلي. وهو ما تكشف عن بعض العشوائية. التي كشفت عنها بعض مكونات البنية الأساسية، وازدحام الطرق، والكثافة المرورية بين المناطق، والعاصمة أو الإسكندرية، أو في مناطق الاصطياف بالساحل الشمالي.

من الملاحظ أن هيمنة طرائق تفكير العقل المقاول– السرعة في التفكير السطحي البسيط، واتخاذ القرار، والتنفيذ، وعدم مراجعة التصميمات، وفق أسس فنية، أو بالنظر إلى الاعتبارات الخاصة بالمستقبل. من حيث كثافة المرور، والانفجار السكاني المطرد، والآخذ في الاعتبارات خبراء الطرق، والكباري، والسكان، واحتمالات الاستثمار في مناطق قريبة أو بعيده من المشروع في الآجال المتوسطة والبعيدة، وإهمال الجوانب الجمالية من حيث الطرز، وهوية وثقافة المكان… إلخ–.

تجاوزات العقل المعماري، سيطرت أيضا على العقل البيروقراطي الإداري والسلطوي الذي لا يهمه سوى محض الإنجاز السريع. لتحقيق هدف الاستعراض السياسي أمام الجمهور. وهو أمر بالغ الخطورة ستظهر مخاطرة فيما بعد. عندما يعاد النظر في مثل هذه المشروعات الإنشائية للبنية الأساسية.

رابعاً: اللامبالاة بالتراث المادي

تبدو ظاهرة خطيرة في عالم البناء في مصر، ألا وهي عدم الاهتمام بالتراث المادي، وإهماله. بل والميل إلى هدمه لصالح بعض المشروعات الخاصة بالبنية الأساسية. وأبرزها هدم بعض المقابر التراثية لعدد من مشاهير الشخصيات العامة في مصر. التي لعبت أدوارا مهمة في تاريخ البلاد السياسي والثقافي، وبعضها شكل رموزا على حركة التجديد شبه الحداثي في البلاد.

تبدو خطورة ذلك في عدم مراعاة العقل الأداتي. ومعه العقل المقاولاتي للرموز التي يحملها التراث المادي. على الرغم من الاتفاقيات الدولية لليونيسكو في حماية هذا التراث المادي، واللامادي.

إن النظرة على مقابر “بير لاشيز” في فرنسا تبدو باهرة في الحفاظ على التراث المادي. حيث تضم مشاهير فرنسا في السياسة، والفنون والآداب والفلسفة والعلوم الاجتماعية والطبيعية. بحيث تحولت إلى مركز سياحي كوني، على قوائم الشركات السياحية مع البانتيون حيث مراقد عظماء فرنسا الكبار.

تبدو المكانة مثيرة للقنوط، واليأس. وأيضا تشير إلى الفجوات بين دولة متقدمة، وبين دولة تعاني من التخلف التاريخي أو تراجع مستويات تطورها.

خاتمة

لاشك أن العقل الأداتي السلطوي البيروقراطي ساهم تاريخيا في إنتاج العقل المقاولاتي، وتحييد العقل المعماري، الذي أثر كثيرا في إشاعة ثقافة القبح لصالح بعض العشوائية التي تمددت كثيرا خلال عقود طوال من القرن الماضي إلى الآن!

إن إهمال الجوانب الخاصة بالتخطيط، والتنظيم العمراني في ظل الانفجارات السكانية، أدى إلى حالة من الفوضى المعمارية والعمرانية. حتى في الأحياء التي كانت توصف بالراقية– التي تقطنها الأثرياء والمشاهير. حيث تمددت فيها المقاهي والمطاعم وصخب الأمكنة المزدحمة، وبعض من الفوضى للعابرين داخلها!

في التخطيط العمراني والطرز المعمارية والتصميمات الجمالية، ليس المطلوب الأناقة المفرطة المكلفة اقتصاديا في أحياء ومدن الأثرياء الجديدة، ومنازلها، وأيضا في الإسكان الشعبي، والمتوسط. وإنما مراعاة عديد من الاعتبارات وعلي رأسها الوسط الاجتماعي، وعلامات الهوية الثقافة المتغيرة وتحولاتها. وأيضا استلهام البنية التحتية للمكان، وبعض من التراث المعماري، وتجديده من خلال المعماريين المبدعين، والفنانين التشكيلين ذوي الرؤى، والتخيلاتك الجديدة والاستثنائية. وعدم الاعتماد علي الأساليب السائدة من المحسوبية والوصولية، وغيرها، أو هؤلاء الذين ينقلون في خفه، أعمال فنانين غربيين إلي أعمالهم، وتنفيذها على نحو ما حدث من بعضهم في محطة مترو كلية البنات. وهو ما أحدث غضبا شديدا على مواقع التواصل الاجتماعي الرقمية.

**

ثمة حاجة إلى مراجعات للعقل الإداري، والعقل المعماري، التابع الذي يسيطر على شركات المقاولات الكبرى، والمتوسطة والصغرى، التي حولت الأنسجة المعمارية إلى كتل أسمنتية متشابهة، وقبيحة. وجعلت منها متاهات للفوضى، والقبح، من ناحية أخرى نلاحظ الاعتداءات المستمرة على الأشجار، والحدائق على نحو يمثل اعتداء على البيئة.

والأخطر الاعتداء على الفراغات العامة داخل وحول الأنسجة المعمارية. على نحو تمثل معه محاصرة للمجال العام الاجتماعي والسياسي!

إن نظرة مقارنة مع تطور البنيات الأساسية، والفراغات، في الدول الأكثر تطورا، تشير إلى الاهتمام بالمساحات الخضراء، والفراغات العامة، في ظل تطورات تكنولوجية، ورقمية فائقة التطور. أثرت على العقل التخطيطي للمدن، والعقل المعماري، وإبداعاته وتخييلاته الاستثنائية. في هذا الصدد يمكن رصد أعمال المعمارية البريطانية ذات الأصول العراقية “زها حديد”.

العقل المعماري يتطور وفق تطور العلوم الهندسية، والثورات العلمية الثقافية، والخيال، المبدع المؤسس على المعرفة، لكبار المعماريين في عالمنا. بينما يسيطر العقل المقاول على المعماري والأداتي السلطوي.

من هنا نجد بعضا من الولع السلطوي بالأبنية الأسمنتية الكبرى المقامة في مدن الملح في السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت. حيث الانفصال بين ثقافة المكان، وهويته الثقافية، وبين الكتل الأسمنتية الضخمة، المراد من خلالها، إثبات التطور في مجتمعات نفطية ميسورة. لكن أوضاعها الاجتماعية السياسية لا تزال بعيدة عن هذا العالم المشيد أسمنتيا في مدن الملح بتعبير عبدالرحمن منيف!

اقرأ أيضا

متاهة القبح في مصر: عقل المقاول وعقل المعماري(1/2)

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى