ما جنته السياسة على الفنون..من دوستويفسكي لجوائز الأوسكار!

رغم العقود الطويلة التي قضاها مفكرون وفنانون في محاولة تخليص الفنون من الخضوع للحكام والسلاطين وقوانين وقواعد الطبقات الحاكمة، لم يزل الفن، في القرن الواحد والعشرين غير قادر على الاستقلال عن السياسة، مرة من خلال القوة ومرات من خلال آليات الهيمنة والإغواء وغسيل المخ.

تحريم دوستويفسكي

البعض أبدى دهشته من تورط مؤسسات ثقافية وفنية غربية في اعلان قرارات ضد الغزو الروسي لأوكرانيا بمقاطعة فنانين وأدباء لا ذنب لهم فيما يجرى، بل أغلبهم معارضون يتعرضون لبطش بوتين، والأعجب أن تضم القرارات منع تدريس أعمال فنانون وأدباء رحلوا منذ زمن بعيد مثل دوستويفسكي أو عزف مقطوعات لموسيقيين مثل رحمانينوف.

دوستويفسكي

أفهم أن هذه القرارات الطائشة المتعجلة لن تدوم، وأن هناك من يسخر منها ويكشف عبثيتها في الغرب، ولكنها تستخدم الآن من قبل الدعاية المضادة في روسيا والبلاد المؤيدة لها أو التي ترغب في مهاجمة الغرب، ليس حبا في الديموقراطية والحرية، ولكن لتبرير فسادها وقمعها هي.

طباخ الرئيس

انتقاد سلوكيات وأوجه قصور غربية لا يعني الدفاع عن السيد بوتين، كما يفعل البعض متنمين له النجاح في حربه الغاشمة على بلد آخر وتدميره لها وقتله للآلاف من الأوكرانيين والروس، وهؤلاء يتجاهلون ما يحدث للمعارضة الروسية منذ سنوات وسنوات.

لدى السيد بوتين أجهزة دعايته الجبارة التي لا تقل، بل تزد تدليسا وتزويرا للحقائق عن أجهزة الاعلام الغربية، كما أن لديه صناع أفلام وفنانون قبلوا أن يصبحوا مطية لترويج سياساته الاستبدادية.

واحد من أبرز هؤلاء هو المنتج يفجيني بريجوزين، صديق بوتين ورجل دعايته الأول منذ 2013، والذي يطلق عليه لقب “طباخ الرئيس”، بسبب امتلاكه لعدد من المطاعم بجانب امتلاكه لحصة كبيرة من شركة انتاج سينمائي تعمل على خدمة الدعاية لبوتين منذ سنوات.

هذه الشركة التي تحمل اسم “أوروم  إل آي سي” Aurum LIC قامت منذ 2020 بانتاج سبعة أفلام على الأقل تستخدم التقنيات الهوليوودية المتطورة للتمهيد وتبرير عدوان روسيا الخارجي، منها ثلاثية بعنوان Shugaley تبرر التدخل الروسي في ليبيا، وكذلك فيلم روائي بعنوان Blazing Sun يعرض سيناريو التدخل الروسي في أوكرانيا باعتباره دفاعا وحماية لمواطنين أوكرانيين يتعرضون للإبادة على يد النظام الأوكراني، وهي الرواية التي اعتمدتها دعاية بوتين الرسمية لتبرير الغزو. الفيلم تم عرضه في أغسطس 2021 وصاحبته دعاية هائلة، صبت مع الاجراءات التي اتخذتها إدارة بوتين لاسكات الأصوات المخالفة.

بجانب عمله كمنتج ينظم برجوزين حملات يدعو من خلالها الفنانين الروس لعمل أغان وبرامج لتأييد حرب بوتين في أوكرانيا من أجل “انقاذ العالم”، حسب تعبيره!

الصوابية السينمائية

بعيدا عن السياسة المباشرة، هناك أيضا السياسة الناتجة عن حركات مدنية وجمعيات أهلية ومؤسسات ثقافية مثل “حرب الصوابية السياسية” الجارية في مناطق كثيرة من العالم حاليا.

ومبدئيا لا بد أن أبين أنني أتفق مع مبادئ وأهداف هذه الصوابية السياسية تماما، في دفاعها عن المهمشين والمضطهدين من كل الأعراق والألوان والأديان والأنواع الجنسية، وأرى أنها أحدثت، وتحدث، فارقا هائلا في تاريخ الانسانية..ولكن..عندما أرى أن هناك فيلما أو فنانا يتم تتويجه بالجوائز لمجرد أنه ينتمي لهذه الأقليات المضطهدة، على حساب أفلام وفنانين آخرين أكثر موهبة وابداعا والأكثر من ذلك أكثر جدية وإنسانية، فإنني أشعر بالسقم والغثيان من تحول فكرة نبيلة (لارساء العدالة وتكافؤ الفرص) إلى ضدها بترسيخ ظلم وانحياز ممنهج.

وبما أننا على أبواب جوائز الأوسكار التي تعلن بعد أيام، وقد سبقها اعلان عدد كبير من الجوائز التي نالتها “بقع” الصوابية السياسية بدرجة أو أخرى، أرغب في الاشارة إلى بعض آثار هذه الصوابية على جوائز الأوسكار.

خلال السنوات الأخيرة، وبالتحديد منذ 2016، بدأت أكاديمية علوم وفنون السينما، المانحة للأوسكار، في انتهاج سياسة “تصحيحية” بضم أعداد هائلة من النساء والملونين والجنسيات الأخرى إلى قائمة أعضائها، وذلك عقب الاتهامات التي وجهت لها لعقود بـ”العنصرية” والانحياز للرجال. وفي إطار هذه “التصحيحية” أصدرت الأكاديمية (مع مهرجانات ومؤسسات سينمائية عالمية أخرى) بيانا تعلن فيه انحيازاتها فيما يتعلق بمضامين الأفلام، وتعلن فيه أنها تفضل الأفلام التي تهتم بالتنوع العرقي والجنسي والمهمشين والأقليات، كما أعلنت نيتها لتطبيق مبدأ الـ”فيفيتي فيفتي” – أي الخمسين بالمئة- وهو إشراك النساء بنسبة 50% في الأعمال والفعاليات الفنية.

مرة أخرى، أنا مؤيد بشدة لأهداف الصوابية السياسية، ولكن ضد أن تتسبب في حرمان فنان أو فيلم من جائزة يستحقها من أجل فنان إمرأة أو مثلي أو ملون أو من ذوي الهمم.

بالمقاييس الفنية يستحق فيلم “قوة الكلب” أهم جوائز الأوسكار، ومنها أفضل ممثل لبيندكت كامبرباتش وممثل مساعد لكودي سميت- ماكفي وأفضل ممثلة مساعدة لكريستين دانست.

إثبات العكس

عادة، ومن خلال مشاركتي في العديد من لجان التحكيم ومتابعة نتائج الكثير منها، أعلم أن جوائز التمثيل هي الطرف الأضعف في التقييم، نظرا لإن التمثيل تحديدا يصعب مناقشته علميا. وغالبا ما تتدخل المجاملات والانحيازات و”الصوابيات” بأنواعها في هذه الجوائز. لذلك هناك الكثير من أصوات أعضاء الأكاديمية، الذين ارتفع عددهم بقدرة قادر من ستة آلاف إلى عشرة آلاف خلال عدة سنوات بسبب الصوابية السياسية، هناك الكثير من هذه الأصوات قد تذهب إلى أسماء ممثلين آخرين مثل الأمريكي الإفريقي ويل سميث عن فيلم “الملك ريتشارد”، خاصة أن سميث كان من أشد الذين هاجموا الأكاديمية منذ ثلاث سنوات متهما اياها بالعنصرية، والفرصة مواتية لإثبات العكس له!

كثير من الأصوات قد تذهب أيضا إلى أريانا ديبوزي القادمة من بورتوريكو، كأفضل ممثلة مساعدة، وهي شابة جميلة رائعة القوام جذابة وتجيد الرقص ولكن كل هذه العناصر ليست “تمثيلا”. والكثير من الأصوات قد يذهب أيضا إلى الممثل الأصم الأبكم تروي كاستور عن فيلم “كودا”، ورغم حبي للفيلم وتأثري الشديد بمشهد مكتوب جيدا أداه كاستور، لكن ذلك كله لا يعني أنه الأفضل تمثيلا. أتمنى أن يخيب ظني وأن يتوقف أنصار الصوابية السياسية عن تخريب أهدافها!

اقرأ أيضا:

ملاحظات «فنية»..حول الحرب في أوكرانيا

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى