متابعات وتغطيات

مئوية ثروت عكاشة في ثقافة الفيوم: الحاجة إلى مشروع ثقافي

احتفل قصر ثقافة الفيوم بالذكرى المئوية للكاتب والمثقف الكبير الدكتور ثروت عكاشة. إذ أقام ندوة ثقافية تحدث خلالها الدكتور محمد طه عليوة، نائب مجلس الشيوخ، والشاعر أشرف أبوجليل عن مدى الحاجة إلى إطلاق الثقافة الموجهة التي تصل إلى جميع وكافة فئات الشعب المصري.. «باب مصر» يستعرض ما جاء في الندوة.

 من رموز الثقافة المصرية

في بداية الاحتفالية قال القاص والكاتب عصام الدين الزهيري: “إن استعادة النموذج الثقافي الذي قدمه د.ثروت عكاشة في مناسبة مئويته أمر على درجة كبيرة من الأهمية. بحيث يستحق التحية ويستوجب الشكر لإدارة الثقافة العامة في هيئة قصور الثقافة للتفكير فيه وتنفيذه”.

وتابع: النموذج الثقافي الحي والتاريخي والعظيم الذي قدمه د.ثروت عكاشة في سيرته الثقافية والإبداعية لا يجعلنا أمام سيرة رجل أو مثقف كبير فقط. لكنه يضعنا أمام سيرة مؤسسة بأكملها، مؤسسة قيم حافلة بالمعرفة والوطنية والعلم والطموح للمستقبل والاستنارة.

وذكر الزهيري أن إنجازات ثروت عكاشة المؤسسية المتنوعة تفوق بضخامتها الحصر. لكنها تشترك في سمات عبقرية ملخصها التأسيس والريادة من جهوده المبدئية في تحقيق كتب التراث الموسوعية إلى جهوده الختامية في نشر موسوعة الفن التشكيلي الضخمة “العين تسمع والأذن ترى”، وما بينهما جهوده كوزير ثقافة على فترتين خلال سنوات الستينات، استغرقت ثماني سنوات وتمخضت عن تأسيس البنية التحتية للثقافة المصرية التي لا نزال نعيش عليها حتى اليوم.

ولفت إلى أن ارتباط اسم ثروت عكاشة بالثقافة كرمز وطني ينتمي إلى تنظيم الضباط الأحرار، الذي قام بثورة 52 وخلص مصر من الاحتلال البريطاني والملكية العلوية. هو ارتباط تاريخي. يدلل على عمق الارتباط بين قيم الثقافة وقيم الوطنية. وقد أتت جهوده الجبارة بالتعاون مع اليونسكو لإنقاذ آثار النوبة ومعبد فيلة وعشرات غيرهما من آثار مصر القديمة، تواصلا مباشرا مع الملحمة الوطنية التي تزعمها سعد زغلول خلال ثورة 19 لإنقاذ مقبرة توت عنخ آمون والحفاظ على مصريتها.

واختتم الزهيري: عندما نقول ثروت عكاشة فنحن لا نشير إلى رجل أو مثقف أو وزير. ولكن إلى قيمة عالية من قيم الوطنية والثقافة والاستنارة، ورمز كبير من رموز الثقافة المصرية والعالمية.

نتاج الفترة الليبرالية

تحدث الدكتور طه عليوة، مؤرخ وعضو مجلس شيوخ عن عكاشة. وقال: “تخرج ثروت عكاشة في الكلية الحربية عام 1939. ولتفوقه عمل في كلية أركان الحرب في الفترة من 1945 حتى 1948. لكن نهمه للثقافة دفعه للحصول على دبلوم الصحافة كلية الآداب جامعة فؤاد الأول 1951. ودرجة الدكتوراه في الآداب من جامعة السوربون بباريس عام 1960”.

ويعتبر الكثير ثروت عكاشة واحدًا من تنظيم الضباط الأحرار الذين قاموا بثورة 1952 التي غيرت وجه الحياة في مصر، والتي بقدر إنجازاتها العظيمة كان لها انكسارات عظيمة. وتولى وزارة الإرشاد القومي بعد المناضل الكبير فتحي رضوان في الفترة من 1958 حتى 1962.

والمتابع لسيرة ثروت عكاشة يجده تقلد العديد من المناصب التي كانت جمعيها في الحقل الثقافي. بداية من رئاسة تحرير مجلة التحرير (1952 – 1953)، وحتى انتخابه رئيسا للجنة الثقافة الاستشارية بمعهد العالم العربي بباريس (1990- 1993).

وتابع عليوة: إضافة إلى هذا الجهد الكبير وتحمل المسؤولية في العديد من الوظائف سواء كانت محلية أو دولية. إلا أن هذا لم يعطل الدكتور ثروت عكاشة عن الإسهام والإنتاج الثقافي والفكري المتميز. فقد قام بتأليف العديد من أمهات الكتب العربية، وإنجازه لموسوعة “العين تسمع والأذن ترى” التي تناول فيها كافة المدارج الفنية في مختلف الحضارات الإنسانية. بداية من فن سكان الكهوف مرورًا بالفن المصري، والسومري، والبابلي، والآشوري، والفارسي، والإغريقي، والروماني. وأيضا التصوير الإسلامي المغولي في الهند وصولا إلى فنون العصور الوسطى حتى عصر النهضة حتى فنون القرن الثامن عشر.

كما ترجم العديد من كتب الثقافة العالمية. وقامت الثقافة الجماهيرية وقصور الثقافة تحت قيادته بدور مهم للغاية في نشر الثقافة والوعي.

مجرد ذكرى

وأضاف عضو مجلس الشيوخ، أود أن أقول أن ثروت عكاشة كان نتاج الفترة الليبرالية في مصر، والتي نمت وتطورت حتى بات في مصر ثورة ثقافية حقيقية وأعني بذلك الفترة ما بين 1919 حتى 1952. كانت من أهم العناصر التي بنى عليها عبدالناصر ثورته في 1952. حيث استفادت من أفكار ورؤى مثقفي الليبرالية العظام. وكانت الضربة القاسمة التي تلقتها هذه الثورة في 67 لها دور كبير فيما نعيشه الآن من واقع ثقافي مزرٍ. حيث تم التحلل من كل ما كان يجب البناء عليه من منجز ثقافي. والآن بات العقل مغتربا وأصبحت أيام ثروت عكاشة مجرد ذكرى بعيدة.

واختتم عليوة كلمته: السؤال الآن هو هل نستطيع أن نحيا بدون ثقافة؟. وبالطبع الإجابة أنه لا يمكننا العيش بدون ثقافة. لاسيما تلك التي تعكس قيمة العقل، ولأن الثقافة قضية في غاية الأهمية علينا أن نعمل على ازدهارها بكل قوة وأن نستفيد من درس ثورة يوليو وما أنجزته من مشروعات في مجال الثقافة.

استعادة مشروع عكاشة

دخل الشاعر أشرف أبوجليل، مستشار ثقافي بهيئة قصور الثقافة، في سجال مع الدكتور محمد طه عليوة، الذي رأى أن ثروت عكاشة نتاج الليبرالية التي سبقت ثورة يوليو.

وقال أبوجليل: كتبت منذ سنوات مقالا في إحدى الجرائد كان بعنوان “البناء العظيم”. تناولت خلاله ما قام الدكتور ثروت عكاشة من إنجازه مدفوعا برؤية ثورة يوليو، التي كانت ثورة حقيقية في كافة المجالات. وأشار إلى أن كل ما نراه من بنية ثقافية الآن، نتاج أفكار وجهد وعمل الدكتور ثروت عكاشة. أما الليبرالية التي كانت عليها الفترة ما قبل ثورة يوليو، فأعتقد أنها لم تكن سوى ليبرالية نخبة نموذجها صالون مي زيادة الذي كان يحضره 30 فرد أو 50 على أقصى تقدير.

وتابع: فترة الليبرالية في مصر وما أنتجته من فعل ثقافي كان منقطع الصلة بالجماهير. ويعود الفضل لثورة 52 في أنها أطلقت طاقات جماهير المصريين المعطلة. حيث تواصلت مع الشعب بإدراكها أن توعية الشعب إحدى معاركها المهمة، لذلك كانت وزارة الإرشاد والإعلام والثقافة، التي أصبحت وزارة الثقافة والإعلام وتولى مسؤوليتها الكاتب والمثقف الكبير الدكتور ثروت عكاشة.

إذا مش نازلين للناس فبلاش

وأضاف أبوجليل، أعتقد الآن ونحن نتذكر ثروت عكاشة يجب أن تعمل وزارة الثقافة على إطلاق الثقافة الموجهة التي تصل إلى جميع فئات الشعب المصري. وهنا أتذكر كلمات الخال عبدالرحمن الأبنودي “إذا مش نازلين للناس فبلاش”.

وأكرر أن ما تم إنجازه في عهد عبدالناصر من بنية ثقافية خلال فترة لم تتجاوز 8 سنوات، وكانت جميعها في خدمة هدف واحد هو الوصول والتواصل مع الجماهير وبناء وعيهم، هو ما نعيش عليه الآن.

وقارن أبوجليل بين مشروع وزير الثقافة فاروق حسني خلال 30 عامًا طوال فترة حكم مبارك، وبين مشروع ثورة يوليو وثروت عكاشة. فقال: أعتقد أن مشروع فاروق حسنى كان تدجين المثقفين المصريين وإدخالهم الحظيرة. بينما كان مشروع ثروت عكاشة هو ما نشعر الآن بالحنين إليه، مثل مسرح الستينات وأغاني الستينات وغيرها من فنون ثقافية ومنجزات كانت تهدف إلى تثقيف ورفع وعي الشعب ولم تكن تهدف بأي حال من الأحوال أن تخلق دعاية للسلطة الحاكمة أو عبدالناصر. وهو ما يعني أن ثروت عكاشة كان العقل والأداة التي رسمت لهذه الثورة خططها ونهجها الثقافي.

واختتم أبوجليل: نحن بحاجة إلى استعادة مشروع ثروت عكاشة فكرًا وتطبيقًا وتنفيذًا. وأعتقد أنه لا سبيل لحدوث نهضة ثقافية حقيقية الآن إلا بتدخل الدولة، التي نرى في كل يوم العديد من مشروعاتها التنموية تصل للمواطنين وتغطي كافة أنحاء الجمهورية. لذلك على الدولة أن تطلق وتتبنى مشروعًا ثقافيًا عملاقًا مثل المشروعات التنموية العملاقة التي تتحقق على الأرض، وهو لن يأتي إلا باستعادة ثروت عكاشة البناء العظيم.

اقرأ أيضا

بدون مشاركات أجنبية.. ملتقى البرلس يبدأ فعالياته في نوفمبر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى