لماذا كل هذا الإهمال لأدباء الأقاليم؟

المكان: مركز أحمد بهاء الدين الثقافي بالدوير بمحافظة أسيوط. والزمان: لا أتذكر على وجه الدقة. فالأيام تداخلت وتضافرت دقائقها في الذاكرة وظل فقط ما ارتأت أجهزة الوعي أن تبقيه دون إذني. وإذا رجحت عاما دون آخر فربما أتصور أنني أتحدث عن عام 2010. كنت هناك أتحدث في ندوة أمام جمهور كبير، أو هكذا أتخيل، أو أتمنى. ولا داعي لسؤالي عن موضوع الندوة، فأنا لا أعرف ولا أستطيع الترجيح لأن شريط الفيلم المطبوع في أحد فصوص مخي بدأ بعد أن انتهيت من حديثي وبدأ الحوار بين الجمهور “العريض” وبيني. رفع رجل في حوالي الخمسين من العمر يده وعرَّف نفسه: “أنا شاعر من أسيوط”. وكتحية منه لشخصي طلب أن يلقي على مسامعنا واحدة من قصائده. أتذكر تماما القصيدة: طلبت زوجة من زوجها لحمة راس. فشل الزوج في أن يحضر لها الوجبة نتيجة لضيق اليد. قررت المرأة أن تترك وأولادهم بيت الزوجية وتذهب إلى أمها شاكية باكية. وهناك تفاوضت الأم مع الرجل وانتهى الأمر في سلام ووئام حول مائدة عليها أطباق لحمة راس. القصيدة وعلى الرغم من طرافة الموضوع إلا أن بناؤها رصين. اللغة جميلة. تناول الشاعر تفاصيل الفقر والعوز. كما يمتلك الرجل أداء صوتيا وحركيا رائعا أبهر الحضور. رفع آخر يده: أنا قاص من أسيوط. وقرأ علينا قصة قصيرة تميزت هي الأخرى بالجودة العالية وإحكام البناء. وثالث ورابع، وأخيرا رفعت امرأة يدها وتحدثت عن الفن التشكيلي وقالت إنها تتلقى تدريبا في المركز في فنون الرسم. وبعد هذا الطوفان الجميل (لو سمح لي القراء أن استعمل كلمة الطوفان بوصفه جميلا) من القراءات الأدبية والنقاشات الثقافيات قام أحد الحضور وسألني: لماذا كل هذا الإهمال لأدباء الأقاليم؟، لماذا تتركوننا هكذا دون أي دعم؟، فسألته من (النا) في تتركوننا؟، فرد قائلا: أنتم. سكان القاهرة. تعجبت من سؤاله وقلت له أنني لم أشهد أبدا في القاهرة والإسكندرية هذا المستوى من التعليقات والنقاشات والأشعار والقصص بين الحضور، فما رأيك أن تهتموا أنتم بنا قليلا؟، لم أتلق ردا على سؤالي وتتابعت الأسئلة كلها منذ سؤال الرجل مطالبة أن أحاول الإجابة عن سبب هذا الإهمال الجسيم لأدباء الأقاليم. منذ هذا اليوم وأنا أشعر بالغضب الشديد من استعمال كلمة: الأقاليم. هذا الفصل الكريه بين القاهرة كمدينة مريضة، تعاني من عدد كبير من الأمراض المزمنة وقد تكون القاتلة، وبين بقية أجزاء مصر. اعتبرت هذا اليوم يوما فاصلا في حياتي وسعيت أن أتواجد في الأساس في المناسبات الثقافية خارج القاهرة. ثم كان أول فعل في هذا الاتجاه هو تأسيس مهرجان القراءة الأدبية في المنصورة، ومهرجان الحكي في قنا. وفي أول يوم في أول دورة لمهرجان القراءة في المنصورة في عام 2013 تقدم لي شاب بدا لي آنذاك في السادسة عشر من عمره وعرَّف نفسه بصوت واثق: “أنا فلان ممثل (ماذا تقرأ اليوم) في مدينة المنصورة”. (من المحتمل بالتأكيد أن يكون اسم المجموعة مختلف عما ذكرت ولكن بنفس المعنى) فسألته: “وهل (ماذا تقرأ اليوم) هي جماعة أدبية؟، فرد قائلا: “مجموعة تأسست على الفيسبوك من فتاة في بني سويف وأنا ممثلها هنا والهدف هو اقتراح كتاب جديد كل يوم مع عرض عن كتاب قرأناه”. فسألته مازحا: “ولماذا تهملوننا هكذا نحن أبناء القاهرة وتتركوننا دون جماعة “ماذا تقرأ اليوم؟”.

تطورت مركزية القاهرة عبر القرن العشرين، وتركزت تدريجيا فيها الثروة، فبعد أن كانت هذه المدينة حتى بدايات القرن العشرين مساحة جغرافية ومركز سياسي يتسول الثروات من أنحاء مصر، أصبحت بالفعل المركز المالي في البلاد. امتلك هذا المركز الراديو الوحيد وفرض عبر لجنة ما أن تعتمد أو لا تعتمد المطربين في كل أنحاء البلاد، وتم منع إصدار إذاعات من مدن أخرى، وتراجع مركز المطربين والرواة والحكائين الذي كانوا منتشرين في كل أنحاء البلاد. وامتلك المركز دور النشر الكبرى التي فرضت هي الأخرى عبر لجانها أن تنشر ما يريده المركز وأبناء المركز. يكفي أن نقوم اليوم بإحصاء عدد المكتبات في وسط مدينة القاهرة، وعدد المكتبات في مدينة طنطا أو المنصورة، لنكتشف أن دور النشر تعتمد في الأساس على القارئ في العاصمة. وامتلك التلفزيون الذي بدوره أصبح له اليد العليا في نشر ثقافة بلدنا. كارثة تطورت عبر القرن العشرين لإحكام القبضة على جيوب كل من يعمل في الثقافة خارج القاهرة والإسكندرية لمنعه تدريجيا من ممارسة فنه، ثم بعدها على إحكام القبضة على رقابهم أيضا. وأصبحت المسألة هي تعطف القاهرة على “الأقاليم” بمنحها وهي متفضلة بعض الفتات من قصور ثقافة وفروع لدور نشر الدولة ثم قنوات تلفزيونية باهتة، ثم تحديد ميزانيات هزيلة لإدارة هذا الفتات. ويظل السؤال: على من الممكن في حالة دولة مثل مصر أن نهزم هذه المركزية الثقيلة دون قرار حاسم من الحكومة؟ هل هناك إمكانية أن يقوم المجتمع المدني بدور يدعم اللامركزية الثقافية والإعلامية؟ مع الأسف لا أظن أن ذلك ممكنا. هل الحل أن ننتظر الحكومة المصرية أن “تتعطف” مرة أخرى وتتخذ قرارات تقلل من هيمنتها وتدعم تعدد مراكز القوى المالية والثقافية عبر المحافظات المختلفة؟ بالتأكيد الإجابة بالنفي. لأنه من غير المتوقع أن يتم اتخاذ مثل هذه القرارات. بل أتوقع الاستمرار في اتخاذ خطوات مثل التي سبقتها، وهي التي تمنح الإيحاء بأن هناك خطوات في اتجاه اللا مركزية الثقافية، ويظل الأمر مجرد إيحاء، أو احتيال على الفكرة. في دولة مثل فرنسا، وهي تاريخيا دولة شديدة المركزية، أضافت في المراجعة الدستورية في 28 مارس 2003 مادة تعلن أن تنظيم الدولة لامركزي. طريق طويل سارت فيه فرنسا من أجل نشر مراكز النشاط المالي والتعليمي والثقافي عبر كل مناطقها. ولنبدأ هذا الطريق في مصر لابد من دخول القوى المختلفة في نقاش مع الحكومة المصرية سوف يستمر لفترة. وللرد على سؤال الرجل في أسيوط: لماذا كل هذا الإهمال لأدباء الأقاليم؟ أقول له: أرجو الاتصال بممثل “ماذا تقرأ اليوم” في المنصورة ربما تجد عنده بداية الإجابة.

*****************

خالد الخميسي: روائى مصري- رئيس مجلس إدارة مكتبة القاهرة الكبرى.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى