للمهنة أسرار.. تعرف على صناعة “التقفيص” في قرية العجميين

 

المار في شوارع قرية العجميين بالفيوم، لا تفارقه رؤية الجريد وسعف النخيل، تتراص جنبًا إلى جنب على جدران المنازل، بجانب “الأقفاص” الجاهزة للبيع.

وتعد صناعة الجريد أو “التقفيص”، أحد الصناعات التراثية الريفية البسيطة، التي تشكل مصدر رزق لأكثر العائلات في قرية العجميين.

والعجميين هي قرية تتبع إداريًا مركز أبشواي، يبلغ عدد سكانها نحو 39 ألفًا و854 نسمة، بحسب إدارة الحاسب الآلي بمحافظة الفيوم.

في هذه القرية تتنوع منتجات الجريد بين الأقفاص المستخدمة في حفظ الفاكهة، والكراسي وأطقم الحدائق والأسرّة الجريد والموائد الصغيرة وأشباه ذلك.

تعطي أشجار النخيل نوعين من “السعف”الأول الأخضر القاتم، وهو الأكثر صلابة، ويوجد في الجريد الخارجي ويطلق عليه “الخوص الأخضر”، أما الثاني فهو سعف الجريد الداخلي ولونه يتراوح ما بين ناصع البياض إلى الأبيض المائل إلى الصفرة قليلًا ويطلق عليه “قلب النخلة”، ثم سعف يميل لونه إلى الأخضر الفاتح قليلًا، وهذا النوع الثاني يستخدم في صناعة السلال، بسبب ليونته.

قرية العجمين.. أصل الصنعة

ولا يقتصر العمل فى قرية” العجميين” على التصنيع فقط ، لكن تطلب مصانع تعبئة البلح بالواحات البحرية ‘أن يقوم بعض العمال من القرية بترميم الأقفاص الخاصة بها قبيل كل موسم.

عادل على محمود، 33 عامًا- صاحب ورشة تقفيص، يشتري على حسابه الخاص، ليبيع القفص بـ7 جنيهات، ويبلغ مكسبه 3 جنيهات في كل قفص.

وعن الأدوات المستخدمة في الصناعة فهي بسيطة للغاية، وهي عبارة عن أدوات حديدية للقياس وتقطيع الجريد بأشكال هندسية مختلفة الأحجام، وقطعة خشب يقاس بها طول الأعواد والشرائح، وقطعة من المعدن تسمى “علام” لتخريم الجريد، وساطور للتقطيع، وسلاح معدني يشبه السيف لتقليم أعواد الجريد، وقرمة من الخشب مثبتة بالأرض يدق عليها الجريد ويخرم، بمقاسات ثابتة ومحسوبة، وقطعة خشبية تسمى “التقالة” “لتنفيش” القفص في مرحلته الأخيرة.

خطوات تقطيع الجريد

إذا كان الجريد”لدن” أي لين، فينبغي تركه في الشمس قليلًا حتى يجف، وبعدها تأتي مرحلة التقطيع ثم التخريم، ثم التقفيل.

ناصر طه السيد، واحد من الذين يعمولن في صناعة أقفاص الخضراوات والفاكهة، المهنة لها نظام وقواعد إذا خالفناها أصبح الإنتاج سيئًا وتقليديًا.

يقول يقطع الجريد إلى مربعات ثم تقسم شرائط طولية، وتتبقى “الرفايد”، التي تستخدم في حواف القفص الأربعة، والدوائر التي تكون أسفل القفص، ثم المرحلة الأخيرة وهي تركيب سقف القفص .

يستكمل السيد أن تسويق الشغل يكون عن طريق تجار القرية والقرى المجاورة، إذ يشتري التاجر الأقفاص بسعر متفق عليه مسبقًا، موضحًا أن التسويق يعاني من الركود في هذه الفترة بسبب ارتفاع الأسعار، مع وجود الأقفاص المصنوعة من البلاستيك.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=VqEL0avvBwg]
لماذا الأقفاص الجريدية؟

وعن مميزات الأقفاص الجريد مقارنة بالبلاستيك يقول القفص المصنوع من الجريد  له يحفظ الخضراوات والفاكهة من حراراة الشمس، على عكس البلاستيك، الذي يمتص الحرارة، ما يساهم في سرعة فساد الخضراوات.

رمضان شعبان، 46 عامًا- أحد العاملين في التقفيص، أنواع الجريد المستخدم تتنوع بين: المنتور والتمر والصعيدي، وتحضر من الصعيد وبني سويف.

شعبان يصف المهنة بأنها متعبة وسببت له آلام عدة، إذ أصبح يعاني من “العصب السابع” منذ 6 سنوات، بجانب أوجاع الظهر والقدم.

يبلغ سعر الألف جريدة 1200 جنيه، وتجلب من الصعيد، وقد ارتفع سعر الجردي هذا العام عن العام الماضي بنحو 200 جنيه، بسبب ارتفاع أسعار العمولة والشحن.

وبالرغم من تطورمهنه التقفيص من صناعة أقفاص الخضراوات والفاكهة وأقفاص الطيور، إلى “أباليك الكهرباء” وأطقم الترابيزات والكراسي، إلا أنها ما زالت غير مربحة ورزقها قليل.

وليد شعبان، طفل عمره 14 عامًا، ما زال يدرس في الأزهر، يقول بدأت العمل بالورشة  منذ 9 سنوات، كان عمري لا يتعدى الخمس سنوات، ورغم صغر سني وقتها إلا أني تعلقت بالورشة، ومع ذلك فعندما أكبر فلن أعلم أولادي تلك المهنة، لانها مرهقة وغير مربحة.

نقابة القفاصين

محمود الصايم، قفاص، يتمنى وجود رابطة خاصة أو نقابة للقفاصين، لحل مشكلاتهم وتوفير تأمين صحى ومعاش اجتماعي، إذ إن نحو 40% من أبناء القرية يمتهنون صناعة الجريد، بحسب قوله.

ومن داخل ورشة تصنيع الكراسي الجريد تحدثنا مع أقدم صانعي كراسي الجريد بالقرية، محمد كمال محمد، 54 عامًا، يقول: أعمل بالمهنه منذ42 سنة، والدي كان موظفًا بالحكومة ولم أرث المهنة عنه، إنما تعلمت صغيرًا في ورشة أحد القفاصين، ثم عملت بعدها في ورشتي الخاصة.

يتابع تركت صناعه الأقفاص واتجهت لصناعة الكراسي والترابيزات منذ الثمانينيات، لأنها موفرة في الوقت ومربحة، وقد فتحت ورش في عدة محافظات منها المنصورة وقنا والإسكندرية، حتى عدت مجددًا للفيوم، وصممت ورشة خاصة بي أمام منزلي، أباشر عملي فيها من السابعة صباحًا حتى 11 مساء.

وعن خطوات تصنيع الكراسي، يقول أقطّع الجريد وأتركه في الشمس حتى يجف، ثم تأتي مرحلة التقطيع وبعدها التخريم والتقويص، وفائدة التقويص أنه يعطي شكلًا جماليًا لظهر الكرسي من الخلف، ثم يتم تقفيل الكرسى، ويضم الطقم تربيزة وأربعة كراس.

طقم جريد

يبلغ سعر الطقم الواحد 250 جنيهًا، أكثر زبائنه هم أصحاب الكافيهات والشاليهات، يتابع كمال في الثمانينيات كان الكرسي الواحد يباع بـ12 جنيهًا، أما الآن فقد بلغ سعره 45، ما يعني أنه زاد ثلاثة أضعافه.

ويضيف الآن تطورت المهنة أكثر وأصبحنا نصمم أباليك للكهرباء من الجريد وأباجورات، معتمدين على طلبات مهندسي الديكور.

ويقول سيد محمود عبدالله، 24 سنة، تعلمت هذه الحرفة من إخوتى، حتى أصبحت متخصصًا ومحترفًا في تصنيع الستائر فقط، وهي أحدث شيء في صناعة الجريد، ومع الأسف أحتاج لتسويق إنتاجي في الأماكن السياحية، مايضطرني أحيانًا للسفر إلى محافظات أخرى.

ويضيف محمود يصل إنتاج الحرفي الواحد من 50 إلى 70 وحدة خلال اليوم، في نظام أشبه بخط الإنتاج الجماعي، ويتراوح سعر الوحدة من 4 إلى 5 جنيهات للقفص، كما أن هناك منتجات يتجاوز سعر الوحدة منها 50 جنيهًا مثل التربيزات، والكراسى، والستائر.

أكثر العاملين في هذه المهنة التراثية يشكون من التجاهل الحكومي، فلا تأمين اجتماعي أو معاش، رغم أن الكثير منهم يتعرض لإصابات بالغة نتيجة استخدام “الهلال” الذى يشبه السيف الحاد.

غادرت العجميين وأصوات تخريم الجريد المنتظمة لم تغادر أذني، وتساءلت لماذا لا يضم محافظ الفيوم هذه الحرفة ضمن الحرف اليدوية التراثية في الفيوم، ويقيم معرضا لتسويق تلك المنتجات الجيدة التي تناسب أذواق عاشقى التراث؟

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى