لقاءات حزينة مع فكرة الناس عن الهوية

لا يرجع تعدد الهويات إلى اختلاف مكوناتها، فهي تتشكل من نفس العناصر ولكن بنِسَب مختلفة. لا وجود لهوية عرقية أو ثقافية نقية، فهويتنا تتألف حرفيا من آخرين. لذلك من العسير أن نعي ونتقبل التعددية في الفضاء العام إذا لم نكن قادرين على استيعابها وتقبلها في فضاء الذات.

د. وائل فاروق

أستاذ بالجامعة الكاثوليكية. ميلانو

(1)

في يوم السبت، التاسع من أكتوبر سنة 1993، كان سفري الأول خارج البلاد، إلى فرنسا. بالمراسلة والمصادفة السعيدة حصلت على وظيفة في مستشفى جامعي، غادرت بتذكرة ذهاب دون عودة. في محطة المترو التي تقع خارج مطار شارل ديجول الصغير، كنت تائها، فدلني شاب “منياوي” طويل القامة ونحيل جدا، حمل عني الحقيبة، أوقفني على رصيف ما. وقال لي: من هنا تركب المترو إلى محطة قطارات الشمال. وضع الحقيبة بهدوء، واختفى. في السادسة مساء وصلت إلى “روان” عاصمة إقليم نورماندي، ومنها إلى مستشفى شارل نيكول الجامعي. لخطأ في المواعيد لم أجد أحدا في انتظاري، بعد اتصالات قليلة وصل البروفيسور رئيس القسم، ونمت ليلتي الأولى في بيته.

في صباح الأحد، كان البروفيسور قد وعد طفله الأصغر بزيارة إلى متحف “مدام بوڤاري”، ولم يكن منطقيا أن يتركني وحدي، فذهبت معهم. من الأمام يقود البروفيسور السيارة، وزوجته إلى جواره تقرأ خارطة الطريق وتشير بيدها إلى الاتجاه المطلوب. والخلف جلست بصحبة ابن السبعة أعوام، الذي فاجأني قائلا: هل تعرف چان پول؟ قلت: من؟ قال بصوت أعلى: چان پول؟ لم يخطر على بالي سوى چان پول سارتر، فرد عليّ بصوت غاضب: چان پول البابا، ألا تعرف البابا؟ تدخل البروفيسور سائلا: هل أنت مسلم أم قبطي؟ قلت: مسلم. فقال: هل تصلون في سيناجوج (معبد يهودي) أم في موسكي (مسجد)، وضع البروفيسور اليهود والمسلمين في جملة واحدة غريبة، قلت: مسجد، فقال: لا أعرف مساجدا في هذه المدينة، ابحث لنفسك عن مسجد.

(2)

في عطلة الأسبوع التالية، كان الاجتماع الشهري لجراحي المسالة البولية بإقليم نورماندي. لقاء علمي اجتماعي، بعد التعارف، والقليل من العلم، جاء دور الكلام العام. على طاولة جانبية طويلة، عصائر ونبيذ في زجاجات، وشمبانيا جاهزة في كؤوس طويلة شفافة. سحبت كأسا، وبعد الرشفة الأولى، فتح نائب رئيس القسم فمه مندهشا وهو يقول: ألست مسلما، قلت: بلى. قال: إذن كيف تشرب! تركني في حيرة، لا أعرف هل أكمل كأسي وأسحب غيرها، أم أضعها جانبا، وأنصرف.

(3)

في المشفى التقيت طبيبا تونسيا متخصصا في أمراض القلب، جاء قبلي بأسبوع واحد، لم يكن يدخن، لكنه كان يشتري علبة سجائر من النوع الذي أدخنه، يسحب منها سيجارة واحدة، ويعطيني العلبة قائلا: إذا احتجت إلى سيجارة سأطلبها منك. كانت علاقتنا لطيفة وصافية، نلتقي في المطعم. وفي صالة البنج بونج، كان أكثر مهارة مني في تنس الطاولة، لكنه لم يغلبني حتى في شوط واحد. منذ البداية الأولى كنا حاسمين، اتفقنا إنه تونسي وأنا مصري، ولا مكان للعروبة بيننا.

سيوة
سيوة
(4)

من خلال طبيب القلب التونسي تعرفت على طبيب تونسي آخر، لا أعرف ما هو تخصصه. هاجر أبواه إلى فرنسا وهو طفل في الرابعة من عمره. نسي ما يعرفه من اللغة العربية، وتعلمها من جديد بعد أن تخطى العشرين في أحد مساجد باريس. لديه صديقة تزوره في سكن الأطباء الأجانب، وتبيت عنده. كان متوترا دائما وعصبيا، كانت له حبيبة مغربية، صيدلانية معنا في المستشفى، رفضت أن تقيم معه علاقة كاملة، لأنها ستعود يوما ما إلى كازابلانكا، وتخاف أن تعود إلى أهلها دون غشاء بكارتها، فانفصلا. كان يصلي الفروض كلها بإخلاص، ويسكر بحماس. وفي الليل كان يسمع أشهر مغني لفن القوالي الصوفي الهندي، نصرت فاتح خان، بصوت عال جدا، يقلق راحة الجميع، وفي الفاصل بين نشيدين، بإمكانك أن تسمع صوته وهو يضرب رأسه في الحائط، ويبكي.

(5)

خلال الأسابيع الأولى، أو بالأحرى من اللحظة الأولى لوصولي، اكتشفت أن كل ما تعلمته قبل السفر في المركز الثقافي الفرنسي لا يساعدني على فهم ما يقوله الفرنسيون، ولا في التعبير عن نفسي. خلال هذه الأسابيع كنت أتأكد من فكرة بسيطة مفادها أنه لا وجود للإنسان خارج اللغة، فعشت كطيف حائر في معطف الأطباء الأبيض، صامت في غرفة العمليات، يطيل الوقوف مع الباعة في السوق القريب، حتى تنفك عقدة لسانه. وحين انفكت سألت زميلي برنار بوالو عن قرابته للشاعر الفرنسي نيكولا بوالو (القرن السابع عشر). فقال إنه لا يعرف شاعرا بهذا الاسم، لكنه ربما يكون جده السابع مثلا.

كان هو أيضا سعيدا بانحلال عقدة لساني، فقال لي هل أنت من القاهرة أم من الإسكندرية، غالبا لا يعرف الفرنسيون من المدن المصرية غيرهما. قلت أنا من المنصورة، قال أين هذه المنصورة، قلت كيف لا تعرفها، هذه مدينتي التي هزمت الفرنسيين وأسرت ملكهم لويس التاسع في القرن الثالث عشر! شحب وجهه الأحمر كأنني صمت دهرا ونطقت كفرا، لكنه تمالك نفسه وقال: هذا الكلام بيننا، لكن إذا ذكرت هذا أمام الآخرين فقل الصليبين ولا تقل الفرنجة.

(6)

بعد شهرين تقريبا التحق بالعمل معنا بالقسم جراح جديد، اسمه عربي، لكنه طويل وعريض، أبيض البشرة، بشعر أسود فاحم وغزير، بإمكانك أن تقول إنه تركي أو إيطالي، أو ينتمي للضفة الشمالية للأبيض المتوسط، ملامحه ليست فرنسية، لكن لغته فرنسية تماما دون غلطة أو لكنة. كان يكبرني بأربعة أعوام، لكنه كان جراحا شديد المهارة، ولا يكف عن العمل والكلام والضحك. على خلاف زملائنا الفرنسيين لم يكن يناديني بالمصري، بل بلقبي العائلي، ويرى أن للقبي إيقاع إيطالي يحبه.

أبوه مغربي وأمه فرنسية، ولد في المغرب، لكنه لم يكن يعرف من العربية حرفا واحدا ويصر عند لقائي أن يقول لي بصعوبة: صباه الهير. صرنا أصدقاء فدعاني إلى بيته، تعرفت على طفليه الصغيرين: البنت ميشيل، والابن توما. كان مهووسا بجمع آلات التصوير والآلات الكاتبة القديمة. كانت لديه مكتبة غنائية عامرة، ليس من بينها شريط غناء عربي واحد. وحين سألته، قال إنه لا يعرف أم كلثوم، ولا يعرف من فيروز سوى أغنية وحيدة لحنها مارش الجيش الروسي!

**

بعد أن تعمقت صداقتنا، وكان قد مضى على وجود في فرنسا ما يقرب من العام، دعاني للعشاء خارج البيت، أكلنا وشربنا حتى السكر. ونحن سكارى سألني: كيف ترى الفارق بين مصر وفرنسا. قلت كلاما قليلا متلعثما وبلا معنى تقريبا، وحين رددت عليه السؤال، وليتي ما سألت، انفجر في البكاء ومن بين دموعه قال: أنت مصري، تستطيع أن ترى الفارق بين مصر وفرنسا. أما أنا فعمري 36 سنة قضيت نصفها في المغرب ونصفها في فرنسا.

في المغرب أحمل جواز سفر مغربي ولست مغربيا، في فرنسا أحمل جاوز سفر فرنسي ولست فرنسيا، لست من هنا ولا من هناك وبالتالي لا أستطيع أن أرى الفارق بين البلدين. عليّ أن أعمل بطاقة أكبر من الفرنسي عشر مرات لكي أحصل على ما يحصل هو عليه. هل تعرف ما اسم ابنتي؟ قلت ميشيل، قال: اسمها الرسمي فاطمة. هل تعرف اسم ابني: قلت توما، قال لا، اسمه الرسمي إدريس -كأنه كان يعيد إنتاج المشكلة نفسها ليس مرة واحدة بل مرتين- أنجبت أطفالي قبل الزواج، لأن أهل زوجتي رفضوا أن يزوجوا ابنتهم من مغربي، فوضعناهم أمام الأمر الواقع. ومسح دموعه صامتا، فبكيت.

(7)

كانت لنا زميلة في قسم الجراحة العامة، ذكورية الملامح إلا من شعرها الأصفر الطويل، جسدها قوي، كلما التقتني في قاعة الطعام اشتعل وجهها وتكدرت ملامحها من شدة الغضب. عرفت بعد قليل أنها عضو في حزب الجبهة الوطنية لزعيمه الأشهر جان ماري لوبن. في يوم ما كانت في طريقها إلى مكتب زميلي الضائع بين عالمين، كان باب مكتبي الفخم مفتوحا ورأتني جالسا وراء المكتب أقلب في أوراق ما، فتوقفت وقالت: أنت أيها التافه تجلس في هذا المكتب الفخم، اللعنة. قالت جملتها واكملت طريقها. فقمت من مكاني، فتحت النافذة العريضة التي ورائي، وأشعلت سيجارة، وضحكت. بعد أيام ربما أو أسابيع، كنا في انتريه العمليات، جراحو المسالك كلهم فيما عدا البروفيسور، حين دخلت علينا هذه الزميلة، كانت قد انتهت من إجراء جراحة طويلة. وتبحث بشغف عن سيجارة، كنت الوحيد الذي يدخن، ناولتها العلبة، لكنها رفضت قائلة: أفضل الامتناع عن التدخين ولا آخذ سيجارة من عربي.

(8)

بعد سنوات قليلة، كنت في واحدة من دول الخليج، جراحا لم يعتد أبدا أن يقال لي يا مصري باللغة العربية، كانت نبرة النداء تحمل قدرا لا يخفى من عدم الاحترام وربما الإهانة. في البلد نفسه بعد سنتين، وبمناسبة نهاية القرن العشرين الطويل، أصدرت جريدة فرنسية شهيرة، لا أذكر هل كانت اللموند أم الفيجارو، ملفا فلسفيا عن استشراف القرن الجديد. ترجم الملف الصديق الشاعر والمترجم المصري الكبير الصديق محمد سيف، ونشرته جريدة محلية.

كان الملف مخيفا، لكن الأكثر مدعاة للخوف والقلق كان مقالا داخل الملف عنوانه: الهوية المرنة. باختصار قال الفيلسوف: تخيل طفلا ولد في الخليج لأبوين مصريين، وعاش سنوات طفولته فيه. ثم أكمل تعليمه في إنجلترا، ثم استقر في كندا من أجل العمل، إلى أي من هذه البلاد سينتمي؟ الأرجح أنه لن ينتمي لأي من هذه البلاد، سينتمي لذاته فقط، لمصلحته المباشرة والضيقة، وبذلك يصبح مواطنا عالميا، لا ينتمي لأرض بعينها، ولا ثقافة بحد ذاتها، الهوية لا يشكلها الآخرون فقط، بل تشكلها المصلحة أيضا، وهذه هي العولمة!

(9)

يتنسب الناس عادة إلى مسقط الرأس أو المهن. في عصر الطوائف يورث النحّاس أو الحداد مهنته لأبنائه، فتصبح المهنة لقب العائلة. ينتقل المواطن من دمياط إلى القاهرة فيحمل لقب الدمياطي إلى الأبد. كأن الهوية لا تتحدد في السوق فقط، بل تتحدد أكثر بالانتقال من مكان إلى مكان، كأن الواحد منا لا تشعر بهويته إلا في الغربة!

حيث يحاصرك أهل المكان الجديد، ويفرضون عليك تصورهم عنك وعن أهلك. في الغربة يحضر النمط وتختفي الذات. بهذه الخبرات البعيدة قر في داخلي أنك لا تكون مصريا في مصر بل خارجها. لكن الغريب أنني في شتاء هذا العام (2022) كنت أعمل في أماكن مختلفة من محافظة مرسى مطروح المصرية، ولا أعرف لماذا أصر السكان الأصليون هناك على مناداتي: دكتور مصري!! ولا أعرف أيضا لماذا لا أقول إنهم أمازيغ، بل أقول عنهم: السكان الأصليين للواحة. كأننا لا ننتمي إلى البلد نفسه. أو كأنني غريب في صحبة غرباء.

اقرأ أيضا:

بورنوغرافيا الدم وإدمان العنف: هل أصبح العالم فيلم رعب كبير؟

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى