كيف يساهم «ترام المدينة» في الحفاظ على القاهرة التاريخية؟

«هل إعادة استخدام الترام بات ضرورة داخل المدينة التاريخية؟» تساؤل يفرض نفسه حول وضع القاهرة التاريخية في الوقت الراهن، خاصة مع فكرة شق طرق جديدة داخل المدينة. المعماري عمرو عصام يتبني هذه الفكرة. إذ يرى أن الترام الحل الأمثل لمنع تدمير النسيج العمراني لمدينة مدرجة على قائمة التراث العالمي مثل القاهرة، وقد استخدمته الكثير من الدول.

حقب تاريخية مركبة

متى يصبح التراث متحفيا وكيف يمكن أن نجعله حيا ومتواصلا؟ سؤال طرحه المعماري. حيث يمثل التراث قمة اهتمامه فهو المحدد الرئيسي في علاقته بمجال العمارة والتخطيط العمراني. وبرغم أن علاقته بالتراث لم تتجاوز الانبهار الشكلي حتى سنوات قليلة من حياته، إلا أنه أعاد النظر مرة أخرى في مفهوم التراث.

يرى عصام أن مصر بالنسبة له في المقام الأول ليست إلا تراثا ممتدا ومجموعة من الحقب التاريخية المركبة. ومن هنا بدأ اهتمامه المُركز بالتراث وعلاقته بالمدينة في صورتها الحية المتحركة وليست الساكنة أو الجامدة. فهذه السياقات كانت ملهمة بالنسبة إليه للبحث بشكل أعمق حول موضوعات متعددة تتمحور حول التراث وتتعامل معه باعتباره حتميا للبقاء وسبيلا نحو التجدد.

من الأعلى (يمينًا)، محطة ترام العتبة أواخر القرن التاسع عشر، ويظهر يمين الصورة مبنى المحكمة المختلطة، وخلفه يظهر مبنى مطافي القاهرة
من الأعلى (يمينًا)، محطة ترام العتبة أواخر القرن التاسع عشر، ويظهر يمين الصورة مبنى المحكمة المختلطة، وخلفه يظهر مبنى مطافي القاهرة 
التنقل المستدام

خلال الوقت الحالي يركز عصام على قضايا “التنقل المستدام” بشكل عام وأهمية تبني حلول متكاملة داخل المناطق التاريخية. إذ أنه في الشهور القليلة الماضية، نشر ورقتان بحثيتان من خلال المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، تناول خلالهما المفاهيم العامة للتنقل المستدام والفارق بين النقل والتنقل.

وأشار خلالهما إلى التوجهات العالمية الأكثر استدامة في معالجة قضايا المرور وتحديات الزحام داخل المدن. ثم جاءت الورقة الثانية لتركز على التنقل الكهربائي داخل القاهرة التاريخية وضرورة تبنى حلول أكثر فعالية واستدامة، مثل إعادة إحياء أجزاء من شبكة ترام القاهرة. وأهمية التكامل بين المجموعات الأثرية والجبانات التراثية؛ باعتبارها جزءا رئيسيا من القاهرة التاريخية مع الإشارة لخطورة تفتيت هذا النسيج العمراني المتفرد. من خلال مشروعات الطرق والكباري المزمع إقامتها في هذه المنطقة الحساسة من المدينة، والتي ستؤدي لتدهور المباني الأثرية المحيطة نتيجة الانبعاث الكربوني.

تحولات كبرى

يقول عصام لـ”باب مصر”: “شكلت خطوط الترام وقضبانه الحديدية هيكل المدينة، ولعبت دورًا بارزًا في مظهرها العمراني، لكن مع تفاقم أزمات المرور وتحديات الزحام في بداية الثمانينيات. أُجريت العديد من الدراسات المتخصصة لتحسين التنقل في القاهرة من خلال التركيز على مشروعات التنقل الجماعي، والتي كان أهم إنجازاتها الخط الأول لمترو الأنفاق. ومع النمو المتسارع للقاهرة وزيادة رقعتها الجغرافية، لا تزال قضية التنقل وتحديات الحركة تلعب دورا محوريا في مستقبل المدينة”.

يضيف: من المنظور الرسمي، فالعتبة هي مركز مصر ومنها تُقاس المسافات وتُصنف المدن ابتعادًا واقترابًا جغرافيًا. وميدان العتبة هو مركز القاهرة ونقطة ثقله لأكثر من قرن بالتزامن مع حركة التحديث الكبرى الممتدة بين القرنين التاسع عشر والعشرين ،قبل أن تنمو المدينة وتعبر النهر في اتجاه الغرب أو تمتد ناحية الشرق.

وتابع: تاريخيًا هذا الميدان هو نقطة التقاء التاريخ بالحداثة أو القاهرة القديمة بالحديثة. فكل هذه المعطيات جعلت هذا المكان مسرحًا لأحداث فارقة في التاريخ المصري المعاصر. ومع نهايات القرن التاسع عشر، تهيأت كافة الظروف التي جعلت من هذا الفراغ الحضري أهم عقدة مرورية في القاهرة، ليس فقط باعتباره نقطة التقاء مجموعة من الشوارع الهامة المستحدثة مثل محمد علي (القلعة حاليًا)، وعبدالعزيز، وكلود بيه، أو القديمة مثل الموسكي، والعتبة الخضراء (يوسف نجيب حاليًا)، التي تربط المدينة شمالها بجنوبها وشرقها بغربها.

مشهد جديد

بالنظر إلى المشهد الجديد الذي جسده هذا الميدان ومحيطه للقاهرة كمدينة حديثة، متضمنًا مبنى المحكمة المختلطة (هُدمت وتشغل حديقة العتبة موقعها الآن)، وسوق القاهرة للخضر والفاكهة (على غرار سوق باريس)، وأوبرا القاهرة (على غرار أوبرا ألاسكالا بميلانو – يشغل موقعها الآن جراج الأوبرا)، وحديقة الأزبكية (على غرار بارك منسو بباريس).

فضلا عن مجموعة من الأبنية والمنشآت المنتقاة بعناية والتي عكست الطابع الأوروبي، وقدمت مجموعة من الأنشطة والخدمات الحديثة التي لم يشاهدها أو يألفها سكان المدينة من قبل.

يقول عصام: “في أغسطس من عام 1896 أعلنت العتبة الخضراء محطة مركزية لترام القاهرة. بعد امتياز منحته الحكومة المصرية لشركة بلجيكية حملت اسم ترامواي القاهرة، لتنطلق خطوط الترام الأولى في اتجاه مركز الحكم القديم بالقلعة (ميدان محمد علي سابقًا – قراميدان قديمًا) وبولاق. حيث قلعة المدينة الصناعية ومرفأها على النهر. ثم توالت الخطوط واحدًا بعد الآخر ومع منتصف القرن العشرين كان الترام وسيلة التنقل الرئيسية بالمدينة وباتت القاهرة واحدة من المدن التي شكلتها القضبان”.

وعند نهاية القرن التاسع عشر كان مشروع الخديوي إسماعيل الضخم قد أحدث تغييرًا جذريًا في بنية المدينة وأعاد تشكيل مظهرها الحضاري. وبات للقاهرة هيكل عمراني واضح اتصلت فيه المدينة القديمة بالحديثة، وكوّنا معًا مركزًا حضريًا متصلًا بضواحي القاهرة شمالًا وجنوبًا من خلال خطوط السكك الحديدية، التي بدأ إنشاؤها في عهد عباس حلمي الأول. وبهذا تكوّن للقاهرة نموذج عمراني يضم قلب المدينة ومركزها الحضري الرئيسي (القاهرة القديمة والحديثة) تتصل به الضواحي السكنية (المطرية شمالًا – حلوان جنوبًا) من خلال سكك حديد مصر، وبينهما تقع مجموعة من الأنوية العمرانية المتفرقة (العباسية شرقًا – إمبابة غربًا – شبرا شمالًا – مصر العتيقة جنوبًا).

ثقافة الحركة

يرى المعماري أنه مع بدء تشغيل خطوط الترام الأولى بالقاهرة، حدثت تغيرات كبيرة في ثقافة الحركة وأنماط الانتقال عبر المدينة. من بينها تراجع وسائل التنقل غير المميكنة (الدواب – العربات التي تجرها الخيول) والتي اعتمد عليها سكان القاهرة لقرون طويلة. ومع مرور الوقت وتحديدًا في عام 1914 امتدت شبكة ترام القاهرة لتغطي المدينة. إذ يتضح أن الترام كان وسيلة التنقل الرئيسية بالمدينة. وفي نهاية عام 1918 وصل عدد مستخدمي الترام إلى أكثر من 75 مليون راكب سنويًا.

وفي الثلاثينيات كانت خطوط الترام توفر الانتقال لسكان القاهرة عبر شبكة مترابطة تمتد من شبرا شمالًا إلى الإمام الشافعي جنوبًا. ومن العباسية شرقًا إلى الأهرامات غربًا، ولم تتجاوز أقصى رحلة يقطعها الترام من محطته المركزية بالعتبة وحتى أطراف المدينة أكثر من ساعة.

استنادًا إلى نظرية المدن الحدائقية، وتحديدًا في عام 1905، بدأ الحلم يراود البارون إمبان في إنشاء واحتين وسط صحراء القاهرة. حيث المناخ الجاف والأسعار الملائمة للأراضي، ونتيجة للظروف الاقتصادية في تلك الفترة استُبدلت الواحتان بواحة واحدة.

محطة الترام الرئيسية بميدان العتبة بالقاهرة منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين
محطة الترام الرئيسية بميدان العتبة بالقاهرة منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين
هليوبوليس والعالم

مع مرور الوقت قدمت تجربة مصر الجديدة (هليوبوليس) نموذجًا رائدًا في تخطيط وتنمية المدن الجديدة من خلال توفير منظومة نقل عام سريعة ومريحة. بالتزامن مع إنشاء وتطوير المدينة لتشجيع الناس على الانتقال لهذه المواقع البعيدة نسبيًا بكل سهولة. وبإجمالي أطوال وصلت لأكثر من 26 كم من الخطوط الحديدية المزدوجة. وعدد ركاب تجاوز المليون ونصف راكب سنويًا.

وفي عام 1914 باتت هليوبوليس واحدة من أهم مدن الترام حول العالم. تجربة هليوبوليس كمدينة جديدة ملهمة لأسباب متعددة ولكن الدور الذي لعبه الترام في نمو وتطور المدينة كان محوريًا. وبدأت منشآت المدينة في الظهور مع بدايات عام 1908، بالتزامن مع مد خطَّي ترام للمدينة. أحدهما لربط الضاحية بالعباسية وعُرف بالترام الأبيض. والآخر لربط الضاحية بوسط القاهرة بدءًا من شارع جلال بوسط البلد (عماد الدين حاليًا – الصورة أعلى المقال بالمقدمة).

الترام الجديد

مع منتصف عام 1910 انطلق من ميدان باب الحديد (رمسيس حاليًا) الترام السريع لتعزيز الوصول إلى المدينة في زمن أقل، والذي عُرف بين سكان القاهرة بمترو مصر الجديدة. ومع الوقت تفرع إلى ثلاثة خطوط رئيسية. وعلى الرغم من المسافة الطويلة نسبيًا في ذلك الوقت بين محطة الانطلاق في وسط المدينة ومحطة منشية البكري والتي تبلغ 10 كم تقريبًا، إلا أن مترو مصر الجديدة كان يقطع هذه المسافة في أقل من خمسة عشر دقيقة.

يقول عصام: “لقاء القاهرة بالحداثة كان مبكرًا ومنقوصًا في الوقت ذاته. فقد عرفت المدينة نتيجة لموقعها الجغرافي ودورها البارز في التاريخ كافة وسائل التنقل والحركة عبر التاريخ الحديث. بدءًا بالقطار ثم الترام وبعده الأومنيبوس (الأتوبيس). ثم انتشار الأوتوموبيلات الخاصة (السيارات) وبعدها التروللي باص وانتهاءً بمترو الأنفاق، وقريبًا المونوريل والأتوبيس الترددي (BRT) والقطار الخفيف (LRT) والقطارات فائقة السرعة.

وبمقدار الدور المحوري الذي لعبه نهر النيل في نمو القاهرة، كان للترام دور آخر في تطور المدينة وإعادة تشكيل مشهدها العمراني.

وعلى مدار نصف قرن إلا قليلًا كان للترام نصيب الأسد من حصة التنقل والحركة بالقاهرة. لكن مع بدايات تشغيل الخط الأول من مترو الأنفاق، كان ترام القاهرة يشغل النسبة الأقل من حصة التنقل في المدينة، وتعاني مرافقه من تدهور وتداعٍ شديدين. فضلًا عن الخسائر والحوادث المتكررة مما أدى إلى إحالة هذا المرفق التاريخي للتقاعد في النهاية”.

تغير السياسات

أوضح المعماري أنه يمكن الاستفادة من تجربة تنمية ضاحية هليوبوليس والدور الحيوي الذي لعبه السوبر ترام (مترو مصر الجديدة) في زيادة معدلات الجذب والاستيطان السكاني لهذه المدن، من خلال التركيز على وسائل التنقل السريعة والملائمة من الناحية الاقتصادية في تعزيز الوصول إلى المدن المصرية الجديدة وبالأخص في مراحل نموها الأولى، بالتوازي مع اختيار وسائل تنقل داخلية أكثر ملائمة من الناحية الاقتصادية لكل مدينة على حدة.

واستطرد: لدى القاهرة فرصة كبرى بعد انتقال مؤسسات الحكم إلى العاصمة الإدارية الجديدة في إعادة تهيئة القلب التاريخي للمدينة من خلال إعادة إحياء شبكات الترام الكهربائي. ليس فقط باعتباره وسيلة تنقل يومًا ما كانت جزءًا من مشهد المدينة ولعبت دورًا كبيرًا في تطورها التاريخي.

ولكن بالنظر إلى الانبعاث الكربوني ونسب التلوث المرتفعة التي تحتاج القاهرة للحد منهما بشدة وبالأخص داخل الأجزاء التاريخية المسجلة لدى اليونسكو ممتلكًا للتراث العالمي. ويمكن من خلال وسائل التنقل الصديقة للبيئة كالترام الوصول بمعدلات التلوث المرتفعة بالقاهرة إلى نسب مقبولة.

أقصى الصورة يساراً، ترام مصر الجديدة ماراً بشارع إبراهيم اللقاني من خلال نمط الشوارع المشتركة
أقصى الصورة يساراً، ترام مصر الجديدة ماراً بشارع إبراهيم اللقاني من خلال نمط الشوارع المشتركة
صعوبة وسائل التنقل 

بمراجعة حدود القاهرة التاريخية المسجلة تراثًا عالميًا، يتضح أن الأجزاء الشرقية من المدينة والتي تمثل النسبة الأعظم من المساحة المسجلة. ينقصها صعوبة الوصول المباشر باستخدام وسائل التنقل الصديقة للبيئة. حيث يمكن الوصول للمدينة التاريخية من خلال محطة العتبة ضمن الخط الثاني لمترو أنفاق القاهرة الكبرى.

ومن خلال محطتي باب الشعرية والجيش ضمن الخط الثالث. إذ يمكن من خلال الدمج بين المترو والترام تحسين التنقل بالقاهرة التاريخية. حيث يمكن لمحطات الترام المقترحة أن تقوم بدور تبادلي مع محطات المترو القائمة وبالأخص المحطة المركزية بميدان العتبة لإعادة مشهد فُقد عبر الزمن من ذاكرة المدينة، ولاسيما أن الجهاز القومي للتنسيق الحضاري قد طرح منذ سنوات مسابقة دولية كبرى (لم تُنفذ) لإعادة الرونق الحضاري لقلب القاهرة.

وقد أوصت جميع المشروعات المتميزة بضرورة إزالة كوبري الأزهر لتحسين الصورة البصرية للمدينة وتشجيع التنقل المستدام بين القاهرة القديمة والحديثة. فالتفكير في الحركة والمرور، أو منظومة التنقل بشكل عام وعلاقتها بالمناطق التاريخية والتراثية، يبدأ من تحديد علاقتنا بالتراث.

بديل مثالي

يختتم عصام حديثه ويقول: “إعلان الأعمدة السبعة للشخصية المصرية محورا رئيسيا لمنتدى شباب العالم في نسخته الثانية، كان انتصارا واضحا لتراث مصر وهويتها. إذ أن الأعمدة السبعة للشخصية المصرية، كانت التزاما واضحا من الرئيس السيسي بحماية التراث المصري، وجبانات القاهرة التاريخية في القلب من هذا التراث، ووجودي ضمن البرنامج الرئاسي، يضع على عاتقي مسؤولية أكبر في الدفاع عن تراث مصر”.

وتابع: أشرت إلى أهمية الحفاظ على تراثنا العمراني وثروتنا المعمارية. كما حذرت كثيرا من خطورة شبكة الطرق والمحاور السريعة على النسيج التاريخي للقاهرة. لذلك أرى أن الإسراع في تنفيذ الخط الرابع لمترو أنفاق القاهرة مع وضع إستراتيجية متكاملة للتنقل المستدام داخل القاهرة التاريخية، هما البديل المثالي لعلاج تحديات المرور والزحام.

اقرأ أيضا

هكذا يودعون عواماتهم: هل أصبح تراث مصر «النيلي» في خطر؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى