متابعات وتغطيات

كوميكس«آثارنا المتغربة».. توعية بالجرائم في قلب المستعمرات القديمة

يعد هذا المشروع الفني هو الأول عالميا في تناول قضية الاضطهاد الاستعماري للآثار، عبارة عن سلسلة من قصص الكوميكس القصيرة، مكونة من اثنتا عشرة قصة تناقش خلالها واحدة من أهم القضايا في مصر وهي الآثار المصرية الموجودة بالخارج، والتي خرجت من البلاد خلال فترة الاستعمار البريطاني التي استمرت حتى ثمانينيات القرن العشرين، هذه القصص الكاريكاتيرية ضمن مشروع «آثار مصر المتغربة» للباحثة المصرية هبة عبدالجواد، ومن المقرر طباعتها وعرضها في متاحف بريطانية للجمهور بجوار القطع الأثرية المصرية.

آثارنا المتغربة

جاءت سلسلة الكوميكس ضمن المشروع الذي يهدف إلى نشر تاريخ غربة الآثار المصرية للمصريين والتوعية بها، وخلق فرص للحوار مع المجتمعات المحلية في مصر، وتم صياغتها بطريقة حديثة بالتعاون مع باحثة الآثار المصرية د. هبة عبدالجواد ومحمد ناصر رسام الكوميكس، لتقديم معلومات بشكل مبسط عن الآثار التي خرجت من مصر عن طريق إنجلترا خلال فترة الاستعمار البريطاني، كجزء من مشروعها «آثار مصر المتغربة» بتمويل من مجلس بحوث الآداب والعلوم الإنسانية البريطاني بالاشتراك مع  الجمعية الإنجليزية لاستكشاف مصر وخمسة متاحف بالمملكة المتحدة.

توضح الباحثة هبة عبدالجواد، تفاصيل المشروع بالتعاون مع المتاحف الخمس، وهم: المتحف الوطني في اسكتلندا، متحف بيتري للآثار المصرية والسودانية، متحف وحدائق هورنيمان بلندن، متحف ليفربول ومتحف مانشستر بالشراكة مع مجموعة من الفنانين المصريين والمدارس المجتمعية والثقافية.

وتقول لـ«باب مصر»: “نظرا لحساسية الموضوع ومعلوماته العلمية الدقيقة كنت بحاجة لفكرة تتماشى مع طبيعتنا المصرية خاصة في تناول المشاكل بشكل ساخر ففكرت في الكوميكس كوسيلة لنشر معلومات هامة بطريقة بسيطة، من هنا تم تدشين سلسلة الكوميكس «ناصر وهبة وآثارنا المتغربة» والتي تتناول كيف كان ولا زال المصريين معرضون للاضطهاد على أيدي الأجانب، المصريين قاموا بكل العمل بدرجة تكاد تتفوق على الخبراء الأجانب، من بحث وتنقيب وترميم وفي النهاية لم يعتبروهم أثريين، مع نسب العمل فقط  إلى الحاصل على الشهادة الجامعية”.

لم تتوقع في البداية هذا النجاح، ولكن استغلت السلسلة في نشر معلومات لفئات الشعب المصري المختلفة بطريقة بسيطة، خاصة أن الاتجاه السائد في إنجلترا حاليا هو مواجهة الإرث الاستعماري والاعتراف به والسعي لتصحيح الأوضاع، وتقول : “المشروع يعد الأول من نوعه لكونه منفذ من قبل مصريين من بدايته حتى الآن، على عكس المشاريع الأخرى بتمويل ومشاركة بريطانية  أو ألمانية لاسترداد الآثار الأفريقية”.

جائحة كورونا الملهمة

«مصائب قوم عند قوم فوائد» كان هذا وصفها للأشهر الماضية خلال تفشي جائحة كورونا، حيث أتاح البقاء في المنزل الفرصة للعمل على المشروع، ومنه سلسلة الكوميكس التي كانت باللهجة المصرية، حتى لا تتسم بالطابع الغربي كغيرها من المشروعات المماثلة وذلك عن الطريق التعريف بتاريخ مصر القديم بطريقة مصرية حديثة.

وتزامن وقت نشر السلسلة على مواقع التواصل الاجتماعي، بفترة الإغلاق والبقاء في المنزل، مما سمح بتحقيق نجاح أكبر من المتوقع، وتقول: “نفكر في الاستمرار في سلسلة الكوميكس ولكن بطريقة مختلفة لم نقررها بعد كالرسوم المتحركة، أو ألعاب.. ونرحب بالتعاون مع من يتخذ قرار إنتاجها مسلسل”.

اثنتا عشر قصة مضحكة قصيرة «كوميكس» فكرت فيها ورسمت لها الخطوط العريضة وبحثت مادتها العلمية هبة عبد الجواد ونفذها ورسمها محمد ناصر رسام الكوميكس على مدار ستة أشهر، بهدف نشر الوعي بين المصريين عن الآثار المصرية التي خرجت من مصر أثناء فترة الاستعمار البريطاني.

وعرضت منها في متاحف العالم، يوضح ناصر تفاصيل التنفيذ الفني، ويقول لـ«باب مصر»: “على المستوى الشخصي لم أكن أعلم أن هذا العدد من الآثار المصرية موجود بالخارج ومنه كم كبير لحق به الضرر.. وحاولت أنا وهبة ان نقدم للمتابع المصري القضية الهامة ولكن بشكل مبسط لا يمل من المعلومات المقدمة بها”.

ولكن «لماذا تُكتب الكوميكس بالعامية رغم عرضها بجوار الآثار في إنجلترا؟» كانت إجابة الباحثة المصرية، أن الكتابة باللغة العامية جزءا من الحفاظ على الهوية، لأن الهدف الأساسي هو تمصير مصر القديمة، وفي حالة كتابتها بلغة أخرى نكون “غربناها”، وتود أن تكون بالمصرية ومنها للعالم، ومن يرغب في فهم المكتوب يسأل عن ترجمة لها، وتستكمل: “نود إظهار مصر الحديثة للغرب، ما زالوا يعتقدون أننا في الصحراء وغير متطورين.. وكذلك يعتبرون أننا لا نستحق التاريخ المصري القديم”.

كوميديا سوداء

حضارة مصرية وتاريخ طويل في بلاد الأجانب، يصفونها بهويتها الحقيقية وعلى الرغم من ذلك لم يتم استرداد أيا منها، هذه القضية يقدمها هبة وناصر بطريقة «الكوميديا السوداء»، القصة الواحدة تتناول أثر مصري أو مادة أرشيفية أثرية، تقدم هبة المعلومات اللازمة عن الأثر وتاريخه وقصة خروجه من مصر، ويصيغوا فكرتها معا ثم يقوم ناصر رسمها وتنفيذها في قصة قصيرة طريفة.

بدء التعاون في مشروع سلسلة الكوميكس مع الباحثة المصرية في يناير الماضي، وكان من المقرر انتهاء السلسلة في يونيو الماضي بمعدل كوميك واحد كل 14 يوما، عن أثر، ملك أو متحف متعلق بالقطع المصرية خارج البلاد، ولكن تم الانتهاء منها في سبتمبر الماضي، وتدور الأحداث بشكل فكاهي عن رد فعل الأثر خلال تواجده بالمتحف الأجنبي، أو خلال رحلة خروجه من مصر.

بين تحديد الفكرة وبحثها والتنفيذ قضت باحثة الآثار والمبرمج ومهندس الكمبيوتر، الشهور الأخيرة، ويقول ناصر: “الفكرة أكثر صعوبة وتستغرق النصيب الأكبر من نقاشنا، خاصة أن القصة تتم عبر حبكة درامية فكاهية تتضمن معلومات مثل التواريخ والأسماء المصرية القديمة، أما التنفيذ فبالنسبة لي هو الجزء الممتع، وأبرز ما يميز العمل هو مدى تشابه شكل الأثر في القصة والحقيقة”.

كوميكس بالمتحف الاسكتلندي

من أجل الوصول لعدد أكبر من الناس اتفق هبة وناصر أن تكون حسابات ناصر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ذات الجمهور الكبير من المتابعين وسيلة نشر الكوميكس الأولى ويقول: “مشاهدة السلسلة عبر حسابي تحظى بتفاعل أفضل، نظرا لأنه قد يعرض عن مشاهدتها كل من لا يحب الآثار أو المعلومات التاريخية، وحاليا نشر موقع المتحف الاسكتلندي شريك مشروع آثار مصر المتغربة، كوميكس المشروع التي تتناول قطع أثرية «متغربة» باسكتلندا، ومن المخطط أن تعرض الخمس متاحف المشاركة بالمشروع كوميكس ناصر وهبة وآثارنا المتغربة بصالات عرضها بجوار القطع الأثرية المصرية”.

«الغريب في الأمر.. كيف أنتقد تصرفات الإنجليز ويكون الدعم الأول منهم؟”، هذا ما لفت نظر ناصر بعد عرض سلسلة الكوميكس نظرا للدعم الذي حظت به السلسلة والمشروع بشكل عام، وكذلك طلبهم المستمر لفهم الكوميكس المكتوبة بالعامية المصرية، ويقول: “بعض قصص السلسلة تنتقد تعاملهم مع الآثار المصرية مثل الصاروخ الذي دمر 3000 قطعة فرعونية في متحف ليفربول خلال الحرب العالمية “.

على المستوى الشخصي، يعد رسم الكوميكس هو الهواية الأولى لناصر، الذي اعتاد نشر يومياته ومواقف يومية طريفة عبر حساباته، أما «كوميكس آثار مصر المتغربة» تعد التجربة الأولى من نوعها، لهبة وناصر، لمناقشة قضايا أثرية هامة عبر رسم الكوميكس وهي الأولي من نوعها علي مستوي العالم في مناقشة الممارسات الاستعمارية الأثرية بشكل ساخر وبلغة المجتمعات المحلية.

اقرأ أيضا

هبة عبدالجواد توثق رحلة البحث عن «آثار مصر المغتربة»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى