كورونا وثقافة العار

هناك شعور بالعار يتملكنا عندما تصيبنا أمراض معينة، ولا نعرف كيف نفسر أو نفهم الرغبة القوية في التكتم على إصاباتنا أو إصابة أحد من أقاربنا بفيروس كورونا مثلا، وهي رغبة منتشرة جدا، خاصة في مجتمعاتنا الريفية وشبه الريفية، التي تضم غالبية الشعب المصري.

لماذا يشعر الإنسان بالعار من مرض لا يمنح ترتيبا اجتماعيا معينا، ولا يحقق تصنيفا من أي نوع، أي  لا علاقة له بالقوة والضعف، أو بالشجاعة والجبن، أو بالقصور والبيوت الطينية، ويكفي أنه أصاب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وتم إعلان الخبر فورا، بينما أنا المواطن البسيط أعجز عن إعلان الخبر، وأعتبره فضيحة؟

لو سلمنا باعتبار المرض فضيحة، فأي فضيحة تلك التي تجعلني أتكتَّمُ على أمرٍ من شأنه نشر العدوى والتسبب في قتل آخرين؟

الموت المعنوي

ربما نجد الإجابة الأولى في فكرة الطقوس، وأولها طقوس العزل، وهي ترتبط في الوعي الجماعي بالموت المعنوي، فعندما ينعزل المرء عن عائلته أو قبيلته، ينعزل بالضرورة عن منابع الأمن والحياة، ويصبح طريدا أو شريدا وأكثر عرضة للهلاك، ولهذا كان التهديد بالعزل أشد من التهديد بالسجن، أو الإعدام على أيامنا، وكان المرء يفعل أي شيء ـ لدرجة تقديس القبيلة أو العائلة ـ خوفا من العزل.

طقوس الموت بمعناه الحرفي، وما تشتمل عليه، من مواكب جنائزية، وعديد، وصراخ، وسرادقات عزاء، وغيرها، كانت الوسيلة البشرية الفعالة التي تجعل الإنسان يمتص صدمة الموت، أو يتعامل معها بمنطق اللعب، بحيث  يتجاوز القطيعة التي أحدثها الموت في مجرى حياته المعتاد، ويعيد تأهيل نفسه للعودة مرة أخرى، إلى حياته اليومية المعتادة، ويروض سؤال الرعب الذي يتجدد كلما حدثتْ وفاة، وقام الإنسان بوضع التراب على والده، أو ولده، أو أحد أقربائه.

لعبة الطقوس

حرمان الإنسان من طقوس الموت بعد قرون طويلة، بشكل مفاجئ أو قسري، يُحدثا فراغا، وبسبب ضعف تأهيلنا على مواجهة هذا الفراغ، نراوغ ونلجأ إلى التكتم أو التواطؤ مع سبب العزل، عن طريق تجاهله، أو التهوين من شأنه، أو السخرية منه، وكلها حيل نمارسها كي ندفع أسئلة الموت بعيدا إلى أن نندمج مرة أخرى في حياتنا اليومية.

المجتمع كله يتواطأ مع لعبة الطقوس، وقد رأينا حالات كثيرة للمشاركة في مناسبات العزاء حتى مع العلم بأن الوفاة كانت بسبب كورونا، وباختصار شديد، كانت طقوس الموت واحدة من وسائل انتشار المرض، أو من عقبات ترويضه.

لقد ظهر كورونا كي نتأمل كيف تتحكم فينا خبرات إنسانية قديمة جدا، فرضتها ظروف الحياة وقتها، ورغم اختلاف الظروف، وبدلا من الحصول على خبرات جديدة، نستخدم نفس الألعاب القديمة، حتى لو كانت هذه الألعاب، تجعلنا نتكتم على أمرٍ من شأنه نشر الأمراض والتسبب في قتل آخرين!

اقرأ أيضا

أحمد أبوخنيجر في متاهة الذئب: الصحراء الشرقية ولغز الجنة الخفية

 

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى