«كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور
هكذا يتحدث المكان، فليست مجرد مبنى أو دار عبادة فحسب، بل «كنيسة البشارة» الكائنة بمدينة دمنهور، التي تمثل ترنيمة قديمة صنعت الأحداث وشهدت على تاريخ طويل من حياة الناس. قرون مضت منذ إنشائها، وهي تقف على ناصية المدينة تستقبل زوارها بمودة، وتضفي قدرا كبيرا من الرسوخ على موقعها المتميز.
أشهر مستوصف طبي
تعد الكنيسة واحدة من أقدم كنائس محافظة البحيرة، وتحتل مكانة خاصة في وجدان أبناء المدينة، نظرا لدورها كمؤسسة اجتماعية. إذ تضم أشهر مستوصف طبي خيري وهو “السبع بنات”، وأشهر مدرسة خاصة وهي “الراهبات”. وبالإضافة إلى موقعها المتميز في ميدان محطة السكة الحديد – الذي كان يحمل اسم الإمام محمد عبده حتى وقت قريب. ثم أصبح يعرف بميدان المحطة- تعتبر كنيسة البشارة أول ما تقع عليه عين ضيوف المدينة. لما تمثله من طراز معماري نادر ومميز.
حول تاريخ ومراحل تطور هذه الكنيسة العريقة، يقول الأب مايكل صبحي، راعي كنيسة سيدة البشارة اللاتينية، إن هذا الاسم أطلق عليها نسبة إلى بشارة الملاك جبرائيل بالحمل في السيد المسيح. مشيرا إلى أنها تعد من أقدم كنائس محافظة البحيرة. إذ يرجع تاريخها إلى عام 1875 ميلاديا، مضيفا أن الرعاية الأجنبية قصدتها لما كانت تتوافر بمنطقة رشيد ودمنهور من تبادل تجاري مع إيطاليا وفرنسا وإسبانيا.
مدرسة للراهبات
يستطرد الأب مايكل حديثه ويقول: “كان عدد الكاثوليك آنذاك 185 نسمة، وفي عام 1892 افتتحت مدرسة ابتدائية لتعليم الأطفال. وفي عام 1900 قرر مجلس حراسة الأراضي المقدسة للآباء الفرنسيسكان شراء قطعة أرض بدمنهور مساحتها 1843 مترا لبناء الدير وملحقاته. وبعد دراسة الموقع، أرسل الأب بونافنتورا دي أندري، راعي الكنيسة، عام 1911 تقريرا عن الأرض مع الرسم الهندسي للدير الجديد. وقامت وكالة حراسة الأراضي المقدسة بإرسال ألفي فرنك للبناء”.
وفي عام 1918، وبناء على طلب الأب فرديناندو ديو تافيللي، رئيس حراسة الأراضي المقدسة أعلن المطران أوريليو بريانتي أن كنيسة دمنهور “رعية” مستقلة. وتشمل القرى المجاورة: حلق الجمل، دسوق، كوم حمادة، أبو المطامير، أبو حمص وعددا من القرى الأخرى.
وفي ذلك الوقت، كان الكاهن الفرنسيسكاني الراعي الوحيد للكاثوليك البالغ عددهم 400 (300 من الشرقيين و100 من اللاتين). وكانت للرعية عدة أنشطة روحية، من بينها: “الشهر المريمي، درب الصليب، قداس أول جمعة من الشهر، وتكريم القديس أنطونيوس يوم الثلاثاء”. كما كانت تقام مواعظ باللغة العربية والإيطالية.
مكان لأعياد الكاثوليك الأجانب وللقداس الإلهي
باشر الرهبان الفرنسيسكان خدمتهم في دمنهور عام 1860. وكان أحد الرهبان يأتي من كفر الزيات أو من سانت كاترين بالإسكندرية لإقامة القداس الإلهي أيام الآحاد والأعياد للكاثوليك الأجانب بالمدينة. وفي عام 1871 تم تعيين الأب بسكال لمباشرة الخدمة.
وفي عام 1874، حين كانت مدينة دمنهور مركزا تجاريا مهما، وكان يقيم بها ويزورها مئات التجار وعدد كبير من العائلات القادمة من دول البحر المتوسط. ونتيجة حاجتهم إلى دار عبادة، بدأ بناء الكنيسة والدير. أما في عام 1875 انتهت أعمال البناء، وسكن الأب الراعي بدمنهور.
كما شهد عام 1876 تكريس الكنيسة باسم “سيدة البشارة”. وشارك في الاحتفال الأب “جزوالدو” والأخ “أومو بونو” من إخوة المدارس “الفرير”، الذين قاموا بإحياء الترانيم أثناء الاحتفال. وظلت الكنيسة تابعة لسانت كاترين حتى عام 1918.
ومن الآثار الباقية ولم يطرأ عليها أي تغيير برج الكنيسة الأصلي والجرس الذي جُلب عام 1881. ولا تزال واجهة الكنيسة تحمل شعار “يدان وصليب كبير حوله أربعة صلبان”، وهو شعار كنيسة الأراضي المقدسة. حيث كانت كنيسة البشارة تتبع كنيسة بيت المقدس حتى عام 1922.
سيدة البشارة.. جماليات الطراز القوطي
من جانبها، أوضحت الدكتورة شهد البياع، مدرس زائر بمعهد الدراسات القبطية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية ومدير تطوير منطقة الآثار القبطية في وادي النطرون، أن كنيسة البشارة بمدينة دمنهور تعد من أهم الكنائس الكاثوليكية. حيث أنشئت على الطراز البازيليكي. ويتكون شكل الكنيسة من الخارج من ثلاث واجهات.
الواجهة الرئيسية تطل على ميدان المحطة، وقد أنشئت على الطراز القوطي، الذي شهدت مصر في تلك الفترة إحياء له ضمن الطرز المعمارية القديمة. خاصة طراز العصور الوسطى، نتيجة تواجد الجاليات الأجنبية. ويتوسط الواجهة باب ذو مصراعين يعلوه عقد نصف دائري مركب، وعلى جانبي الباب نافذتان متماثلتان في الشكل والتصميم.
وأشارت البياع إلى أن الجزء العلوي من الواجهة يضم شباكا كبيرا مقسما بواسطة سبعة أعمدة تحمل عقودا. ويعلوه فرنتون مثلث الشكل مفتوح بداخله مربع كبير، وبتجويفه حنية تضم ثلاثة تماثيل من الجرانيت. الأوسط للسيدة العذراء، وعلى الجانبين ملائكة يرمزون إلى الملاك جبرائيل. ويفصل بينهم عمودان يعلوهما فرنتون مثلث، وعلى جانبي الواجهة من الأعلى يوجد عمودان مربعان الشكل. وسقف الكنيسة على هيئة جمالون يرمز إلى سفينة سيدنا نوح.
بينما يطل من الجهة الجنوبية الشرقية برج الأجراس (المنارة)، المكون من عدة طوابق والمصمم أيضا على الطراز القوطي. أما من الداخل فتتكون الكنيسة من صحن كبير مستطيل الشكل، ينتهي في الجهة الشرقية بحنية كبيرة تمثل منطقة الهيكل، ويضم مذبحا من الرخام.
قلبها مفتوح للشعب في الاحتفالات والأعياد
يقول نادر عزمي، من خدام الكنيسة وأحد أبناء مدينة دمنهور: “تعمدت في تلك الكنيسة وقضيت كل حياتي بها لأكثر من 40 عاما، مشيرا إلى أن الكنيسة تستضيف كل القيادات الشعبية والتنفيذية في جميع الأعياد والاحتفالات”. وحول أشهر أبناء كنيسة البشارة، أوضح عزمي أن الفنانة “كارولين عزمي” من أبناء الكنيسة.
وتشير ماجدة عزمي، بالمعاش، إلى أنها قدمت مع أسرتها من القاهرة عام 1960، وكانت الكنيسة تخدم عائلات كثيرة جدا، سواء من المصريين أو الأجانب كانوا يقيمون في دمنهور، حين كان تضم عددا كبيرا من اليونانيين والإيطاليين، وأضافت أن هذه الكنيسة شهدت أول “مناولة” في حياتها، كما أنها من خريجات مدارس الراهبات التي تملكها الكنيسة.
خدمة طبية بأسعار رمزية
حول مستوصف “السبع بنات” الطبي، والذي يمثل أحد معالم كنيسة البشارة ويقدم خدمة طبية بأسعار رمزية لأبناء محافظة البحيرة، تقول إقبال عزيز، إحدى العاملات بالمستوصف، إنها تعمل منذ 34 عاما، ويقدم المستوصف خدمات علاج الأنف والأذن والحنجرة بأسعار زهيدة، وتسترجع ذكرياتها عندما كان سعر الكشف جنيها واحدا، مشيرة إلى أن الراهبات كن يقدمن خدمة طبية مميزة لكل أبناء المحافظة، وكان غالبية رواد المستوصف من المسلمين.
اقرأ أيضا:
من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان
رائحته تعلن قدوم العيد.. «سوق الفسيخ» ذاكرة العيد المتجددة في دمنهور
«الفسيخ والرنجة».. طقس العيد الذي لا يغيب عن موائد الصعيد كل عام








