قناطر نجع حمادي.. هنا منفى محمد نجيب أول رئيس للجمهورية

كتب- نورهان دسوقي- بسمة الخطيب:

من هذه الشرفة المطلة على النيل تنفس الرئيس الراحل محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية بعد حركة الضباط الأحرار في1952, هواء نجع حمادي، قبل 60 عامًا تقريبا, عندما وضع قيد الإقامة الجبرية بعد عزله من منصبه.

ووقع اختيار مجلس قيادة الثورة وقتها على “الاستراحة الكبرى بنجع حمادي, المملوكة لوزارة الري، التي يطلق عليها أهالي منطقة الخزان التابعة لمركز أبو تشت حاليا “فيلا نجيب”.

فيلا نجيب تتكون من طابقين, الأول يضم حديقة وساحة واسعة ومطبخ ومكتب وغرفة, والثاني يضم خمس غرف مخصصه للنوم.

اللواء أركان حرب محمد نجيب مواليد 19 فبراير 1901بالسودان، هو أول رئيس لمصر بعد إلغاء الملكية في 18 يونيو 1953، وإعلان الجمهورية، لكنه لم يستمر طويلا في هذا المنصب، ففي فترة العدوان الثلاثي على مصر سنة ١٩٥6، صدر أمر بتجريده من منصبه ووضعه قيد الإقامة الجبرية.

وفى مرحلة اعتقاله التي استمرت سنوات تنقل محمد نجيب ما بين الإقامة الجبرية في حي المرج وبين مدينة نجع حمادي بقنا، ثم انتقاله إلى مدينة طما بسوهاج، والعودة مجددا إلى المرج إلى أن أطلق سراحه السادات سنة 1971.

رئيس في المنفى

خرج محمد نجيب من مكتبه في سيارة إلى معتقله “فيلا زينب الوكيل” بالمرج، حيث أقيمت حول الفيلا حراسة مشددة، وأثناء‏ العدوان الثلاثي ‏على‏ مصر عام ‏١٩٥٦، انتقل ‏من‏ ‏معتقل‏ ‏المرج‏ ‏بعد أن أمضى فيه سنوات طويلة، لينتقل بعدها إلى مدينة نجع حمادي بقنا ‏بصعيد مصر، يخرج محمد نجيب من فيلا المرج في طريقه إلى نجع حمادي في عربة قطار مخصوصة، أغلقت عليه من الخارج، وأوقف على بابها جنود من البوليس الحربي، في تلك الليلة كان نجيب متعبًا ولا يستطيع النوم من شدة الزكام والصداع وقلة الطعام، بعد أن دخل في إضراب عن الطعام.

يسير  القطار يطوي الأرض في جنح ليلة مظلمة تحت عجلاته التي لا ترحم، حيث معتقل نجيب الجديد، كان نجيب ينظر من نافذة القطار كلما توقف القطار في محطة، ليرى أن “البوليس” أخلاها من الناس، ومرت 48 ساعة طويلة قاسية متعبة، وصل بعدها نجيب إلى  نجع حمادي مع شروق الشمس، ليوجه إلى استراحة الري بقناطر نجع حمادي حيث المقام الجديد.

نجيب يحكي في مذكراته “بعد٤٨ ساعة وصلت إلى نجع حمادي، وصلنا عند شروق الشمس تقريبا واتجهنا إلى استراحة الري وكانت استراحة معقولة من دورين، كانت إقامتي بها في الدور الأعلى”.

دورية النصف ساعة

أقام نجيب في الدور العلوي من استراحة الري وكان الجنود يطمئنون عليه كل نصف ساعة، خشية أن يهرب، في الوقت الذي كان نجيب مازال مضربًا عن الطعام، اعتراضًا على  سوء المعاملة.

44 ساعة استمر إضراب نجيب، وفي ظهر اليوم التالي اتصل ابنه فاروق للاطمئنان عليه، وبعد انتهاء المكالمة جلس يستمع للأخبار التي كانت سيئة، كان نجيب تلقى صدمة أخرى بعد أن ابلغه ابنه بضياع سيناء وقطاع غزة أيضا، وأنهى يومه الأول بنجع حمادي بشرب كوب من عصير الليمون.

وبعد مضي يومين على إقامته في قناطر نجع حمادي فوجئ بحضور ضابطين من البوليس الحربي جاءا لنقله إلى مكان آخر، وعندما سألهم إلى أين؟ كان الرد بشع كما وثقه في مذكراته “كان الرد بشع، اعتذر عن عدم ذكره، وأشعر بالقيء كلما تذكرته، كان الجواب سيلًا من الشتائم حاولت وقفه بصرخة احتجاج فإذا بضابط يدفع يده بصدري”.

ويضيف في مذكراته “دارت بي الدنيا وهانت علي الحياة وهممت بالهجوم عليه لكن أيدي الجنود حالت بيني وبينه”عاد بعدها للإضراب عن الطعام واخذ يتابع أخبار العدوان.

وفى يوم ١٨نوفمبر ١٩٥٦ شعر محمد نجيب أنه معرض للاعتداء عليه بالقتل في أي وقت، فأرسل عددًا من الخطابات، أحدها إلى أحمد أنور، قائد البوليس الحربي، يخبره عن المتاعب هنا وعدم الاطمئنان على أبنائه، وآخر إلى زوجته وأولاده وآخر إلى عبد الحكيم عامر ومعه شيك مساهمة في المجهود الحربي.

إلى طما

وبعد أيام أمضاها في معتقله الجديد بنجع حمادي، حضر حسين عرفة، ضابط البوليس الحربي، قائد المباحث البوليسية الجنائية، يعتذر له عما فعله الضابطين ويبلغه أنه سينقل إلى جهة أخرى.

يقول نجيب “انتقلنا إلى بيت محام في طما، وبقيت هناك ٥٩ يومًا، وكما سافرت بلا مقدمات عدت إلى المرج بلا مقدمات أيضا، حيث جاء حسين عرفة وصحبني إلى القاهرة وفي طريقي عرفت منه أن إقامتي كانت سرية حتى على رجال وزارة الداخلية”.

ظل محمد نجيب حبيس فيلا المرج حتى أمر بإطلاق سراحه الرئيس السادات عام ١٩٧١.

وفي 28 أغسطس1984توفى محمد نجيب، بعد دخوله في غيبوبة في مستشفى المعادي العسكري بالقاهرة، إثر مضاعفات تليف الكبد.

 

اعتمد الموضوع على مذكرات محمد نجيب “كنت رئيسًا لمصر”
مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى