قاهرة أمين معلوف: ذكريات عائلية عن «الفردوس»

«ما من شك عندي أن جنة اسمها مصر كانت موجودة بالفعل، فترة من الزمن، ولفئة من السكان… وفي أحد الأيام، تبدلت أحوالها، ولم تعد تُبشر بالوعود التي يبدو أنها قطعتها»، «لطالما خالج أسرة أمي الشعور بأنها طردت من الفردوس الأرضي طردًا مجحفًا».

هكذا كتب المفكر الفرنسي اللبناني أمين معلوف، عن موقفين في حياة أسرته في القاهرة، في كتابه «غرق الحضارات»، وهو أحدث كتبه والذي خصصه للحديث عن ذكرياته وتأملاته للعالم المعاصر. ويقدم فرضية أنفشل المجتمعات العربية الأقدر على تقديم النموذج الحضاري العالمي للعالم قاد إلى غرق الحضارات لا صراعها.

اللافت أن معلوف، عضو الأكاديمية الفرنسية، يخصص صفحات من كتابه للحديث عن القاهرة ومصر، من خلال نافذة أسرته التي عاشت في مصر النصف الأول من القرن العشرين. ويستعرض من خلال أسرة لبنانية مسيحية عاشت لفترة طويلة حد الاندماج في مرحلة ذهبية من عمر القاهرة، كانت تتمتع فيها بالكزموبوليتانية، وكانت الفردوس لعديد من المهاجرين والمصريين أيضا، ملقيا الضوء على تاريخ المدينة ومصر كلها بالتبعية بصورة مختلفة تكشف بعض جوانب المدينة من وجهة نظر “المتمصرين”، الذين بكوا هذا الفردوس الضائع بعد ذلك في النصف الثاني من القرن العشرين مع تنامي مشاعر العداء للأجانب حتى ولو كان من المتمصرين.

***

ولد أمين معلوف في بيروت 25 فبراير 1949، ورغم أنه لم يعرف القاهرة بصورة مباشرة، إلا أن ما يحمله عنها هو أحاديث العائلة؛ خصوصا والدته، وذكرياتها عن مصر. البلد الذي اعتبروه بلدهم الثاني بعد لبنان، وهو يحمل ذكرى بلا ذكريات عن زيارته لمصر لثلاث مرات في ثلاثة أعوام متتالية، حتى وفاة جده لأمه المقيم في مصر العام 1951. لذا يبدو أمين معلوف هنا متحدثا باسم أسرته مُلخصا لنا أحاديثها عن مصر التي كانت ولن تعود كما كانت بالنسبة لهم، انطلاقا من حي هليوبوليس، تلك الضاحية الواقعة إلى الشرق من القاهرة. وكنت تعد حينذاك من الضواحي التي يسكنها الأجانب وطبقة الباشوات المصرية.

يحكي معلوف عن القاهرة في زمن عاشت في أجزاء منها كمدينة مفتوحة لجنسيات مختلفة في النصف الأول من القرن العشرين، عندما صارت مساحة يلتقي فيها الغرباء من أقطار متباعدة. خصوصا من الأجانب الذين استغلوا الامتيازات الأجنبية في توفير حماية لهم وضمان شعور بالتفوق على بقية المصريين. وهي ظروف استفاد منها بعض أبناء الشام الذين استقروا في مصر خلال تلك الفترة، ومارسوا أعمال تجارية بنجاح. ومنهم عائلة أمين معلوف لأمه، التي من خلال تجربتها يستعرض معلوف رؤية مجموعة شامية عاشت في القاهرة، وتحركت في أجزاء أخرى من مصر وقتذاك. وهي رؤية مكملة لاستعادة الصورة الكاملة للقاهرة ومصر في ذلك الزمن.

يربط معلوف في “غرق الحضارات” بين الشخصي والعام، ليعيد النظر في مصائر المنطقة العربية وكيف انتهت إلى غرق شامل. ينظر إلى عام ميلاده باعتباره بداية “الرحلة إلى الجحيم”. فعام ميلاده هو ذاته الذي شهد انفجار الصراع بين الحكومة المصرية وجماعة “الإخوان المسلمين” بعد حل الجماعة واغتيال عناصرها لرئيس الحكومة النقراشي باشا. ثم اغتيال حسن البنا، لكن هذه الأحداث لم تكن تؤثر في سير الحياة اليومية ولا تغير الصورة التي رسمتها القاهرة كمدينة تستقبل الجميع بترحاب. لذا لم تجد والدة أمين معلوف أي مشكلة في أن تنتقل من بيروت إليها لتحظى برعاية والدها الذي يعيش في مصر.

***

قرار الوالدة كان محل ترحاب من والد أمين، الكاتب والصحافي رشدي معلوف، الذي يكن شعورا عميقا بالمحبة لما تمثله القاهرة حينها من رمزية كونها العاصمة الثقافية الأولى للعرب. يقول أمين معلوف عن والده: “كان ينظر إلى تاريخ مصر نظرة إجلال ويعجب أشد الإعجاب بحياتها الثقافية الغنية، وشعرائها ورساميها وملحنيها وبالمسرح والسينما والصحف ودور النشر فيها. ولقد نشر في القاهرة، عام 1940، أول كتاب له، وهو أنطولوجيا للأدباء المشرقيين باللغة الإنجليزية. وفي القاهرة أيضا، في كنيسة الروم الكاثوليك، تزوج أبي وأمي في ديسمبر 1945”.

بدأت القصة مع جد أمين معلوف لأمه، الذي جاء إلى مصر في السادسة عشرة من عمره، وسرعان ما استغل الظروف المواتية وأسس شركة مع إخوته للأشغال العامة بمدينة طنطا. وفيها التقى بفتاة من أصول تركية حيث تزوجا قرب نهاية الحرب العالمية الأولى، ومع ازدهار أعماله انتقل بأسرته إلى هليوبوليس. “والحق يقال إن مساره يشبه مسار عدد لا بأس به من أبناء بلده الذين اختاروا، بين الثلث الأخير من القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، الاستقرار في وادي النيل عوضا عن سلوك درب الهجرة إلى أراض بعيدة نائية”، يقول أمين معلوف.

يعدد صاحب “غرق الحضارات” المميزات التي جعلت القاهرة محط رحلة المهاجرين الشوام. يستعيد ذكريات العائلة بالتوازي مع قراءاته في فترة لاحقة عن مصر في ذلك الزمن. باعتباره حقيقة قائمة في يوم ما على الرغم من التبدل الذي أصاب البلاد ما يجعل هذه الذكريات غريبة وغير مقبولة في نظر البعض باعتبارها أقرب للتخيل من كونها حقيقة مجسدة على الأرض. يقول: “أما وادي النيل، ففيه زاد من نوع آخر. فميادين الموسيقى والأدب، وفنون كثيرة أخرى، تشهد ازدهارا حقيقيا. وجميع المهاجرين من كل الأصول والطوائف يشعرون بأنفسهم مدعوين للانخراط فيها شأنهم في ذلك شأن السكان المحليين. وسيصبح الملحنون والمطربون والممثلون والأدباء والشعراء في مصر، ولفترة طويلة، نجومًا في أنحاء العالم العربي كافة، بل ستتجاوز نجوميتهم حدود”.

***

ويضرب معلوف المثل هنا بأسماء من نوعية أحمد شوقي وطه حسين وأم كلثوم والسورية أسمهان، وذات الأصول اليهودية ليلى مراد. ثم يعطف إلى فنانين وشعراء عالميين خرجوا من مصر في تلك الفترة مثل المطرب الفرنسي كلود فرانسوا والشعر اليوناني قسطنطين كفافيس والشاعر الإيطالي جيوزيبي أونغاريتي. ليؤكد أنه لا يسعى “إلى إقامة البراهين، بل أريد فقد أن أنقل الإحساس الذي نقله إليّ أهلي. وهو الإحساس ببلد استثنائي كان يعيش حقبة مميزة من تاريخه”. إذ يستند إلى ذكريات والدته التي ظلت تحدثه “في كل يوم من حياتها عن مصر مرارا وتكرارا”. وهو يدعم شهادة والدته بما سمعه من آخرين وما قرأه عن هذه الفترة.

ويتخذ أمين معلوف من تاريخ وفاة جده لأمه في الأيام الأخيرة من العام 1951. ودفنه في الأيام الأولى من العام 1952، علامة على نهاية عصر. فبعد أيام قليلة سيندلع حريق القاهرة في 26 يناير من العام ذاته، في رد على مذبحة بريطانية لرجال الشرطة في الإسماعيلية في اليوم السابق. واستهدف المتظاهرون جميع الأماكن التي يرتادها الرعايا الأجانب أو الطبقة الحاكمة. في تلك اللحظة شعرت والدة أمين معلوف بالرعب من أن يمتد الغضب إلى ضاحية هليوبوليس. حتى أنها فكرت في اللجوء إلى الإنجليز في مدن القناة، لكن الغضب لم يتمدد إلى حيث سكن الأسرة، التي تابعت بعد شهور قليلة استيلاء الضباط الأحرار على السلطة وعزل الملك فاروق. ثم الصعود السريع لجمال عبدالناصر الذي أصبح صاحب السلطة الوحيد في مصر. وتنامى معه الشعور الوطني وكراهية الأجانب باعتبارهم أعوان الاحتلال البريطاني. “كان أهلي يتحسرون على فردوسهم الضائع، ومكانة عبد الناصر ترتقي ودعائم سلطته تتوطد”.

***

يرصد معلوف تصاعد العداء للأجانب بعد أزمة السويس 1956، وفشل العدوان الثلاثي على مصر. “في تلك اللحظة المجيدة، أعلن الرئيس موت مصر الكوزموبوليتية والليبرالية، واتخذ جملة من التدابير التي تهدف إلى طرد البريطانيين والفرنسيين واليهود من البلد. وفي الظاهر كانت عقوبة مستهدفة، موجهة ضد قادة العدوان الثلاثي. وفي الحقيقة، أدت سياسته إلى نزوح جماعي لجميع الطوائف التي يقال عنها متمصرة، وبعضها كان موجودا منذ أجيال. بل منذ قرون، على ضفاف النيل”. يتابع في موضع آخر: “كان مصير مصر التي عاشت فيها أسرة أمي أن تنهار. لم تعد سوى ذكرى من الماضي، والشاهد المحتضر على عصر غابر. لقد سدد إليها عبدالناصر الضربة القاضية، ولن تنهض من جديد”.

لا يستسلم أمين معلوف لذكريات عائلته ولا موقفها القائم على الحنين والرافض للطرد مصادرة الأملاك والإبعاد عن مصر. في تقييمه لعبدالناصر، يتدخل هنا مستعرضا نظرته كشاب لهذا الزعيم العربي الكبير: “عندما بدأت أتابع عن كثب أحداث العالم. تجلت لي الأمور من منظور مختلف. كان العصر هو عصر التحرر الوطني، وحق الشعوب في تقرير المصير. والنضال ضد الاستعمار والإمبريالية، وضد نهب ثروات العالم الثالث، وضد القواعد الأجنبية… فألفيت نفسي أعجب بهذا الشخص (مغتصب أملاكنا) وأصغي إلى خطاباته بشيء من التعاطف. بل أدافع عنه، بين الحين والآخر، حين أرى أنه يتعرض للهجوم بغير وجه حق”. لكنه يرى في النهاية أن عبدالناصر ربما كان قادرا على تغيير الدفة لو عمل على قبول “المتمصرين”. الذين امتلكوا قدرات واسعة على المستوى الاقتصادي والثقافي كانت ولا شك ستنفع التجربة المصرية. وهو هنا يضرب المثل بتجربة مانديلا في جنوب إفريقيا.

***

لكن معلوف ينتهي مدافعا عن عبدالناصر بشكل أو بآخر. قائلا: “وإذا كانت أذكره بشيء من الحنين، فلأنني أقارن عصره لا بذاك الذي سبقه. والذي لم أعرفه مباشرة، بل بالعصر الذي أعقبه، وهو عصرنا. والتناقض مذهل في هذه الحالة. فمهما كان الرئيس ديكتاتورًا عسكريًا، وقوميًا يكره الأجانب بهذا القدر أو ذاك. وبالنسبة إلى أهلي، مغتصبا، إلا أن الأمة العربية كانت في عهده تحظى بالاحترام. كان لديها مشروع، ولم تكن قد غرقت في الشقاء أو الحقد على الذات”.

إن معلوف هنا ينعي لا الحنين إلى الفردوس الذي كانته القاهرة يوما. بل الفرصة التي شكلها عبدالناصر في خلق قاهرة أخرى أكثر رحابة وقدرة على الدخول في روح العصر بمبادرة كانت قادرة على تغيير واقع العرب. “لو كتب لها النجاح، ولو تسنى لها أن تقدم نماذج تتوافر فيها مقومات البقاء. لكانت المجتمعات العربية الإسلامية ربما تطورت على نحو مختلف، نحو ظلامية أقل، وتطرف أقل، بل وشقاء أقل، ويأس أقل. ولربما سلكت البشرية جمعاء دروبا غير ذاك الذي تسلكه اليوم، والذي يقودنا مباشرة نحو الغرق”.

اقرأ أيضا:

القاهرة في عيون إدوارد سعيد: مدينة الذكريات والغربة والتحولات

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر