ادب وفن

في مناقشة ديوان «حطيتي إيدك ع الوجع»: عندما يحفظ الشعر أساطير العالم

شهد بهو قصر ثقافة الفيوم، مناقشة ديوان “حطيتي إيدك ع الوجع” لشاعر العامية مصطفى عبدالباقي، يأتي الديوان ضمن كتب النشر الإقليمي التابع للهيئة العامة لقصور الثقافة لهذا العام.

ناقش الديوان كل من الكاتب والقاص عصام الزهيري، والباحث في التراث الشعبي الدكتور إبراهيم عبدالعليم، الناقد والقاص الدكتور أمين الطويل، وأدار الجلسة الشاعر ورئيس نادي أدب الفيوم الأسبق محمد شاكر.

مع أول مخاض الضي

للشمس اللي بتعافر

بيظهر وشك العرقان

ودلاية الحلق

لافَه على شعرك من المشوار

وعينك لايجه على السكه

تهل مساكن الإيواء

على اللوايه نا عدلها

تفوق راسها من الشيله

يكون المزلقان بيهل

يأتي ديوان “حطيتي إيدك ع الوجع” للشاعر مصطفى عبدالباقي، على شكل قصيدة واحدة، وفيه يرثي الشاعر والدته، فقد كتب الإهداء في مقدمة الديوان “إلى أمي.. اللى كانت بتزيح ليالي الحزن قدامها.. تصحي فجرنا الصابر”، وجاء الديوان زاخرًا بمفردات اللهجة الفيومية، كما ضم بعض صور الحياة اليومية في قرى الفيوم وبيوتها في فترة الستينات والسبعينيات التي لم تعد موجودة الآن، وهو ما يجعل الديوان شديد المحلية غارقًا في الخصوصية بشكل لافت.

الطرح الشعري البهيج

يقول القاص والكاتب عصام الزهيري: يعتبر الديوان طرح شعري بهيج وثمرة ناضجة من ثمار العامية المصرية خاصة في الفيوم، وشجرتها التي تطرح ثمرها منذ أكثر من 100 عام، بداية من جيل الزجالين الذي ظهر في أعقاب ثورة 1919 ولا نعرف منهم للأسف غير أسماء قليلة على رأسهم “ابن حنظل” مؤسس وصاحب جريدة “قارون”، ومرورا بجيل العامية العملاق برموزه الشعرية الكبيرة، ومنهم الشعراء الراحل محمد عبدالعاطي وعبدالكريم عبدالجميد ومحمد حسني إبراهيم، وعشرات من شعراء العامية من الأجيال الجديدة”.

وتابع: كان من نتاج هذا المد الشعري الباذخ المتألق بتعدد رؤاه واتجاهاته الشعرية شاعرًا كبيرًا في حجم مصطفى عبدالباقي بخطابه الشعري المتميز، الذي يستمد نضارته من طين وخصوبة أرض الفيوم، ويستخدم ببراعة مفردات العامية الفيومية عميقة الخصوصية والارتباط ببيئة وتاربخ الفيوم، حيث استطاع أن يحتفظ لنا بفضل نبوغه الشعري بعالم بدا لنا مهددا بالزوال برموزه وشخوصه ومشاعره وحكاياته وأساطيره، وأحيى العالم الحميم للريف الفيومي في أنضر وأبدع وأخصب صورة شعرية.

عنيكي بتمسح الشارع

وتقلب واجهة العمارات

ساعة يثبت حجر عينك

على هانم

بتأفف لحر الجو في الشارع

تلفك ريحة البرفان

يامين يقرأ سطور عقلك

يترجم نظرتك ليها

ف وقتيها سرحتي ف إيه؟

وفي مناقشته للديوان يقول الناقد إبراهيم حنفي: بدأ الشعر بقرص الشمس الذي يعاند كل طموح فهو ذو حرارة قوية قد تكررت في الديوان (طراوة الجو غشتني – وشمسك طالعة حياني لافيني الشيلة يا ضنايا) وما كانت إلا حرارة جسدية التهبت داخل امرأة، ظلت تكافح وتخوض غمار الحياة بمفردها، وتحمي أولادها بعد غياب زوجها.

ولأن الشاعر ابن بيئته استطاع شاعرنا أن يبدع منغمسًا في تجربة شخصية خالصة، وقد خرج الديوان محملاً بالصور والإيقاع، وجاء عبارة عن قصيدة واحدة فريدة من نوعها، تموج بعدة مواقف جاءت كلها في لحمة واحدة، كما كان الديوان تسجيلاً لكل ما يعتمل داخل الجسد من حالات نفسية وجسدية.

قرص الشمس بيعاند

ومش عاوز يروح ليه

عشان أضحك عليك وأحلف

إن الجو دهمومه

موسيقى الديوان

وجاءت الموسيقى داخل الديوان عبارة عن حالة من الندب المستمر ولوم الحظ، بإيقاع ثابت، ورغم تعدد الصور داخل القصيدة كان نفس الشاعر الممتد واحدًا، فلم يعتمد على التدوير وإبهار الصور بقدر ما وضع يده وأيدبنا على كل هذه الأوجاع المتراصة التي لا ينساها، كما استطاع أن يخطف قارئ القصيدة خطفة لا رجعة فيها حتي ينهي حكايته مستخدما الفعل المضارع الذي يفصح بأن حكايته مستمرة في الذاكرة رغم أنها ماض، فيجدد الشاعر الحزن المستمر وذلك المخزون القهري.

يتابع حنفي: رصد الكاتب المفردات التي تدب بقوة في قرى الفيوم ومنها قرية بني صالح، مثل: (دهمومة – اللطع – جدا – المقروطة – السلفة – دى النحل – المنقد – قوالح الذرة) وغيرها من مفردات قد لا يفهمها سوى المواطن الفيومي، لذلك وضح الشاعر معنى بعض تلك المفردات أسفل بعض الصفحات.

أنا ع العهد يا غالي

حديتك.. لسه شواري

وقنطرتي ف مشواري

لا حد فيوم حنى ضهري

سوى من زمة الشيلة

ولا حسوا الولاد قهري

ماغيرشي قلة الحيلة

ولما تشب فيا النار

والاقي نفسي مخنوقة

وتبقى الدنيا

خرم الإبرة في عنايا

تاخدني إديا

وإدعبس..

على ونسي

ف قلب هدومك الدافية

أهوي الجبه والقفطان

وألاقي قلمك الكوبيا

أبله بريقي من ريقك

ترد الروح

 الشاعر مصطفى عبدالباقي

هو شاعر العامية مصطفى السيد عبدالباقي، من مواليد قرية بني صالح، مركز الفيوم، محافظة الفيوم، عضو اتحاد الكتاب المصري، ورئيس نادي أدب قصر ثقافة الفيوم سابقًا، نشر له العديد من الأعمال في المجلات والجرائد، وتم تكريمه عام 2016 من هيئة قصور الثقافة، ومثل محافظة الفيوم في العديد من المؤتمرات والندوات الثقافية.

صدر للكاتب عدة دواوين منها: ديوان “فكرة مجنونة بجد” شعر عامية عام 2002 النشر الإقليمي، ديوان بعنوان “صباح يوم بيتكرر كثير” عام 2008 عن دار إبداعات، ديوان “باحتفل وحدي بنهاية الأزمة” النشر الإقليمي عام 2011، ثم ديوان “حطيتي إيدك ع الوجع”، وله تحت الطبع ديوان ” أيام الحتة بعشرة”.

اقرأ أيضا

رندة إبراهيم .. سحر مصر القديمة بلمسات عصرية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى