في معركة الريالستيك والرومانتيك: التاريخ المجهول للواقعية المصرية!

من أجل فهم أفضل لدلالات مصطلح “الواقعية” في اللغة والثقافة العربية يلزم الرجوع إلى الكتاب الرائد “في الثقافة المصرية” لمؤلفيه الأستاذين عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم، الذي صدر للمرة الأولى في بيروت 1955، ولكن فصوله نشرت كمقالات متفرقة قبل هذا التاريخ ببعض الوقت.

يحمل الكتاب ومقالاته صرخة نداء باعتماد “الواقعية” منهجا في الفن والنقد، منطلقين من انتمائهما السياسي اليساري، ومن مفهوم “الواقعية الاجتماعية” (أو الاشتراكية) الذي تبناه الماركسيون في الاتحاد السوفيتي وخارجه منذ بداية القرن الماضي. وهو المفهوم الذي تبناه اليسار المصري بأطيافه ودرجات “يساريته” ، من الشيوعيين إلى الناصريين وما بينهما.

**

الدكتوران أنيس والعالم تم فصلهما من الجامعة في 1954 بسبب انتمائهما، وتم شن حملة هائلة ضدهما، كما تعرضا للسجن بعد ذلك، ولكن عندما تبنت دولة عبد الناصر النظام “الاشتراكي” أصبح لمصطلح “الواقعية” في الفن معنى إيجابي وراح النقاد والإعلام الرسمي يروجون للواقعية ويعتبرونها النموذج والمثل الأعلى في الفن حتى الآن، ولكن عندما نتأمل في مفهوم “الواقعية” عبر العقود المختلفة يمكن أن نلاحظ الفوارق الكبيرة بين معنى المصطلح في أدب نهاية القرن التاسع عشر، ومعنى “الواقعية الاشتراكية”، والمعنى الذي استخدم في عهد عبد الناصر، ثم في الثمانينيات، والمعنى المستخدم في وسائل الإعلام اليوم.

.. لكن أقدم استخدام لمصطلح “الواقعية” في اللغة العربية، حسب بحثي، هو ما صكه الأديب والمؤرخ ورجل القانون البارز محمد لطفي جمعة في مقدمة روايته “في وادي الهموم” الصادرة 1905 (قبل رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل التي يقال إنها أول رواية مصرية المضمون بثماني سنوات كاملة)، والطريف أن جمعة، الذي لم يكن قد بلغ العشرين بعد عند كتابة روايته ومقدمتها، يستخدم التعبير بلغته الأجنبية، ويترجمه “حقيقية”، لأن كلمة “واقعية” بالمعنى المقصود لم تكن قد ظهرت بعد في اللغة العربية.

**

في هذه المقدمة الأشبه بالمانيفستو يكتب محمد لطفي جمعة أنه قضى أربعة أشهر يفكر قبل الشروع في كتابة روايته في نوع القصة التي يكتبها، رافضا أن يسير على منوال من سبقوه في كتابة قصة غرام طاهر وحب نقي وقلوب طيبة ووعود وزواج قبل أن يستطرد:

“ولكن أي رجل الآن شجاع كريم صادق الوعد، وأي امرأة عفيفة نقية حافظة للعهد؟ اقلب كلامك، وضع يدك على

من شئت، آن الأوان لأن نترك الخيال جانبًا، ونقف على الحقيقة، إذن فلنكتب قصة عن الناس الذين حولنا الذين نعيش بينهم ويعيشون بيننا.

نعم، إنني أعلم أني بذلك أحرك الماء الراكد الآسن، وأفضح معايب الهيئة الاجتماعية، ولكن أرى أن تصوير البشر كما هم أفضل بكثير من بكثير من تصويرهم كما يجب أن يكونوا، إن جمهور القرَّاء يطلب قصة عن أميرة فتاة جميلة غنية تقع في ورطة؛ فينجيها من الموت شاب جميل فقير شجاع فيتزوجها، ولكن أنا لا أطلب ذلك، أنا أطلب أن أنزل بالقرَّاء إلى ميدان الحياة الواسع، أرغب أن أنزل بهم إلى ملعب الحياة الذي يمثلون فيه أدوارهم وهم لا يحسون. أرغب أن أصور لهم صورة يرون فيها معايبهم؛ فيصلحونها، ولا أرغب أن أغشهم بتصوير الناس صورة جميلة، ولكنها مخالفة للحقيقة. وليعلم القارئ الكريم، أن فن الروايات منقسم إلى قسمين؛ القسم الأول يسمونه “رومانتيك” ، أي روايات خيالية، والقسم الثاني يسمونه “ريالستيك” ، أي روايات حقيقية. ”

**

ويوضح جمعة الفارق بين الرومانتيك والريالستيك بقوله:

“الأولى هي التي تصور البشر كما يجب أن يكونوا، لا كما هم في الحقيقة. والثانية تمثل البشر كما هم بنقائصهم ومعايبهم ومخازيهم”.. “وطريقة كتاب القصص الخيالية هي أن يجلس الكاتب في غرفته، ويتخيل الحقول الخضراء، والحدائق الغنَّاء، وغدران الماء، والطيور المغردة، والليالي المُقمرة، والأبطال الشجعان، والنساء الجميلات، والغزل والغرام، والشكوى والجفاء واللقاء، ثم يكتب قصته. وأما طريقة كتابة الروايات الحقيقية هي أن يلبس الكاتب ملابسه أو يَتَزَيَّا بغير زيه، ويتجول في الطرق والأزقة، ويدخل المجتمعات والمحطات، ويرقب حركات الناس في ملاعب القمار والحانات والحدائق العمومية، ويبقى طول ليلته هائمًا في الطرق؛ يدرس الأخلاق والطبائع والعادات، وهو فيما بين تلك الأشياء يقيد ما يراه ويسمعه ويدرسه، ثم يجلس ويكتب قصته ويسبك فيها كلا ما رآه وسمعه. ”

ويشير محمد لطفي جمعة إلى أن القراء عادة ما ينفرون من الروايات “الحقيقية، كمثل القبيح يقف أمام المرآة ويرى قبح وجهه فيكذب المرآة ويطلب غيرها تريه نفسه جميلًا. ”

**

تكشف مقدمة محمد لطفي جمعة عن ثقافة واسعة بالأدب الغربي والشرقي، وهو يستشهد بأعمال والتر سكوت الإنجليزي وفيكتور هوجو وبلزاك الفرنسيين وتولستوي الروسي، ليبين أهمية الروايات الريالستيك، وما تلقاه عادة من اتهامات بخدش الحياء وترويج الإباحية، ثم يستشهد بقصص “حقيقية” من التي نشرتها الصحف، ومقالات بعض الكتاب ومشاهداته الشخصية، ليبين مدى انتشار الدعارة ولعب القمار والمخدرات وغيرها من الموبقات في شوارع القاهرة والإسكندرية (لاحظ أننا نتحدث عن نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين!)، قبل أن يؤكد أن نشر الحقائق والروايات “الحقيقية” عن مثل هذه الأشياء إنما هدفها الإصلاح وعلاج الهيئات الاجتماعية.

لا ينبغي أن أترك الحديث عن محمد لطفي جمعة دون أن أشير إلى أنه أول من نبه إلى أهمية رواية “يوليسيس” لجيمس جويس، الصادرة 1922. وأنه أول من حاول ترجمتها وانتهى بالفعل من ترجمة حوالي ثلثها قبل أن يتوفى في 1953. ورواية “يوليسيس”، كما هو معروف، واحدة من أهم روايات القرن العشرين، وقد تعرضت للمحاكمة والمنع واتهام مؤلفها بالإباحية والقذارة والخيانة، بسبب “واقعيتها”.

**

في السينما المصرية ظل النقاد والصحفيون يستخدمون كلمة “حقيقيا” التي استخدمها جمعة حتى بداية الخمسينيات. وكان الناقد والمؤرخ الفرنسي جورج سادول أول من تحدث عن الواقعية في السينما المصرية في فصل إضافي عن السينما العربية ضمنه كتابه الموسوعي “تاريخ السينما في العالم” (الطبعة الأولى 1949، والطبعة العربية 1966) عندما اختار فيلم “العزيمة” (1939) لكمال سليم ضمن أفضل 100 فيلم في العالم، ووصفه بـ “الواقعي” .  وسار وراءه النقاد المصريون معتبرين أن “العزيمة” دشن مولد “الواقعية” في السينما المصرية، رغم أن البعض يرى أن فيلم “السوق السوداء” (1945) لكامل التلمساني هو أول فيلم مصري “واقعي” بالفعل (من منظور “الواقعية الاشتراكية” ) وهو رأي يحتاج إلى مناقشة، كما يحتاج مفهوم الواقعية في السينما المصرية إلى إعادة نظر.

اقرأ أيضا:

قراصنة وأدعياء فضيلة: فن يكبله الحياء في مجتمع بلا حياء؟!

 

 

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى