دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

في مئويته: هل كان «يوسف شاهين» ممثلا مقموعا صار مخرجا ديكتاتورا؟

في عام المئوية، يظل حضور يوسف شاهين (1926–2008) السينمائي مثار احتفاء وجدل ونقد، لا لأنه مجرد مخرج، بل لأنه حالة فنية مركبة تجمع بين عبقرية الرؤية وسلطة السيطرة، وبين طموح الممثل الذي لم يكتمل.

تمنحنا المئوية فرصة للتأمل في رحلته كاملة، لفهم كيف شكّلت بداياته في التمثيل وتحوله إلى الإخراج مشروعًا سينمائيًا فريدًا، فالاحتفاء بمئويته ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل مدخل لفهم الصراعات الداخلية التي ولدت سينما يوسف شاهين، سينما لا تتجاوز ذاته، بل تجعل من تناقضاته مادتها الأساسية.

التمثيل المقموع… ظل حي داخل شاهين

حين ذهب يوسف شاهين لمعهد باسادينا، لم يكن الإخراج حلمه الأول، بل التمثيل. هكذا يقدّم شخصيته الدرامية “يحيى شكري مراد” في إسكندرية ليه؟ صبيًا سكندريًا يحلم بأن يقف في مواجهة العالم لا خلفه، باحثًا عن المجد على خشبة المسرح وأمام الكاميرا. لكن هذا الحلم لم يكتمل، لا لأن شاهين لم يمتلك الموهبة. بل لأنه – كما يبدو لاحقًا – لم يرَ نفسه، وربما لم يحتمل فكرة الفشل أو العادية كممثل.

كانت دراسة التمثيل لحظة تأسيسية شكّلت علاقته اللاحقة بالسينما والجسد والسلطة. هناك، حيث يُقاس الممثل بقدرته على الحضور والانكشاف، اصطدم شاهين مبكرًا بهاجس لم يفارقه: ماذا لو لم يكن استثنائيًا؟

لم يكمّل شاهين حلم التمثيل حتى نهايته. وانجذب إلى الإخراج لا بوصفه مهنة موازية، بل موقعًا أعلى: موقع الرؤية والسيطرة والتحكم في العالم. في الإخراج لا يُختبر الجسد مباشرة، ولا يُحاكم الصوت وحده، بل تُدار الصورة من أعلى، هناك وجد شاهين ملاذه.

قراءات نقدية متعددة

منذ بداياته، لم يُخفِ طبيعته الديكتاتورية، بل اعترف بها بوصفها ضرورة فنية. كان يرى أن الفيلم لا يخرج جيدًا إلا إذا خضع الجميع لرؤية واحدة: رؤيته هو. هذه السلطة لم تكن تقنية فقط، بل نفسية وجمالية. سلطة على الجسد، والانفعال، وحدود التعبير، وحتى على خيال الممثل ذاته.

تشير قراءات نقدية متعددة إلى أن تمثيل يوسف شاهين في أفلامه – باستثناء بضع أدوار، أهمها قناوي في باب الحديد – قُرئ بوصفه فعلًا سيريًا مرتبطًا بموقعه كمخرج. وهو ما يعكس إشكالية حضوره كممثل داخل مشروعه الفني. شاهين لا يتقمص الدور بقدر ما يعلن ذاته، ولا يختفي داخل الشخصية بقدر ما يفرض حضوره عليها. لهذا بدا تمثيله محل تحفظ أحيانًا، لا لأنه يفتقد الوعي. بل لأنه يقف خارج قواعد اللعبة التي اختار أن يكون حكمها لا لاعبها.

تنعكس هذه الإشكالية مباشرة على علاقته بالممثلين. فكثيرون ممن عملوا معه تحدثوا عن “مدرسة شاهين” التمثيلية، لا بوصفها أسلوبًا، بل نظام ضبط صارم ورفضا لأي ارتجال لا يخدم الرؤية الكلية. الممثل في سينما شاهين ليس ذاتًا مستقلة، بل وسيطًا لتحقيق صورة ذهنية مسبقة. الموهبة شرط ضروري، لكنها غير كافية؛ الأهم هو القابلية للخضوع.

من فيلم باب الحديد.. مصادر مفتوحة
من فيلم باب الحديد.. مصادر مفتوحة
شاهين كما يراه المخرج ومدرب التمثيل حسن الجريتلي

يشارك حسن الجريتلي، مساعد يوسف شاهين في السيناريو والإخراج وتدريب الممثلين، رأيه في حوار قصير: «رأيي أنه ممثل متميز كـcharacter actor، يستطيع أن يجسد أدوارًا استثنائية ذات تشخيص قوي. وليس بالضرورة الأدوار الواقعية العادية. يعني قطعًا هو أفضل بكثير في دور قناوي في فيلم باب الحديد مقارنة بدوره في فجر يوم جديد، الذي كان أقرب إلى شخصيته العادية وطبقته الاجتماعية».

ويستكمل: «أما دور قناوي فهو الباقي في الذاكرة، لأنه أقرب للمدرسة الأمريكية التي كان شاهين قريبًا منها. وإيليا كازان نموذجًا، وActor Studio النابع من منهج ستانسلافسكي. لكن ربما، لكي تظهر موهبته التمثيلية كاملة، كان يحتاج إلى مخرج متمكن. ومع ذلك لم يمثل أدوارًا كبيرة إلا من خلال أفلامه، فلم نكتشف مدى قدراته كممثل».

عالم شخصي جدا

يضيف الجريتلي: «عالم يوسف شاهين في أفلامه شخصي جدًا، وبالتالي عندما نقيس أحداث هذا العالم. ربما نحتاج إلى استخدام نسبه الداخلية ومنطقه الخاص. وفي بعض الأفلام استطاع بعض الممثلين أن يتماهوا مع هذا العالم. خاصة في الأعمال التي تعاون فيها على السيناريو مع كتاب كبار، مثل إسكندرية ليه وحدوتة مصرية».

وحول اتهام أن شاهين يجعل الممثلين يتحدثون بطريقته، يقول الجريتلي: «ربما يحدث ذلك، لا لأنه يفرض عليهم طريقة أداء بعينها، بل لأنه عندما ينفرد بكتابة الحوار يكتب حوارًا يشبه ما يسمعه هو. كما أنه يفرض سرعة معينة في الأداء تقضي على لزمات الممثلين الشخصية أو الكلاسيكية، وهو أمر صحي جدًا تمثيليًا. بينما الممثلون الموهوبون جدًا، مثل محسن محيي الدين، ومحمود المليجي، وهدى سلطان، لم يكن شاهين يملي عليهم أداءً معينًا».

ويختتم قائلًا: «في علاقته بمحسن، ربما كان يراه كنوع من التعويض؛ فمحسن ممثل متحقق، وهو الابن الذي لم يلده، والممثل الذي لم يكنه. ويمثل آمال شاهين، فتماهى معه كأنه يعيد حياته على الشاشة من خلاله».

الصراع بين الرؤية والتمثيل

في رباعية سيرته الذاتية، خصوصًا إسكندرية كمان وكمان، يضع شاهين هذا النموذج في قفص الاتهام. لا يكتفي بسرد حكايته، بل يحاكم ذاته علنًا: كمخرج ديكتاتور، وكممثل مقموع. تتقاطع أزمة الإبداع مع أزمة السياسة عبر اعتصام نقابة السينمائيين ضد قانون يفرض شخصًا بعينه على رأسها بلا تداول. في موازاة أزمة “يحيى” المخرج الذي لا يستطيع أن يمنح الآخرين استقلالهم الكامل. كأن الفيلم يقول إن الديكتاتورية ليست نظامًا سياسيًا فقط. بل بنية نفسية تتسلل إلى العلاقات الإبداعية.

تبلغ هذه الأزمة ذروتها عبر علاقة يحيى بالممثل الذي يرى فيه صورته على الشاشة. يقول شاهين: «لما مثل دوري اتلخبطت.. ما بقيتش عارف مين أنا ومين هو.. يمكن هو كمان اتلخبط». هنا لا تعود العلاقة مهنية، بل تتحول إلى علاقة أبوية شبه إلهية، يحيى لا يرى نفسه أبًا فقط، بل خالقًا. يمنح الآخر حق الوجود بقدر ما يعكسه، كأنه ينصّب نفسه إلهًا يتحكم في مصير ابنه. كما يتحكم في مصير شخصيات أفلامه.

شاهين لا يعبد محسن

تتخذ العلاقة بعدًا شبه لاهوتي، شاهين لا يعبد محسن، بل يعبد صورته المتخيلة عن نفسه من خلاله. أقرب إلى تصور صوفي أو مسيحي عن التجلي: الأب، والابن، والمسافة بين الرؤية والتمثيل بوصفها «روحًا قدسًا».

يمثل محسن شخصية «يحيى» مرة أخرى في «حدوته مصرية». ثم يؤدي أدوارًا أخرى تحت إدارة شاهين، قبل أن تتفجر الأزمة. فبحسب محسن، حاول شاهين في «اليوم السادس» أن يجعله يؤدي الدور بأداء شاهين نفسه في شخصية قناوي في «باب الحديد».

بعد الفيلم، لم يحصل محسن على جائزة التمثيل التي كان يحلم بها. وفي «إسكندرية كمان وكمان» يعبّر شاهين عن هذا الفقد برقصة عمرو المنفردة على «فات الميعاد»؛ رقصة ضياع وانفصال.

أكثر من مجرد دور

في هذا السياق، يصبح حلم “هاملت أكثر من مجرد دور لم يُمثَّل. هاملت هو صورة الذات المثالية: الممثل العظيم، المأزوم، القادر على حمل التراجيديا كاملة. لكن شاهين لم يجرؤ على خوض هذا الاختبار بنفسه، فبدلًا من أن “يطرشه”، ظل يضع الآخرين في بؤرة المدفع. ويفوّضهم في تمثيل شغفه المؤجل. الأمر نفسه ينطبق على شخصيات مثل ابن رشد، الذي كان يتمنى تمثيله. إذ حملت الشخصية معنى رمزيًا مضاعفًا: العقل، والحرية، والصدام مع السلطة.

تمرد الممثل (عمرو/ محسن) على هذا المصير، ورفض أن يكون مرآة لا ذاتًا، يتحول في «إسكندرية كمان وكمان» إلى لحظة كسر للأسطورة. يموت “الإسكندر”، وتُدفن أوهام الألوهية. وتُقال جملة مفصلية: «كل واحد حر بذاته… ملناش ناخد قرارات باسم أي حد». هنا، لا يعلن شاهين تحرره الكامل. لكنه يعترف بثمن السلطة: العزلة، وانكسار العلاقات، واستنزاف الذات، كأن شاهين يعترف أخيرًا بخطيئته: تحويل الموهبة إلى تمثال.

صورة الرجل المرتبك

حتى صورة الرجل في سينما شاهين يمكن قراءتها في هذا الإطار؛ من محسن محيي الدين إلى هاني سلامة. يعيد شاهين إنتاج النموذج نفسه بملامح مختلفة: شاب حالم، حساس، مرح، قلق، جماله ناعم، يحمل مزيجًا من الحيوية والهشاشة. وكأنه يبحث عن جسد بديل يحقق من خلاله ما لم يستطع تحقيقه بنفسه. الرجل هنا ليس نجمًا تقليديًا، بل مرآة قلق، وصورة ذات تتشكل ولا تكتمل. كأنما يبحث عن ذاته الضائعة في وجوه الآخرين.

في النهاية، يبدو يوسف شاهين مخرجا صنع مجده من السيطرة. لكنه ظل يحمل داخله ممثلًا مجروحًا، لم يقمعه تمامًا، بل أخفاه. ثم حاول تحريره عبر الآخرين، أو عبر حضوره الإشكالي أمام الكاميرا. ومن هذا الصراع، وُلدت سينما عظيمة، مأزومة، وصادقة. سينما لم تدّعِ البراءة، بل جعلت تناقض صاحبها مادتها الأساسية.

يوسف شاهين.. المخرج الديكتاتور والممثل المقموع، ليس توصيفًا أخلاقيًا، بل مفتاحًا لقراءة مشروع فني كامل، تشكّل من حلم لم يتحقق، وسلطة حاولت تعويضه، وصراع لم يُحسم، ولا يزال حيًا على الشاشة.

اقرأ أيضا:

في عوالم «داوود عبد السيد»: رثاء شخصي لمخرج علمني حب الحكمة والحكاية والحياة

علاء خالد يحاور داود عبدالسيد: الحياةُ في النهاية رحلةٌ، بشكلٍ ما، حزين

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.