في سينما الزاويا.. من قتل «فان جوخ»؟

في سينما زاويا بوسط البلد، يجلس الحضور في أماكنهم؛ لتظلم قاعة العرض، وتتحول الشاشة إلى لوحة فنية تشكيلية متحركة، وكأنك ترى رسمة يدوية وليس فيلمًا سينمائيًا، لمدة 94 دقيقة ستذهب في رحلة فنية لعالم الرسام الهولندي فينسينت فان جوخ، من خلال مشاهدتك لفيلم “Loving Vincent” ورغم أن تلك الجولة مليئة بالألوان، إلا أنها ستشعل بداخلك العديد من المشاعر؛ فستكون أنت “فينسينت فان جوخ”، مارًا بكل ما عاناه في حياته، لتكون قادر في النهاية على إجابة السؤال الذي شغل بال الكثيرين؛ من قتل “فان جوخ”؟
لوحة بصرية تشكيلية خلابة تفتح أبواب حكايات ملونة ورقيقة ومبهجة كخيال الأطفال، هذا الفيلم يأخذك فى رحلة فلسفية إنسانية  بمجرد أن تمشي على خطى  فإن جوخ، أحد أعظم رواد الفن التشكيلي في العالم، والذي رسم ٨٠٠ لوحة، لم يبع سوى واحدة فقط في حياته.
 
الرسم اليدوي في السينما
لم يكن “Loving Vincent” فيلمًا عاديًا من أشخاص عاديين، بل كان عملًا فنيًا فريدًا من نوعه بحد وصف مجلة “Variety”. فقد اجتمع ما يقرب من 125 فنانًا تشكيليًا لرسم لوحات الفيلم وتحريكها، ولقد رسم الفنانون شخصيات الفيلم بملامح وصفات وملابس على غرار ما قدمه فينسينت فان جوخ من بورتريهات لهذه الشخصيات في حياته.
فبحسب الموقع الرسمي للفيلم فإن “فان جوخ” رسم كل عائلة رجل البريد، جوزيف رولان، ومن بينهم الابن، أرماند، الذي رسم 3 مرات، ووقع الاختيار على البورتريه المرتدي به بدلة صفراء ليشارك في “Loving Vincent” على غرار جميع شخصيات وبورتريهات الفيلم.
ولاء صديق
منذ اللحظة الأولى من الفيلم ترى حب وولاء ساعي بريد بلدة “آرل” جوزيف رولان لـ”فان جوخ”، فهو المحرك الأساسي للفيلم، رغم أن ابنه أرماند البطل الرئيسي. متسائلًا عن كيفية انتحار فينسينت رغم توضيحه في آخر خطاب له عن استقرار حالته.
تبدو الحيرة في وجه جوزيف؛ ليلوح بيده حاملًا آخر خطابات فينسينت لأخيه ثيو، طالبًا من ابنه أرماند، أن يحمل هذه الرسالة وإيصالها لصاحبها مرة؛ لتبدأ مغامرات أرماند، وبدلًا من توصيل الرسالة لشقيق فينسنت، يقع أرماند فريسة فضوله؛ ليحقق في وفاة فينسنت وأسبابها.
حقيقة وظنون
أثناء بحث أرماند عن حقيقة موت فينسينت، اكتشف ما لم يكن يعرفه عنه؛ ليصير واحدًا من محبيه بعد أن كان عدوًا له. فيرى من خلال حديثه إلى ابنة صاحب المنزل الذي عاش فيه فينسنت، جوانب أخرى من شخصية “فان جوخ” منها؛ الهدوء، والرزانة، وانضباط المواعيد.
وعلى عكس مدح ابنة صاحب المنزل في فينسنت، يفاجأ أرماند بوصف مديرة منزل الدكتور غاشييه -أحد أصدقاء فينسينت وطبيبه المعالج- لـ”فان جوخ” بكونه شخص غير مرتب ومثير للارتباك.
ورغم رفض أرماند لهذه الرحلة من البداية إلا أن ما عرفه عن فينسينت جعله مهووسًا لكشف الحقيقة فلم يكل أو يمل من البحث المتواصل حول مقتل فينسينت؛ الأمر الذي جعله يقتبس شخصية فينسينت ويمثل الحادثة؛ فحمل أغراضه وذهب بها إلى مكان الحادث، إلا أن أمرًا لم يكن في الحسبان قد حدث، حيث هاجمه أحد الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة. وتبدأ المطاردة التي تنتهي في النهاية بتحدث أرماند إلى أحد شهود العيان في حادثة “فينسينت” والذي يقول: “لقد سمعنا صوت طلق ناري يأتي من الحظيرة، ولكننا لم نرى شيئًا”.
هل قتل؟
بعد مغامرة أرماند مع الفتى وجده، تبنى نظرية أن يكون فينسينت قد قتل، إلا أن بعد حديثه مع “المراكبي” – اعتاد فينسينت الذهاب إلى البحر للرسم، وقد كان “المراكبي في إحدى لوحاته- تيقن من نظريته. كما تأكد من المعاناة التي عاشها فينسنت من قبل من حوله، فكان دائمًا محط سخرية الآخرين وتنمرهم، مما جعله يعاني آلامًا نفسية شديدة. أودت به في النهاية إلى قطع أذنه؛ مما أساء الأمور كثيرًا في حياة فينسينت.
وتستمر محاولات أرماند في معرفة الحقيقة؛ ليكتشف أيضًا معاناة فينسينت مع النساء، فرغم ما أشيع حول علاقته بابنة صديقه غاشييه إلا أنها علاقة لم تكتمل أبدًا، ليكون فينسنت العاشق الذي لم يجد حبيبته بعد.
أراد الرحيل
بعد كل ما مر به أرماند قابل في النهاية طبيب فينسينت فان جوخ، الدكتور غاشييه، والذي لم يكن طبيبًا فقط، بل كان أحد الأصدقاء المقربين من الراحل فينسينت. ويؤكد لأرماند أن حالة “فان جوخ” العقلية كانت تتأرجح بين الهدوء والضجيج، ولم يكن من الممكن التنبؤ بتصرفاته، موضحًا معاناته الكبيرة في رفضه لأن يكون عالة على أحد، ورغبته الملحة في الموت. فيقول غاشييه إنه في زيارته لفينسينت بعد إصابته قال له: “ربما رحيلي أفضل للجميع”.
ورغم شك أرماند في حقيقة انتحار فينسينت إلا أنه ترك الأمر، احترامًا لرغبة “فان جوخ” في الرحيل عن الحياة، مسلمًا الرسالة للدكتور غاشييه الذي يوصلها بدوره لأرملة شقيق فينسينت. وتنتهي بذلك رحلة أرماند؛ ليعود إلى والده مرة أخرى.
حاصد الجوائز
بحسب ما جاء في موقع “IMDb” فإن “Loving Vincent” حاز على العديد من الجوائز منها؛ جائزة الجمهور في مهرجان “آنسي” للرسوم المتحركة في دورته لعام 2017، وجائزة الفيلم الأوروبي لعام 2017، وجائزة العرض الدعائي الذهبي، وجائزة جمعية الصحفيين السينمائيين “إنديانا”، كما اختير كأفضل فيلم مستقل من قبل المجلس الوطني لمراجعة الأفلام، بالإضافة إلى جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة من قبل مهرجان شانغهاي بالصين.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى