ادب وفن

في ذكري ميلاده.. ماذا قال "النمر الأسود" عن حياته

“يا مضروبين بالفن ياحنا ياسهرانين منه الليالي مانسلاهوش ولو اندبحنا ده الفن عند أصحابه غالي” لا أعتقد أن هذه الكلمات، التي قالها الراحل  “صلاح جاهين” في وصف الفنانين وعذابهم الممزوج بالنشوة في رحلتهم إلى الفن، سوف تنطبق إلا على “النمر الأسود” في ملامحه، و”معالي الوزير” في اختيار أعماله، و”البيه البواب” المتوج امبراطورا  علي عرش السينما، الذي حير معه القلوب في “الراعي  والنساء” قبل أن يصبح “الهارب البريء” وهو رجل مهم وأحيانا رجل فارس يلعب بـ”البيضة والحجر” وربما يجد نفسه واقفا “ضد الحكومة” إنه أحمد ذكي.
بداياته
ولد فتى الشاشة الأسمر أحمد زكي عبد الرحمن في عام 1949 بالزقازيق في محافظة الشرقية، وهو الابن الوحيد لأبيه الذي توفى بعد ولادته، وقد تزوجت أمه بعد وفاة أبوه فرباه جده.
وحصل “ذكي” على الإعدادية ثم دخل المدرسة الصناعية، ولقى تشجيعا من ناظر المدرسة، الذي كان يحب المسرح، ليلتحق بمعهد الفنون  المسرحية، وأثناء دراسته بالمعهد عمل بمسرحية “هالو شلبي”، إلى أن تخرج من المعهد في العام 1973، وكان الأول على دفعته.


نجم الثمانينات
لُقّب أحمد زكي بنجم الثمانينات، وحقق نجاحات منذ أول بطولة له في فيلم “شفيقة ومتولي”، مرورا بأفلام “إسكندرية ليه”، و”طائر على الطريق”، و”النمر الأسود”، و”موعد على العشاء”، و”البريء”، و”زوجة رجل مهم”، وغيرها من الأعمال  العظيمة التي قدمها.
طريق الفن ليس بطريق سهل ويسير بل هو طريق صعب ملئ بالمصاعب، قطعه أحمد ذكي، واستطاع أن يلامس قلوب الناس من خلال المسرحية الأولى التي واجه الجمهور بها وهي “مدرسة المشاغبين” على الرغم من وجود عمالقة الكوميدياء بجانبه مثل عادل إمام، وسعيد صالح، ويونس شلبي، وحسن مصطفى، إلا أنه بدوره البسيط  استطاع لفت أنظار  النقاد حوله بشده.
وبعد ذلك تنقل من المسرح إلى التلفزيون إلى السينما، ولفت الأنظار إليه بكل دور يقوم به، وترجمت هذه الأعمال المتفوقة إلى جوائز، فتربع   “ذكي” على قلوب عشاق السينما بسب أعماله وتقمصه لكل دور يقوم بتمثيله بعيدا عن الوسامه، فلم يكن مفتول العضلات أو صاحب عيون زرقاء، ولكنه تميز بسماره وملامحه المصرية الأصيلة التي تجد روحك مشدودة إليه بدون تكلف أو عناء.
كما تألق أحمد زكي في شخصيات الطبقة الفقيرة البعيدة عن شخصية الأفندي، وراح في كل مرة يقدم وجها أكثر صدقا للمصري الأصيل، وعرف كيف ينتقل من دور إلى آخر، فهو الفلاح الساذج في فيلم “البريء”، وابن الحي الذي قد يهوى ويخجل في فيلم “كابوريا”، كما إنه ضابط الاستخبارات القاسي في فيلم “زوجة رجل مهم”.
الفتي الأسمر 
وعن بداياته في الفن، وحياته الشخصية، يتحدث النجم الأسمر، كما جاء في صفحات كتاب “تعال إلى حيث النكهة.. رؤى نقدية في السينما” قائلا عن بدايات حياته: “جئت إلى القاهرة وأنا في العشرين حيث الطموح والمعاناة والوسط الفني وصعوبة التجانس معه، عندما تكون قد قضيت حياتك في الزقازيق مع أناس بسطاء بلا عقد عظمة ولا هستيريا شهرة، ثم الأفلام والوعود والآلام والأحلام وفجأة وفي يوم عيد ميلادي الثلاثين، نظرت إلى السنين التي مرت وقلت: “أنا سرقت” نشلوا مني عشر سنوات، عندما يكبر الواحد يتيماً تختلط الأشياء في نفسه الابتسامة بالحزن والحزن بالضحك والضحك بالدموع! أنا إنسان سريع البكاء، لا أبتسم، لا أمزح. صحيح آخذ كتاب ليلة القدر لمصطفى أمين، أقرأ فيه وأبكي  كما أدخل إلى السينما وأجلس لأشاهد ميلودراما درجة ثالثة فأجد دموعي تسيل وأبكي”.
ويضيف “عندما أخرج من العرض وآخذ في تحليل الفيلم، قد أجده سخيفاً وأضحك من نفسي، لكني أمام المآسي أبكي بشكل غير طبيعي، أو ربما هذا هو الطبيعي، ومن لا يبكي هو في النهاية إنسان يحبس أحاسيسه ويكبتها. المثقفون يستعملون كلمة اكتئاب، ربما أنا مكتئب، أعتقد أنني شديد التشاؤم شديد التفاؤل. أنزل إلى أعماق اليأس، وتحت أعثر على أشعة ساطعة للأمل. لدي صديق، عالم نفساني، ساعدني كثيرا في السنوات الأخيرة”.
ويؤكد الفتى الأسمر أن هذا كله يعود إلى الطفولة اليتيمة التي مر بها “أيام كان هناك ولد يود أن يحنو عليه أحد ويسأله ما بك، في العاشرة كنت وكأنني في العشرين، وفي العشرين شعرت بأنني في الأربعين.. عشت دائما أكبر من سني وفجأة، يوم عيد ميلادي الثلاثين أدركت أن طفولتي وشبابي نشلا حياتي ميلودراما كأنها من أفلام حسن الإمام، الدي توفي وأنا في السنة الأولى، أتى بي ولم يكن في الدنيا سوى هو وأنا، وها هو يتركني ويموت. أمي كانت فلاحة صبية، لا يجوز أن تظل عزباء، فزوجوها وعاشت مع زوجها، وكبرت أنا في بيوت العائلة، بلا أخوة. ورأيت أمي للمرة الأولى وأنا في سن السابعة، في السابعة من عمري أدركت أنني لا أعرف كلمة أب وأم، حيث إنه عندما تمر في حوار أو مسلسل أو فيلم كلمة بابا أو ماما، أشعر بحرج ويستعصي عليّ نطق الكلمة، عندما كنت طالبا في مدرسة الزقازيق الثانوية، كنت منطويا جدا لكن الأشياء تنطبع في ذهني بطريقة عجيبة: تصرفات الناس، ابتساماتهم، سكوتهم، من ركني المنزوي، كنت أراقب العالم وتراكمت في داخلي الأحاسيس، حيث كان التمثيل هو المنفذ، ففي داخلي دوامات من القلق لا تزال تلاحقني، فأصبح المسرح بيتي، ورأيت الناس تهتم بي وتحيطني بالحب، فقررت أن هذا هو مجالي الطبيعي، بعد ذلك بفترة اشتركت في مهرجان المدارس الثانوية ونلت جائزة أفضل ممثل على مستوى مدارس الجمهورية، حينها سمعت أكثر من شخص يهمس: الولد ده إذا أتى القاهرة، يمكنه الدخول إلى معهد التمثيل، والقاهرة بالنسبة اليّ كانت مثل الحجاز، في الناحية الأخرى من العالم، السنوات الأولى في العاصمة. يالها من سنوات صعبة ومثيرة في الوقت ذاته، من يوم ما أتيت إلى القاهرة أعتبر أنني أجدت مرتين، في امتحان الدخول إلى المعهد ويوم التخرج.
ويضيف “ذكي” أن “ثلاثة أرباع طاقتي كانت تهدر في تفكيري بكيف أتعامل مع الناس، والربع الباقي للفن، أصعب من العمل على الخشبة الساعات التي تقضيها في الكواليس، كم من مرة شعرت بأنني مقهور، صغير، معقد بعدم تمكني من التفاهم مع الناس”.
“وسط غريب، الوسط الفني المصري، مشحون بالكثير من النفاق والخوف والقلق، أشاهد الناس تسلم على بعضها بحرارة، وأول ما يدير أحدهم ظهره تنهال عليه الشتائم ويقذف بالنميمة، مع الوقت والتجارب، أدركت أن الناس في النهاية ليست بيضاء وسوداء، إنما هناك المخطط والمنقط والمرقط والأخضر والأحمر والأصفر، أشكال وألوان” يقول ذكي.
ويصف أحمد زكي نفسه قائلاً: “أنا لا أجيد الفلسفة ولا العلوم العويصة، أنا رجل بسيط جداً لديه أحاسيس يريد التعبير عنها، لست رجل مذهب سياسي ولا غيره، أنا إنسان ممثل يبحث عن وسائل للتعبير عن الإنسان”.
ويتابع بان “الإنسان في هذا العصر يعيش وسط عواصف من الماديات الجنونية، والسينما في بلادنا تظل تتطرق إليه بسطحية، هدفي هو ابن آدم، تشريحه، السير وراءه، ملاحقته، الكشف عما وراء الكلمات، ما هو خلف الحوار المباشر، الإنسان ومتناقضاته، أي إنسان، إذا حلل بعمق يشبهني ويشبهك ويشبه غيرنا  المعاناة هي واحدةالطبقات والثقافات عناصر مهمة، لكن الجوهر واحد”.
وعن الشخصيات التى جسدّها، يقول: “الشخصيات التي أديتها في السينما حزينة، ظريفة، محبطة، حالمة، متأملة.. تعاطفت مع كل الأدوار، غير أنني أعتز بشخصية إسماعيل في فيلم “عيون لا تنام”, فيها أربع نقلات في الإحساس، في البداية الولد عدواني جداً كريه جداً، وساعة ما يشعر بالحب يصبح طفلاً.
أعماله والجوائز
تعامل ذكي مع أبرز مخرجي السينما المصرية، وبالتحديد مخرجي الواقعية الجديدة من أمثال عاطف الطيب في “البريء” و”الهروب”، ومحمد خان في “موعد على العشاء”، و«العوامة»، و«أيام السادات» وداوود عبد السيد في «أرض الخوف» واختاره يوسف شاهين لفيلم «إسكندرية… ليه؟» وشريف عرفة في «اضحك الصورة تطلع حلوة» و«أيام السادات» وتعامل أيضاً مع إيناس الدغيدى في «امرأة واحدة لا تكفي» وغيرها من المحطات الفنية التي ترك من خلالها بصمة في عالم السينما المصرية إلى الآن.
وحصد العديد من الجوائز المحلية والدولية، واحتكر جوائز أفضل ممثل مصري لأعوام متلاحقة، ومن بين تلك الجوائز:
– جائزة عن فيلم «طائر على الطريق» في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.
– جائزة عن فيلم «عيون لا تنام» من جمعية الفيلم.
– جائزة عن فيلم «امرأة واحدة لا تكفي» من مهرجان الإسكندرية لعام  1989.
– جائزة عن فيلم «كابوريا» من مهرجان القاهرة السينمائي لعام 1990.
– وفي الاحتفال بمئوية السينما العالمية العام 1996 اختار السينمائيون ستة أفلام قام ببطولتها أو شارك فيها الفنان أحمد زكي، وذلك ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية وهي “زوجة رجل مهم”، “البريء”، “أحلام هند وكاميليا”، “الحب فوق هضبة الهرم”, “إسكندرية ليه” و”أبناء الصمت”.
وفاته
رحل عن عالمنا “الأسمراني الحليوة” أحمد زكي في السابع والعشرين من مارس عام 2005، تاركا ورائه إرثا  كبيرا من الأعمال التي تخلد ذكراه حتى يومنا هذا.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى