دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

أحمد المريخي …وحكاية «شاعرُ الكائناتِ الهشّة»

في مارس 2023 أُجريتُ عمليةً جراحيةً لاستئصالِ ورمٍ في المخ، قال الطبيبُ: قد تُفضي العمليةُ إلى الموتِ أو الشلل. قبلَ التوجّهِ إلى القاهرةِ والاستسلامِ المطلقِ لمشارطِ الجرّاحين، أرسلتُ عدّةَ كتبٍ مخطوطةٍ إلى عددٍ من الأصدقاء، وطلبتُ منهم الاحتفاظَ بها، ربما طلبها ناشرٌ بعد رحيلي. يجبُ الدفاعُ عن كتاباتنا حتى اللحظاتِ الأخيرة، لأنّ الكتابةَ تعجزُ عن الدفاعِ عن نفسها وحدها في مناخٍ يُعادي الكتبَ والشعر، والجديدَ منه بشكلٍ خاص.

كان هذا أحدَ شعاراتي، ولهذا كنتُ أجوبُ الجمهوريةَ من أجلِ الدفاعِ عن شعري بالأمسياتِ واللقاءاتِ الحيّةِ مع الناس.

جرى أحمدُ المريخي كثيرًا معي في فترةِ الاستعدادِ للعمليةِ الجراحية، وفي لحظةٍ معيّنةٍ تحدّث عن المقالاتِ النقديةِ المكتوبةِ عنّي، فأرسلتُ له الملفَّ الذي أحتفظُ فيه بهذه المقالاتِ، وكانت الرغبةُ الأساسيةُ والخفيّةُ هي وضعُها بين يديه، ربما احتاج إليها أحدٌ بعد رحيلي، أو مساعدتُه في عملِ كتيّبٍ تذكاريٍّ عنّي، كما نفعلُ عادةً عند رحيلِ الأصدقاءِ الشعراء، وكما يعكفُ الآن بعضُ أصدقاءِ أشرف البولاقي على عملِ كتيّبٍ تذكاريٍّ عنه. ولم نتحدّثْ بالطبع عن تلك الرغبة، لكنّ دفاعَ المرءِ عن شعرهِ واجبٌ حتى لو كان بلا كلمات.

الكتابُ الذي تمّ تجهيزُه ليكونَ تذكاريًّا يُوزَّعُ في الاحتفالِ بتأبينِ الشاعر، صار كتابًا نقديًّا جادًّا، يوزّعه الشاعرُ بنفسه على أصدقائه وهو يضحكُ للدنيا التي تبتسم، وحمل عنوان «شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة»

***

قام المريخي بتقسيمِ الملفِّ إلى ثلاثةِ أقسام: قسمٌ للكتاباتِ الخاصةِ بكتاباتي غيرِ الشعرية، في النقدِ الأدبي، أو في ظاهرةِ الثأر، وموضوعِ التراثِ الخفي، وقسمانِ للكتاباتِ التي تناولت تجربتي الشعرية؛ الأولُ للأقلامِ الأكاديمية، مثل الدكتور محمد زيدان، أو الدكتور أحمد الصغير، أو الدكتور محمد سيد شحاتة، أو الدكتورة كاميليا عبد الفتاح، وغيرهم ممّن اهتمّوا بتجربةِ الشاعر، والآخرُ للشعراءِ الذين كتبوا عن زميلهم، واختار هذا القسمَ ليشكّلَ محتوى الكتاب. وهكذا لم يعدْ كتابًا تذكاريًّا، بل كتابًا نقديًّا عن النقدِ الشاعري، كما يقول الدكتور محمد فكري الجزار، أيْ لم يصبحْ كتابًا عن فتحي عبد السميع، بل صار كتابًا عن ظاهرةِ نقدِ الشعراء، وكان فتحي عبد السميع مجرّدَ نموذجٍ لها.

اقرأ أيضا: «عطية حسن».. رائد الحداثة الشعرية في الصعيد

لم يقمِ المريخي بالتعاملِ السهلِ مع المقالات، بل تعاملَ تعاملَ المثقّفِ الواعي، والشاعرِ المشغولِ بقضيةِ الشعرِ الجديد، ولم يعدِ الكتابُ مجرّدَ تجميعٍ لمقالاتٍ متفرّقة، بل كان فتحًا لأفقٍ بحثيٍّ، ومساءلةً غيرَ مباشرةٍ للدرسِ الأكاديميّ الذي تخلّى عن الحركةِ الشعريةِ خلالَ نصفِ القرنِ الأخير. فرغم وجودِ عددٍ كبيرٍ من كلياتِ الآداب، التي تتواجدُ في كلِّ محافظةٍ تقريبًا، إلّا أنّها تخلّتْ عن الواقعِ الحيِّ ومشكلاتهِ الاجتماعيةِ والثقافية، وأقصتِ الرسائلَ العلميةَ بعيدًا عن الشعرِ الجديد، وتركتْ للشعراءِ همْ كتابةَ الشعر، وهمْ دراستَه، وهمْ الدفاعَ عنه، في ظلِّ موجةٍ ماديةٍ عنيفةٍ تكتسحُ كلَّ شيء.

 

لم يجمعِ المريخي كلَّ القراءاتِ النقديةِ التي تناولتْ تجربةَ الشاعرِ على مدارِ ربعِ قرنٍ تقريبًا، بل اقتصرَ على الكتاباتِ التي كتبها الشعراءُ فقط، رغبةً في تعويضِ غيابِ النقدِ عن مواكبةِ التجاربِ الشعريةِ الجديدة، أيْ إنّه لم يتناولْ في هذا الكتابِ تجربةَ الشاعرِ بقدرِ ما تناولَ قضيةَ «نقدِ الشعراءِ» كموضوعٍ يثيرُ الكثيرَ من الأسئلة، ويستحقُّ هو الآخرُ دراسةً نقديةً كاشفةً لقيمتهِ ودورهِ في فكِّ الحصارِ الذهنيِّ عن التجاربِ الجديدة، التي تختلفُ فيها صورةُ الشعرِ عن ملامحِها الراسخةِ في ذاكرةِ الناس.

***

لا يحتوي الكتاب على كلِّ ما كتبه الشعراءُ عن الشاعر، بسببِ ظروفِ جمعِ هذه المادة، وطولِ الفترةِ الزمنيةِ التي تناثرتْ فيها هذه القراءات، ومن الواردِ نسيانُ قراءةٍ هنا أو هناك، دون أن يكونَ ذلك حكمًا على هذه القراءات، إنّما هي طبيعةُ العملِ البشريِّ الذي لا يبلغُ حدَّ الكمالِ أبدًا.

كما اقتصرَ عملُ المريخي على القراءاتِ التي لم يضمّها كتابٌ سابق، وتجاوزَ الشهاداتِ التي كتبها بعضُ الشعراءِ حول تجربةِ الشاعرِ بشكلٍ عام، وهي كثيرة، وتحتاجُ إلى كتابٍ آخر.

كلُّ ما كان يهمُّ المريخي هو الشعرُ الجديد، ولهذا قام بترتيبِ القراءاتِ النقديةِ وفقَ تاريخِ نشرها، حيث بدأنا بالديوانِ الأقدم، ونشرِ القراءاتِ الخاصةِ به، كما التزمَ بتاريخِ النشرِ في ترتيبِ المقالات، وهكذا تنقّلَ من ديوانٍ إلى آخر، حتى وصل إلى المختارات الشعريةِ التي صدرتْ بعنوان: «عظامي شفافةٌ وهذا يكفي»

ولأنّ هذا الكتابَ يتناولُ نقدَ النصِّ الشعريِّ الجديدِ في المقامِ الأول، فقد تركَ المريخي القراءاتِ النقديةَ التي تناولتْ تجربةَ الشاعرِ في إطارِ شعرِ التفعيلة، والتي ظهرتْ في ديوانيه «خازنة الماء» و«فراشة في الدخان»، رغمَ أهميتِها في ذلك الإطار

هكذا قفزَ المريخي بذكاءٍ من فكرةِ كتابٍ عن الشاعرِ إلى كتابٍ عن نقدِ قصيدة النثر، ونقد الشعراءِ، أو النقد الشاعري كما يقول الدكتور محمد فكري الجزار في المقدمة الهامة التي رفعت قيمة الكتاب.

اقرا أيضا:

«سليمان الملك» والقناع الذي يكشف الوجوه

 

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.