حكاوي

في “الحرامي 2”: كلنا لصوص.. ولكن الكبار أكثر لصوصية!

لأسباب يمكن حصرها، وأخرى يصعب رصدها، نجح مسلسل “الحرامي” الذي لعب بطولته الممثل الشاب أحمد داش، وأخرجه أحمد الجندي عن سيناريو للمخرج والمؤلف أحمد فوزي صالح.

من هذه الأسباب إيقاع العمل السريع، حيث لا يتجاوز زمن الحلقة الواحدة عشر دقائق، وقصته المشوقة، التي تدور حول لص صغير يجد نفسه حبيسا داخل فيلا يتسلل لسرقتها، ويخشى الخروج بعد سريان حظر التجوال بسبب الكورونا، وعندما يتم كشفه تنشأ علاقة بينه وسكان البيت، حتى أنه يساعد في إنقاذ حياة ابنتهم.

الحرامي2

سبب آخر هو أن كاتب المسلسل قدم شخصية لص “جديدة” بعض الشئ، فهو شاب صغير لا يتجاوز العشرين، لعبها ممثل صغير لا يتجاوز العشرين (وهذا حدث في الدراما المصرية لو تعلمون عظيم!)، ولكنها أيضا ليست “جديدة” تماما، فاللص المثير لتعاطف المشاهدين طالما كان أحد الشخصيات النمطية للميلودراما المصرية، والفرنسية، والأمريكية، والهندية، التي طالما استخدمت شخصية اللص “الشريف”، “الظريف”، الوسيم، للتعبير عن مواقف سياسية، مثل نقد التفاوت الطبقي والظلم الاجتماعي، أو لإطلاق مشاعر بعينها لدى المشاهد، مثل الانتقام من الأغنياء الأغبياء، أو التعاطف مع الفقراء البسطاء.

هذه المواقف والمشاعر حاضرة بقوة هذه الأيام، التي تشهد تفاوتا متزايدا مرعبا بين الأثرياء والفقراء، كما تشهد انتشارا غير مسبوقا في “تبرير” و”تحليل” السرقة والاحتيال، والأفلام والمسلسلات التي تتناول ظاهرة اللصوص الطيبين تتكاثر مثل الأميبا، ومعظمها بلا عقل أو ضمير، فاسد التحليل، يبررالطبقية والتصارع على المال، بدلا من أن يكون بمثابة صرخة تحذير.

نجاح مسلسل “الحرامي” دفع صناعه لعمل جزء ثان يعرض حاليا بعنوان “الحرامي 2″، ، وربما يكون حظه مثل المسلسل الإسباني العالمي “لا كازا دي بابل” فيلحق به الحرامي ثلاثة وأربعة وخمسة!

كلنا لصوص

يا عزيزي.. كلنا لصوص. هذا هو الشعار الذي أطلقه إحسان عبدالقدوس في ثمانينيات القرن الماضي لوصف حالة المجتمع الذي ينتشر ويعلو فيه اللصوص، وهو شعار يطلقه مسلسل “الحرامي 2”. لا يكتفي العمل هذه المرة بالدفاع عن اللصوص الصغار، ولكنه يقول إن اللصوص الحقيقيين هم أبناء الطبقة العليا. الأب الشريف حامي العائلة طارق (بيومي فؤاد) يضطر إلى “اقتراض” مبالغ كبيرة من الشركة التي يعمل بها لعلاج ابنته المريضة، ولكنه يتعرض لسرقة المال قبل أن يعيده إلى الشركة من قبل أحد الموظفين الآخرين. وهذه المرة يتحول حامي الأخلاق إلى لص يطلب من اللص الصغير كمال (أحمد داش)، الذي يحب ابنته سالي (رنا رئيس)، أن يساعده على سرقة المال الذي سرق منه! وبينما يرفض كمال في البداية أن يعود إلى السرقة ويقرر أن يعمل ويكمل دراسته، إلا أنه يضطر إلى تنفيذ طلب الأب عطفا عليه وحبا لابنته.

من المدهش أن شخصيات الأثرياء هي التي كتبت بقدر من “الواقعية” خاصة الأب والأم (رانيا يوسف) والموظف السارق نشأت (محمد جمعة) وأسرته، وشقيق زوجته الذي يساعده في الجريمة. في المقابل فإن أضعف شخصيتين فيما يتعلق بدرجة الواقعية هما العاشقان كمال وسالي، فهما مقدمان بشكل بالغ المثالية والنمطية. هذا التنميط للشخصيتين الرئيستين يهدم كثيرا من طزاجة الواقعية التي كتبت بها الشخصيات الأخرى. ووصف “الواقعية” المستخدم هنا يقصد به “المصداقية” وليس المذهب والأسلوب الواقعي في الفن، فالمسلسل بالتأكيد ليس “واقعيا” من هذه الزاوية.

زادت حلقات المسلسل في جزءه الجديد إلى عشرين دقيقة بدلا من عشر، لأسباب إنتاجية بالقطع، ولكنها غير مفيدة فنيا، لأن المسلسل رغم قصر زمن عرضه وسرعة أحداثه يعاني من بعض “التطويل” في عدة مواقع، مثل مشاهد شجارات نشأت وزوجته المكررة، ومشاهد الابنة الكبرى فريدة (كارولين عزمي) مع المحتال الذي وقعت في حبائله في الجزء الأول ويعود منتحلا شخصية شاب يعالجها نفسيا على الإنترنت.

الطبقة الثرية

ما ينجح فيه “الحرامي 2” بجدارة هو إظهار قدر الهشاشة التي تعاني منها الطبقة الثرية في مصر، والتي تبدو على السطح قوية مرتاحة ماديا ونفسيا، ولكن وراء هذا السطح البراق تعاني من خوف مزمن، وشعور بالفقر ناتج عن التنافس وتطلعها الدائم للمزيد، وبالأخص القلق من عيون الأفقر منهم التي تتطلع إليها دائما، حاسدة وطامعة، ومتربصة. يلخص نشأت، الواقف في المنتصف بين الطبقتين، هذا الموقف عندما يبرر قيامه بسرقة الأكبر منه بأنهم يستطيعون تدبر أمورهم وحل مشاكلهم، قبل أن يكتشف أنه نفسه يتحول إلى مطمع للأصغر منه، وأن الملايين الثمانية التي قام بسرقتها لن تكفي لتحقيق أحلامه، خاصة إذا قام شقيق زوجته ومساعديه بالاستيلاء على نصفها!

كثيرة هي الأعمال التي تحدثت عن الظروف التي تدفع الفقراء للسرقة من أيام “البؤساء” و”جعلوني مجرما” والأعمال التي تبين أن الكبار هم لصوص أكبر من أيام “اللص والكلاب” و”أهل القمة”، ولكن قليلة هي الأعمال التي حاولت أن تدرس طبيعة الصراع بين كبار وصغار اللصوص. المشكلة ليست في وجود أثرياء وفقراء يتصارعون فحسب، ولكن في السلم الطويل للصعود والسقوط الطبقي الذي يتكالب ويتصارع الجميع على كل درجة من درجاته.

وهذا الوعي بالموقف المعقد ما بين الرغبة في إزاحة الأعلى درجة والخوف من الأقل درجة هو ما يعطي لـ”الحرامي 2″ تميزه وتأثيره المختلف عن معظم قصص اللصوص الشرفاء.

اقرأ أيضا

 «عاش يا كابتن» نبه إلى المشكلة منذ عام: ذهبية حسونة وصرخات الكابتن رمضان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى