في البحر الأحمر.. قرأ «عبد الناصر» ديمقراطية خالد محمد خالد..!

«هل تعرفون لماذا جئت؟، لقد صممت على أن أراكم لكي لا تظنوا أن الثورة قد نسيتكم، ولكن المهام الضخمة التي نواجهها في القاهرة هي التي منعتنا طوال الفترة الماضية عن زيارتكم، أنني أحب ألا تشعروا بالوحشة بعد الآن وتصوروا أنكم معنا في قلب العاصمة».

بهذه الكلمات بدأ جمال عبدالناصر حديثه للجنود بمنطقة شرم الشيخ في الزيارة الأولى التي قام بها الضباط الأحرار إلى شرم الشيخ والغردقة، نوفمبر 1953، والواقع أن زيارة عبدالناصر لهذه المناطق كانت مفاجأة، فقد كان المقرر أن يقوم بالزيارة عبدالحكيم عامر، للتفتيش على القوات في شرم الشيخ والقصير ورأس غارب، وصدرت الأوامر إلى اليخت فخر البحار بالاستعداد لاستقبال القائد العام ومعه ثمانية من ضباط القيادة العامة، ولكن حدثت مفاجأة فقد اتصل عامر بعبدالناصر وعرض عليه فكرة السفر معه ووافق عبدالناصر وقال له: سيأتي معي أيضا مستشار رئيس الجمهورية سليمان حافظ ووزير الأوقاف الشيخ الباقوري.

عبدالناصر والبحر الأحمر

كانت القافلة تسرع في سيرها لكي يتمكن عبدالناصر ومن معه من زيارة جميع المواقع الحربية، وفجأة توقفت السيارة ونزل منها عبدالناصر وعامر ومضى الاثنان يتجولان في المنطقة، وأمام كومة من الأحجار خرج رجل عجوز في الثمانين من عمره وتكلم بصوت ضعيف، وقال إن اسمه سلمان وأنه يعيش في هذه الجبال مع ابنه وابنته وأن زادهم الوحيد هو الأسماك التي يصيدها كل صباح، ثم قال وهو يكاد يبكي:

يا سيدي.. إنني لا أعرف شيئا مما يدور في أي جزء من العالم خلاف هذه الجبال.

سأله عبدالناصر: قل لي من الذي يحكم مصر الآن؟

سرح الرجل ببصره وبعد تفكير قال: سمعت أنه رجل طيب اسمه محمد نجيب.

وقال له عبدالناصر: تأكد أن محمد نجيب لن ينساكم، وتأكد أنه لن ينقصكم شيء بعد الآن.

وفي الأيام الخمسة مدة الرحلة كان عبدالناصر وعامر والباقوري وسليمان حافظ، يقضون أوقاتهم في القراءة أو في لعب الشطرنج حسب التقرير المنشور في مجلة آخر ساعة حينها.

وفي إحدى الليالي، إذ بجمال عبدالناصر يخرج عليهم من غرفته حاملا كتاب «الديمقراطية.. أبدا».. وسأله أحد الموجودين معه: ما هذا الكتاب؟ فأجاب: إنه لخالد محمد خالد ظهر منذ أيام، ولما أطلعهم على عنوانه سأله أحد الحضور: وماذا يقول فيه؟؟ أجاب: يشتمنا.

وكان كتاب خالد محمد خالد قد صدر في عام 1953، ويدعوا لعودة الجيش إلى ثكناته وإلى سرعة إقامة حياة ديمقراطية.

يقول الباقوري إن أحد الحضور وقتها على اليخت قال لعبدالناصر لماذا لم تصادره وأنت الآن وزير للداخلية؟، أجاب عبدالناصر: إنه لا يليق بنا أن نصادر كتابا للكاتب الذي كتب في عهد فاروق «مواطنون لا رعايا».

إنه إذن لرجل كبير

وإلى هنا لم تنته قصة عبدالناصر مع الكتاب، فبعد عودة عبدالناصر من رحلة شرم الشيخ بأيام، وقف يخطب في حفل كبير حضره عشرات الآلاف، وإذ به يستشهد خلال خطابه بعبارتين من الكتاب دون أن يشير إلى مصدرهما، وقد أصبحت هاتين العبارتين من أشهر العبارات المنسوبة على لعبدالناصر وهما: “أن الأمة التي تساوم على حريتها توقع في ذات الوقت وثيقة عبوديتها”، والأخرى “على الاستعمار أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل أو فليقاتل حتى الموت دفاعا على وجوده”.

العبارة الأولى من الصفحة 6 من الكتاب والثانية من الصفحة 19.

وفي اليوم التالي كانت الملصقات تغطي جدران الأبنية في القاهرة حاملة الفقرتين وممهورتين بتوقيع عبدالناصر -وحتى اليوم مازالت هاتين العبارتين من أشهر العبارات المنسوبة على لسان جمال عبدالناصر- لم يمر الأمر مرور الكرام فقد كانت صحيفة المصري لصاحبها أحمد أبوالفتح تكيد لعبدالناصر فنشرت الفقرتين اللتين انتحلهما عبدالناصر وكتبت تحتهما: من قائل هذه الكلمات المضيئة؟.. إنه خالد محمد خالد في كتابه الجديد «الديمقراطية أبدا».يذكر خالد محمد خالد في مذكراته عن هذا الموقف قائلا: كان عبدالناصر لا ينسى ويومئذ أحسست أنه لن يغفر للمصري هذه الغمزة الواشية، بل إن محمد نجيب نفسه عند احتدام الصراع بينه وبين عبدالناصر تطرق إلى هذا الموقف في إحدى خطبه قائلا: إنهم يأخذون أفكار غيرهم وكلامهم وينسبونه لأنفسهم وهم يخطبون الجماهير.

أما خالد محمد خالد فكان موقفه نبيلا من عبدالناصر وكتب في مذكراته «قصتي مع الحياة» متذكرا موقف العبارتين، فقال معلقا على اقتباس عبدالناصر لفقرات كتابه: لقد فرحت به وفرحت له.. فالكتاب لم يكن قد مضى أكثر من أسبوع على ظهوره ومع ذلك قرأه وفهمه وانتقى من أطايبه ما يضمنه خطبه.. إنه إذن لرجل كبير.

اقرأ أيضا

ملف| «السكون الذي ترقد تحته عاصفة»: أول مقال كتبه هيكل عن ناصر

التخلص من بقايا فاروق: وداعا أيها الطربوش 

مصائر الضباط الأحرار في نبوءة عرافة فرنسية

في مكتبة فاروق: 150 ألف مخطوط.. ووثائق زعماء الثورة الفرنسية

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر