حكاوي

في البحث عن كيان لإنقاذ السينما والدراما: الرقابة على الإبداع.. أم صناعته؟!

واحدة من المشكلات المزمنة المتعلقة بالكيانات المسؤولة عن السينما والدراما في مصر أنها تخلط بين دورها المهني وموقف أعضاءها “الأخلاقي”.

كثيرا ما نسمع أن نقابة فنية تقوم بنصب العداء لفيلم أو ممثل أو مغن، لأنه شارك بعمل مثير للخلاف أو “مستفز” للرأي العام أو للسلطة، وينطبق الشيء نفسه على لجان السينما الدراما التي لا تستطيع غالبا التمييز بين الملاحظات الفنية التي من شأنها رفع مستوى الأعمال ودرجة تلبيتها لاحتياجات السوق والصناعة والجمهور وبين الحكم عليها من خلال المنظور الأخلاقي المحافظ أو المتزمت لبعض أعضاء هذه اللجان.. بل يحدث الشيء نفسه في لجان اختيار الأفلام المشاركة في المهرجانات والمسابقات. وقد شاركت في لجان مشاهدة واختيار أفلام المهرجانات الدولية التي تقام في مصر منذ منتصف التسعينيات وكم من “مهازل” رأيتها عندما يعتقد السينمائيون والنقاد المشاركون في هذه اللجان أن دورهم ينحصر في استبعاد الأفلام التي لا يرضون عنها أخلاقيا، حتى لو كانت قيام شخصية في عمل ما بالزنا أو السرقة أو تعاطي المخدرات!!

إنقاذ السينما والدراما

قد يعتقد البعض أن “قضايا الحسبة” وجماعات “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” تخص فقط الأصوليين الدينيين الذين روعوا المجتمع في وقت ما بمطاردة كل أنواع الإبداع الفني والفكري باتهاماتهم وقضاياهم وصخبهم، ولكن الحقيقة أن “أهل الحسبة” متواجدون في كل مكان حتى لو كانوا يرتدون قمصانا وربطات عنق بدلا من “الجلابيب”، والمصيبة أنهم متواجدون بكثرة داخل الوسط الفني والإعلامي، ومعظم الصحفيين والمذيعين يتصورون أن مهنتهم هي الوصاية على المجتمع وصيانة الأخلاق الحميدة، التي ما تكون غالبا قشور العادات والتقاليد الريفية والتعاليم السلفية التي يأتون بها من قراهم البعيدة وتتمحور غالبا حول الجنس والمرأة.

عندما نتحدث عن ضرورة وجود كيان مهني يشرف على تطوير السينما والدراما في مصر لابد أولا من وضع خطوط فاصلة بين وظيفة ومهمة هذا الكيان وبين وظيفة ومهمة الرقابة على المصنفات الفنية، وأن تنص لائحة هذا الكيان على أن مهمته تنحصر في تطوير الصناعة والمهنة وليس لها علاقة بالمضامين الأخلاقية والفكرية للأعمال الفنية، لأن هذه مهمة الرقابة فقط!

لو تم وضع هذا الشرط في لائحة الكيان الذي نتمنى إنشاءه، فسوف يوفر الكثير من الوقت والجهد والأموال التي تنفق على هذه الكيانات واللجان، والأهم أنه سيجبر أعضاء هذا الكيان على التفرغ والتصدي للتحديات والمشاكل الحقيقية التي تواجه السينما والدراما في مصر.

قسط كبير من هذه المشاكل يتعلق بـ”البيزنس”. لابد من وجود خبراء في الصناعة يستطيعون وضع أيديهم على مواطن الخلل في الإنتاج والتوزيع، إذ لا يمكن تخيل حجم العشوائية والفوضى التي تضرب في أركان الصناعة، ويكفي أن نشير إلى بعضها على عجالة:

لا يوجد عقود قانونية سليمة يعتد بها، وكثيرا ما تكون عقود “مضروبة” للتحايل على الضرائب، كما يخلو معظمها من الشروط الجزائية أو مواعيد تسديد الدفعات وهي بشكل عام تسمح بأشكال من النصب والتحايل، ولا يكاد يخلو عمل سينمائي أو تليفزيوني من توابع وخلافات بسبب الحقوق المادية و/ أو المعنوية للمشاركين في العمل، وأحيانا يكون المنتج نفسه ضحية هذه العقود الفضفاضة. ويمكن أن نضيف إلى مشاكل العقود مشكلة كبيرة تتعلق بالحقوق الفكرية، فرغم القوانين والإجراءات التي اتخذتها الدولة لحماية الحقوق الفكرية لمؤلفي الأفلام والمسلسلات، إلا أن السوق يضج بالسرقات الفنية للمؤلفين الأجانب والمصريين. وتقريبا لو كنت صاحب فكرة ألمعية أو سيناريو مبتكر، مطلوب منك ألا تعرضهما على أحد، خاصة النجوم، لأنك ستتعرض للسرقة غالبا!

لا يوجد تنسيق بين أهل الصناعة من أي نوع، إذا استثنينا بعض الاجتماعات التي تعقدها غرفة صناعة السينما أو النقابات الفنية لحل خلاف بين اثنين، أو مشكلة طارئة، وفي الغالب يكون هناك انحياز للطرف الأقوى، المقرب من مجلس الإدارة، على حساب الأطراف الضعيفة، لأن الغرفة والنقابات تدار بمنطق العمدة وناظر العزبة، وليس وفقا لنظام ثابت لا يتغير بتغير الأشخاص. وكما ذكرت من قبل فإن الديمقراطية تثبت فشلها الذريع في المجتمعات ذات التركيبة الريفية والعائلية التي تسود النقابات والجمعيات الأهلية والكيانات الفنية في مصر.

أكبر مثال على هذا هو غرفة صناعة السينما، التي يفترض أن تكون مهمتها وضع الاستراتيجيات والضوابط والدراسات الاقتصادية، وعلى الأقل توفير المعلومات الخاصة ببيزنس السينما في مصر، ولو كنت رجل أعمال تفكر في دخول مجال صناعة السينما، جرب أن تحاول الحصول على مشورة أو معلومة من الغرفة، أو أن تحصل حتى على بعض الأرقام الصحيحة، وسوف تندم على أنك فكرت يوما أن تقتحم هذا المجال.

بجانب فوضى العقود وانتشار الاحتيال والنصب وضعف التنسيق وغياب الخطط والدراسات والمعلومات، هناك ضحالة ملحوظة في المستوى الفني للأعمال المنتجة بشكل عام، وليس السبب عدم وجود نصوص أو مشاريع جيدة، ولكن لأن القائمين على اختيار الأعمال لا تتوفر لديهم الموهبة الإبداعية ولا القدرة على التقييم الفني. ونحن نسمع من عقود طويلة عن مهنة “المنتج الفني” في السينما والتليفزيون، ولكنها لم تظهر في مصر إلا في استثناءات معدودة لبعض المنتجين “الفنانين”، وهي استثناءات تثبت القاعدة السائدة في أن هناك هوة شاسعة بين القائمين على الإنتاج وبين الثقافة الفنية والإبداع، والكبير في عالم الإنتاج والتوزيع في مصر هو الذي يمكنه أن يقرأ أو يشاهد عملا فيخبرك إذا ما كان سينجح جماهيريا أم لا! وهؤلاء لا يملكون غالبا أي نزعة للتجديد أو المغامرة، ولن نقول لا يملكون فكرا، أو فكرة عن ماهية الإبداع الفني!

اقرأ أيضا

السينما والدراما بين نارين: التأميم والعشوائية!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى