تمثال شعبي صنعه الأجانب: تاريخ تمثال إيزيس المُسترد من سويسرا

استردت مصر تمثالا مصريا مسروق من سويسرا، ضمن سبع قطع أثرية ترجع إلى الحضارة المصرية القديمة، وخضعت للتحقيق لفترة تزيد عن عام باعتبارها في حوزة السفارة المصرية منذ أغسطس عام 2021.

التمثال المصري المُسترد من البرونز، هو تمثال للإلهة إيزيس تحمل ابنها الطفل حورس، لكن لم يتضمن بيان وزارة السياحة والآثار الكثير من المعلومات عن التمثال وتاريخه، وكيف خرج التمثال من مصر، ومن سرقه، وهل توجد نسخ مشابهة منه؟

تمثال إيزيس المسروق

يتتبع «باب مصر» تمثال إيزيس البرونزي المسروق. إذ كانت بداية اكتشافه من قبل سلطات الجمارك السويسرية في عام 2018، مع ست قطع أثرية ترجع إلى مصر القديمة. وتم إبلاغ السلطات المصرية للتحقيق في الأمر.

أرسلت مصر فريقا من علماء الآثار للتأكد من أصل القطعة بعد إبلاغ وزارة الخارجية المصرية. وجاء هذا التحرك من القوات السويسرية حفاظا على تراث الحضارة المصرية. ووفقا لصحيفة “ديلي نيوز” تسلمت السفارة المصرية في برن بسويسرا، قطعتين أثريتين من بينهما تمثال إيزيس صادرتهما السلطات السويسرية في محاولة تهريب.

قرر الخبراء أن هذا التمثال غير مُسجل في أي من قوائم الوزارة. وأن هذا التمثال نتاج حفريات غير قانونية تجري عادة في مصر دون علم الحكومة المصرية.

التمثال نسخة مماثلة لتمثال “إيزيس وحورس” البرونزي الذي تم بيعه من دار كريستيز للمزادات في ديسمبر عام 2016، بمبلغ مليون و85 ألف جنيه إسترليني. رغم أنه كان مطروحا للبيع بمبلغ تقديري يتراوح من 220 إلى 280 ألف جنيه إسترليني.

تمثال ايزيس وحورس متح متروبوليتان هدية ديفيد داورز

وبحسب صفقة البيع المدونة بالموقع الرسمي لدار كريستيز للمزادات. يرجع التمثال إلى الفترة من عام 747 إلى 656 قبل الميلاد. ويصل ارتفاعه إلى 44 سم.

أما عن مسار ملكية تمثال إيزيس والطفل حورس المباع قبل ستة أعوام. كان مالكه الأول هو عمر باشا سلطان الملقب بملك الصعيد. ثم انتقلت مجموعة عمر باشا سلطان من القاهرة إلى باريس عام 1929. ثم امتلكه الألماني “هانز وولف جانج مولر” (1907-1991). ثم انضمت لاحقا إلى مجموعة “ريزاندرو” عام 1976.

وتتسم مجموعة “ريزاندرو” بأنها تضم واحدة من أشهر المجموعات الخاصة بالفن المصري القديم. وتتضمن العديد من تماثيل البرونز، من بينها تماثيل الإلهة إيزيس وأوزوريس وتماثيل القطط والثيران والأسماك.

ورغم أن كلا التمثالين من البرونز إلا أنه هناك فرقا واضحا بينهما. وهو أن تمثال كريستيز ذو أعين واضحة باللون الأبيض وقرص الشمس سليما. أما التمثال العائد من سويسرا متآكل من الواجهة وإحدى جهتي قرص الشمس محطمة.

التماثيل البرونزية

لمحاولة الإطلاع على تاريخ التمثال، فسر المؤرخ والمرشد السياحي فرانسيس أمين لـ”باب مصر” تاريخ التمثال وسبب وجود أكثر من نسخة منه. وقيمته وتاريخه.

وفي البداية، عرّف البرونز لأن البرونز المستخدم ليومنا هذا يرجع للعصر الروماني. وعانت البرونزيات المصرية القديمة من افتقار الدراسة، حتى نفذت الدكتورة الراحلة فينيس جودة وزيرة البحث العلمي السابقة دراسة غيرت الكثير من المفاهيم عن البرونز المصري بتمويل من منظمة اليونسكو.

وتابع: “هذه الدراسة شملت المعادن الموجودة في المتحف المصري. واكتشفت أن معظم الذهب المصري نقي. بالإضافة إلى بعثة رافقتها خلالها إلى مقابر النبلاء في الأقصر. وتم تصوير مناظر عمل المعادن في مصر القديمة”.

واتضح أن المصري القديم عرف عمليات تشكيل المعادن والصياغة من عصور ما قبل التاريخ. وهذا أمر مذهل للغاية. موضحا أن النظريات الكلاسيكية تقول إن البرونز روماني والتي تم دحضها. أما مكوناته في الغالب نحاس وبعض الفضة وقليل من الذهب.

وتمتلئ مقابر سقارة مقابر النبلاء في الأقصر بمثل هذه التماثيل وبصفة خاصة مقبرة “رخ مي رع” وزير تحتمس الثالث. والمعادن كانت تشكل لتوضع كهدايا في المعابد منها الأواني وأواني العطور وأواني الزيوت. ولم تقدم لنا حضارة قيمة هذا التنوع الكبير في هذه المعادن المستخدمة. كما قال.

تمثال شعبي

لكن ما أصل هذا التمثال وسبب وجود نسخ كثيرة منه؟

يجيب المؤرخ الحاصل على وسام فارس من إيطاليا، موضحا لـ”باب مصر” أن هذا التمثال الذي تم استرداده تمثالا شعبيا يطلق عليه اسم “إكس فوتو”. وكانت هذه التماثيل تٌقدم من المؤمنين للمعابد. وتم العثور في خبيئة معبد الكرنك عام 1903 على 17 ألف تمثال معدني.

ويستكمل: “من يقول أن هذا التمثال لا مثيل له، نقول له اذهبوا إلى صالات كثيرة في المتحف المصري ومتحف ملوي، والمتاحف الأخرى لتروا هذا الكم الكبير من التماثيل البرونزية التي تمثل الآلهة. لأن هذا النوع من التماثيل يعد أكبر كم من التماثيل التي أنتجتها الحضارة المصرية لأنها كانت تُقدم نذريه من الآلاف للمصريين”.

وعن مصيرها، يوضح أنها كانت تدفن في المعابد، لعدم وجود مكان قادر على استيعاب الآلاف من التماثيل. وبالانتقال إلى منطقة “تونا الجبل” وحفائر دكتور سامي جبرة. قد أخرجت آلاف من التماثيل البرونزية، لإيزيس وأوزوريس وبقية الآلهة.

التماثيل البرونزية أكثر منتج حضاري مصري قديم. وكانت عادة تُغطى بطبقة من الذهب. ولكن رغم ذلك فالمفاجأة، كما قال، إن هذا المنتج الحضاري المصري صُنع خارج مصر وصٌدر خارج مصر. ويرجع ذلك إلى الفترة التي انتشرت فيها عبادة الإلهة إيزيس وأوزوريس وآمون وغيرهم من الآلهة.

وكانت قد انتشرت عبادتهم في اليونان، إيباديا، بلجيكا، إنجلترا ومالطا. وعن طريق التجارة انتشرت هذه التماثيل. وانتشرت صناعة هذه التماثيل في هذه المدن.

وفي القرن الأول الميلادي تحولت إيزيس إلى “ربة الكون”، أو معبودة الشعوب العالمية وعُبدت في كل هذه المناطق. بل بني معبدا لها في مدينة مُمباي في إيطاليا، ومعابد في روما. واكتشفت تماثيل كثيرة لإيزيس وأوزوريس خارج مصر وصنعت خارج مصر.

تماثيل برونزية
الأمومة بين إيزيس والعذراء مريم

وعقد المؤرخ الأثري مقارنة بين تمثال إيزيس والعذراء مريم. ويقول إن العالم رأى في قصتها وحزنها ووفائها لزوجها وعنايتها لابنها وتربيتها له ليواجه قوى الظلام عمه “ست”، رمز للأم الكونية. وأطلقوا عليها باللاتينية واليونانية ألفاظ استخدمت في الديانات التالية، مثل “أم الإله”، “الأم المتألمة”، “الأم المنتصرة”، “الأم التي لا تهزم”، “نجمة الصباح” وغيرها من الألفاظ التي لقبت بها كأم كونية توارثتها عنها في الحضارة الغربية العذراء مريم.

المدهش أن العديد من هذه التماثيل للإلهة إيزيس التي تمثلها جالسة في أهم أوضاع الأمومة وهو إرضاع الطفل. لأن الحليب يعني الحياة بالنسبة للمصري القديم. كما نراها في المعابد تقوم بإرضاع الملك أي تهبه الحياة والقوة. وهي هنا ترضع طفلها وهو رمز الأمومة والحماية الكبرى للطفل الذي صار ملكا فيما بعد وكل ملك جلس على عرش مصر هو سلف لحورس.

ويوجد الكثير من التماثيل لإيزيس في هذا الوضع، إرضاع حورس. وهو أكثر تمثال شعبية في المنحوتات الشعبية في مصر القديمة. مضيفا أنه في الغالب تمثل إيزيس كبقرة. أي أنه يوضع على رأسها قرني البقرة وبينهما قرص الشمس، لأن من يرضع الملك هي البقرة، وإيزيس الأم هنا كإلهة للسماء. وأطلق على حورس في هذه التماثيل “هاربوقراط” باليونانية أو “حور با غيرت” بالمصرية القديمة أي حورس الطفل.

هذه ليست النسخة الوحيدة الموجودة، حيث يعرض في متحف متروبوليتان الأمريكي للفنون جاليري 130 تمثالا “إيزيس ترضع حورس” أيضا. لكن بحسب وصف الموقع الرسمي للمتحف عن هذه القطعة، فهي ترجع إلى الفترة المتأخرة للفترة الانتقالية الثالثة، ويتراوح عمر التمثال خلال الفترة من 1070-343 قبل الميلاد.

وهو أيضا من البرونزيات. إذ يحمل الوصف أنه تمثالا من البرونز أو النحاس، ودليل اختلافه عن تمثال مجموعة عمر باشا، هي أبعاد التمثال حيث يصل طوله إلى 5 سم فقط وارتفاعه 23.5 سم والقطر 13 سم.

كذلك بمقارنة معلومات التمثالين، تمثال إيزيس في متروبوليتان مُهدى من المليونير الأمريكي “ج. بيربونت مورجان” جامع الأحجار الكريمة، عام 1913. وانضم للمتحف بالفعل باسمه في عام 1917.

اقرأ أيضا

رابع محاولة خلال 7 سنوات.. هل دُفنت نفرتيتي في هيئة رجل؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر