حكاوي

عصا الجنوبي في لوحات المريخي: حواء الضلع المستقيم

عصا الجنوبي ليست مجرد أداة خارجية، هي جزء من القفص الصدري، ضلعٌ مستقيم يعيش خارج الجسد، لكنه لا يفقد صلته باللحم والعظام. إنها العضو المخلوق من أضلاع الشجرة، والمملوء بروح الإنسان.

عصا الجنوبي ليست عكازا يستند عليه عندما يقوم أو يمشي، ليست سلاحا يواجه به عدوان البشر أو الكلاب، ليست مصباحا يقود الضرير، ليست سُلْطةً يهش بها على أغنامه ويسوس بها دابته هي كل هذا وأكثر. عصا الجنوبي هي اللسان الذي يتكلم به، وهي الأذن التي يصغي بها، هي حواء التي تجسدت في ضلع خشبي تسري فيه دماء صاحبه، لا يرقص الجنوبي إلا والعصا معه، هي الأنثى التي صارت رمزا للرجال.

رمزية العصا

الحيُّ اتصال والجماد انفصالٌ، كلما اتصلنا بجماد كلما سرتْ فيه أرواحنا، والجنوبي في حالة وصل دائم مع العصا، يتشبث بها كما تتشبث الروح بالجسد. وهذا التشبث لا يلغي المسافة بينهما، يملأ المساحة الشاغرة ببراعم و أزهار سرية، في العِشرة نيلٌ وخصوبة تتجدد، هكذا تصبح العصا امتدادا للذات، وضلعا في قفص الهوية.

تعجبني العصا في لوحات الفنان علي المريخي. إنه واحد من هؤلاء المنشغلين بعالم الجنوب، والمتأملين في تفاصيله الصغيرة، والمغرمين باكتشاف ما يعيش بيننا ولا نبصره. لقد التقط المريخي هذا الخيط السريَّ الذي يجمع بين الجنوبي والعصا، أخذ يمشي خلفه كما يمشي العاشق المفتون، فباح الخيط بأسراره، صار غصنا وراح يثمر.

جذب الأعين

قام المريخي برعاية العصا عن طريق عدد كبير من اللوحات. لم يمنح العصا أكثر من حجمها، لكن لمساته الفنية منحتها موقعا مركزيا في عين المتلقي، منحتها القدرة على جذب أعيننا على النحو الذي ينقلها من الهامش إلى الصدارة، ومن الخارج إلى الداخل، نتطلع في المشهد الجميل فتأخذنا العصا كما يأخذنا صاحبها، يثيرنا وجودها الذي يقف بنديَّةٍ مع الوجود الإنساني.

العصا تتقدم والمريخي يفسح لها الطريق. يضحي بخلفية اللوحة كي لا تشغلنا وتأخذنا من العصا. يترك الخلفية صفراء في مشاهد كثيرة ربما لتوحي بالمشاوير التي لا تنتهي أبدا، أو بالجدب وترابِ المقابر التي تعيش بعيدا عن النيل.

لوحات المريخي

في عدد كبير من لوحاته تتلاشى الملامح التي تميز الإنسان. لا نجد أمامنا أكثر من جلباب منتصبٍ، وعمامة كبيرة بيضاء، ووجهٍ بلا تفاصيل مميزة. لون الوجه أهم علاماته، لونه في لوحات كثيرة يشبه لون العصا، وكأن اللون يشير إلى شيء واحد، العصا هي الوجه، والوجهُ هو العصا.

وجه العصا يظهر مهما كانت الزاوية التي ننظر منها، أما الوجه الإنساني فيختفي تدريجيا مع نظراتنا الجانبية، يختفي تماما ونحن ننظر إليه من الخلف، الجنوبي الكريم نادرا ما يقابلنا بوجه.

لماذا يختفي وجه الجنوبي كثيرا؟. هل لأنه بعيد وهامشي جدا واختفاؤه تجسيد لاختفائه من قلوبنا. هل يشعر بخجل أو خوف أو غضب ولا يرغب في كشف نفسه أمام عيوننا. أم يريد أن يفسح الطريق كي نصغي لوجه العصا.

قفا الجنوبي يهيمن على المشهد، ظهر الجلباب يمتلئ بمشاعر جارفة، لا تقدر على فضحها عينٌ، أو تكشيرة، أو جبين مجعد، يسكتُ الوجه عن التعبير، لكن الظهر الصامت يحكي ببلاغة عن عذابات مكتومة.

العالم الجواني

لمسات المريخي تجمع بين الإنسان والعصا في أوضاع كثيرة. وتعبر عن صُحبة منزوعة المآرب، لا توجد منفعة من وراء العصا، وفي نفس الوقت لا يمكن الاستغناء عنها أبدا، لأنها امتدادٌ للعالم الجواني. إنها الضلع الذي غادر القفص الصدري ليعيش في الهواء، ويترك في موضعه نافذة تسمح بظهور الغامض والمكتوم.

من الذي يسند الآخر؟ الرجل أم العصا؟ يسند الجنوبي جبهته عليها كي يفكر جيدا وكأنها عقله. يسند صدغه عليها كي يهدأ وكأنها قلبه، يتركها في التراب وكأنها قلم يلعب بحروفٍ سرية. العصا في مشاهد أخرى هي التي تستند على كتف الرجل. أو تنام في حجره مثل الطفل الوليد. العصا هي الرجل والرجل هو العصا.

مشهد مكرر

رجل يجلس في انتظار شيء ما وبرفقته عصاه. المشهد يتكرر، تتغير وضعية الجلوس، يتغير موقع العصا، يتغير لون الجلباب، ويبقى الانتظار ثابتا. مجموعة اللوحات المتفرقة تتوحد في غاية واحدة. وكأننا أما لوحة واحدة ننظر إليها من عدة زوايا، يوجد شخص آخر في كل زاوية لكن تميزه الفردي غائب أو ضعيف جدا. وكأن كل إنسان هو الوجه الآخر لكل إنسان، هويتنا واحدة، جروحنا واحدة، مصيرنا واحد كالأرض التي نعيش فيها. هكذا تقول العصا بمنتهى الرقة والبساطة والهمس الشفيف.

لا يوجد الجنوبي بمعزل عن الآخرين. هم امتداده وهو امتدادهم، ولهذا يحمل أكثر مما يحمله الفرد الواحد، إنه أقوى بالمجموع من كل فرد، وأكثر هما من كل فرد ـ والعصا واحد من تلك المفردات التي تعبر عن الوحدة، ولا تجعل الانتظار عبثيا. فكل إنسان ينتظر شيئا ما، قد يدركه وقد لا يدركه، وهذا الانتظار دافع من دوافع الوجود لا العدم.

حالات مختلفة

حالات الانتظار مختلفة، ولا تعبر عن شخص واحد. لكلِّ نفس عالمها الخاص، ومع ذلك تتضافر كل اللوحات لتعبر عن حالة واحدة. حالة شديدة الصلابة قام الفنان بتفتيتها وتوزيعها على أشخاص. حالة تحمل الفردي والإنساني بشكل عام لكنها تضع الهوية الجنوبية في الصدارة.

الهوية الجنوبية كما تتجسد في العصا والعمامة والجلباب تلعب دورا فنيا. لا توجد هنا من أجل اعتزاز المريخي بها فقط، أو في إطار بحثه عن خصوصيته، بل تمنح الانتظار الإنساني قيمة، ولا تجعله عبثيا مهما كان طويلا وشديدا.

انتظار عميق

لا نعرف ماذا ينتظر الجنوبي. ومنذ متى ينتظر. وإلى متى. كل ما نعرفه هو الانتظار العميق مثل حفرة بلا قرار، الانتظار الشاهق مثل قمة لا آخر لها.

عرف الجنوبي الشبع كما لم يعرفه سواه. وعرف الجنوبي الجوع كما لم يعرفه سواه. وها هو يعرف انتظارا عجيبا، فيه من اليأس قدر ما فيه من الأمل، وفيه من الألفة قدر ما فيه من الضجر.

لا يظهر الجنوبي إلا وهو يرتدي ملابسه النموذجية. وكأنه يظهر أمام الأغراب، إنها ملابس المناسبات والطقوس، ملابس المكانة الثابتة التي يتمتع بها الجميع. شبعان حتى لو لم يذق الزاد، عفيٌّ حتى وهو مريض.

في انتظاره شيءٌ شعائري، فيه واجب ومسؤولية بقدر ما فيه من رغبة وبحث عن غنيمة. ينتظر الجنوبي منذ فجر التاريخ، وحتى آخر التاريخ. قد ينتظر نهايته ونهاية العالم، لكنه لا يعرف العبث.

اقرأ أيضا

أبوفياض: خط الصعيد الجديد بين نار الدولة وجنة القبيلة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى