أصل و فصلثقافة وتراثحكاوي

عروسة وحصان.. "المولد زمان" في دشنا

مع اقتراب نسمات شهر ربيع الأول مبشرة بحلول المولد النبوي الشريف، يتسابق المتصوفة والأهالي بدشنا بالمشاركة  في إحياء الذكرى العطرة، والتي تنطلق في غرة ربيع من مقام وضريح الشيخ جلال الكندي، وتنتهي إليه أيضًا في 12 من ربيع بخروج “توب” الشيخ مرسلًا السلام والتحية لرسول الله.
وتتنوع مظاهر الاحتفال بالمولد ما بين تهافت الصغار على شراء الحلوى، وركوب المراجيح وحلقات الذكر والإنشاد، وطواف الدراويش بين الساحات للفوز بنفحة المولد.
وتزامنًا مع قرب موعد الاحتفال يسترجع عدد من أهالي دشنا ذكريات المولد، منذ ما يقرب من خمسين عامًا، مؤكدين أن مذاق الاحتفال كان مختلفًا وقتها، حيث اعتبرت مناسبة المولد أشبه باحتفال قومي شعبي يشارك فيه الجميع دون استثناء.


مولد بلد
يروي حمدي عبد الهادي، 58 سنة، موجه تربوي، أن المولد قديمًا كان لكل البلد، بمعنى أن الجميع يحرص على المشاركة فيه، سواء بالمساهمة المادية أو التنظيمية وكذلك الحضور اليومي، موضحًا أن كبار العائلات كانوا مسؤولين عن تجميع نفقات المولد من أقاربهم والوقوف على عمليات الإعداد والتجهيز وحضور فعاليات المولد اليومية ومقابلة الضيوف.
ويشير إلى أن حجم زوار المولد في ذلك الوقت كان يحسب بالآلاف، حيث كان يحضر أهالي القرى في شكل تجمعات كبيرة، وكان الإقبال كبيرًا على شراء الحلوى، والتي كانت تصنع يدويًا في المنازل، وكان مذاقها أفضل كثيرًا من الحلوى الحالية والمصنعة بشكل آلي.
ويلمح عبد الهادي إلى أن المنازل كانت تشترك مع الساحات والمنادر في الاحتفال، فكانت كل مجموعة من السيدات يقمن بطهو بعض الطعام، مثل النابت أو البليلة وتوزيعه على الجيران ابتهاجًا بالذكرى.
وينوه عبد الهادي بأن المولد فقد الكثير من رونقه السابق، حيث كانت تقام كل ليلة مديح، وتستمر حتى الصباح.


نفحات
علي عبد المعين، 55 سنة، خليفة رفاعي، يشير إلى أن الملمح الأبرز في المولد قديمًا، كان مشاركة جميع أبناء الطرق الصوفية دون استثناء في حضور فعاليات المولد، كما كان الحضور قاصرًا على كبار السن، حيث كان الشباب يستحي التواجد في حضور الكبار.
ويشير عبد المعين إلى أن محيط المولد كان أكبر بكثير من الآن، حيث كانت الساحة الرياضية المقابلة لمقام الشيخ جلال منطقة فضاء ومفتوحة على الضريح، وكانت تكتظ بباعة الحلوى والمراجيح وبائعي السبح والعطور، لافتًا إلى أنه في ذلك الوقت لم تعرف الخدمات مثل الآن.
وكانت الخدمة الوحيدة التي تقدم الطعام يوميًا هي خدمة الشيخ جلال، أما بالنسبة للعائلات فكانت كل عائلة تتعاقد مع أحد أصحاب “المخانات” “بوفيهات لصنع الشاي”، ليقدم المشروبات للزوار، وأحيانًا كان يتم إعداد بعض النابت أو الحمص ويوزع على الضيوف.
ويلمح عبد المعين أن البيوت كانت ترسل في طلب بعض من نفحة المولد، سواء كان نابت أو حمص، ليس طلبًا للطعام، ولكن لاعتقادهم بأن طعام المولد فيه شفاء من الأمراض.


عروسة وحصان

“مش قادر أنسى شكل العروسة الحصان، من جمالهم تحس أنهم عرايس في ليلة الفرح”.. بهذا التعبير استهل بهيج عثمان، صاحب الـ 55 عامًا، موظف، سرد ذكرياته عن المولد في دشنا، مشيرًا إلى أن الاحتفال الشعبي بالمولد، كان يتمثل في شراء واقتناء العروسة للفتيات والفارس على الحصان للأولاد.
وتوضع العروسة أو الحصان في مكان مرتفع وبارز بالمنزل طوال أيام المولد، وإذا ما انقضى المولد وطلع التوب – على حد تعبيره – تسابق الأطفال لكسره وأكله.
ويشير عثمان إلى أن الموكب النهائي، كان يطوف جميع المقامات والأضرحة بدشنا، وكان يصحبه رجال الشرطة والمطافئ والإسعاف، وكان يشمل جميع أبناء الطرق الصوفية وأصحاب المهن والحرف المختلفة، وكلما ممرنا بمكان تلقى علينا الحلوى من المنازل ونسمع زغاريد النساء القادمة من على أسطح المنازل.
ويلمح عثمان إلى أن الموكب كان يتقدمه شيخ البلد، راكبًا الحصان بجواره نقيب الشيخ جلال فوق الجمل، ومن حولهم الدفوف والمزمار البلدي ولعبة التحطيب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى