عرض لكتاب.. 101 أسطورة توراتية

كتب – مارك أمجد
حينما نقول كلمة توراة نقصد بها أول خمسة أسفار من الكتاب المقدس: تكوين، خروج، لاويين، عدد، تثنية. وليس هناك من ثقافة لم تستمد من التوراة إنتاجها الفني. بداية من هوليوود في أفلامها: أمير مصر والخروج ونوح. وفي الشرق أيضا: إذ وجد كثيرون تشابها كبيرا بين شخصية فيلم المهاجر ليوسف شاهين وقصة سيدنا يوسف، كذلك ربط القراء بين شخصية جبل في رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ وبين شخصية سيدنا موسى. لكن ما الذي كان سيسمح بكل هذه الاقتباسات الشاعرية، إن لم يكن الكتاب الأصلي ممتلئ على آخره بعديد من القصص التي تبدو من فرط إلهامها وكأنها أساطير؟!
هذا بالضبط ما فكر فيه جاري جرينبرج عام 1999 حينما نشر كتابه الذي أعاد أنظار البشرية لأقدم شريعة سماوية، بشكل جديد: أساطير التوراة: كيف ابتدع الكتبة القدماء التاريخ التوراتي. وقد أتت هذه التجربة الثرية بعد واحدة لم تكن أقل منها خطورة وأهمية: لغز موسى: الأصل الأفريقي للشعب اليهودي. ومن هنا نستنتج أن كتاب أساطير التوراة لم يكن تجربة متخبطة من المؤلف في اقتحام هذه المنطقة الضبابية.
يقول جرينبرج في مستهل كتابه: يلجأ البشر لقراءة الكتاب المقدس لأسباب شتى. فبعضهم يبحث عن الهدى والرشاد في حكمه المبطنة. وبعضهم يسعى لتذوق فنه الأدبي الذي يعد من أجمل ما كُتب في السرد والشعر المرسل. ولم يزل البعض الآخر يرى فيه صورة من صور التاريخ المكتوب عن جذورنا الحضارية. فيما يرنو له الكثيرون لتبصر أحوال حضارات غابرة ومطالعة حياة شعوبها.
لكن الكتاب المقدس، يظل بالنسبة للملايين، كلمة الرب المعصومة من الخطأ، التي يجب إطاعة وصاياها بكل تقوى والتي لابد لتعاليمها أن ترشدنا لتنظيم مجتمعنا. مع ذلك فهناك من يدرسون علوم الكتاب المقدس لأهداف بحثية ترمي لتحديد شخصيات كتبته وعصور كتابته وما فيه من وقائع حقيقية وكيفية تحولها للشكل الحالي. بالنسبة لهؤلاء تبدو تلك المهمة كأنها مجموعة معقدة من الأحاجي التي يبقى معظمها مستغلق على الحل.
يتتبع الكاتب خط زمني لدراسة الكتاب المقدس، فيتنقل بين عصر التكوين (الخلق)، لعصر الطوفان (نوح)، لخروج اليهود من مصر، لدخول كنعان، لعصر حكم القضاة، لعصر الملك شاوول، لعصر الملك داود، لسليمان، لانقسام إسرائيل ويهوذا إلى مملكتين. ويقسم الأساطير التوراتية إلى ثلاث فئات: أساطير الخلق، وأساطير آباء إسرائيل وأساطير الأبطال.
مثال.
الأسطورة رقم (36) من أساطير الخلق:
فسدت الحياة على الأرض فوجب إهلاكها.
الأسطورة: وفسدت الأرض أمام الله، وامتلأت ظلما. فقال الله لنوح نهاية كل بشر قد أتت أمامي.
الواقع: تجمع فكرة فساد الأرض وإهلاكها ما بين شكل من أشكال الأسطورة المصرية المستقاة من كتاب البقرة المقدسة  The Book of the Diving Cow والقصص البابلية حول إغراق البشر. حيث يعرض البقرة المقدسة موقفا مشابها يثور فيه البشر على سلطان (رع) فوجه لهم انتقامه، وبإيعاز من (نون) تجسد الطوفان البدائي. أما النسخة البابلية من قصة الطوفان فتوضح سببه الأكبر: أن البشر صاروا مصدر إزعاج للإله فأبادهم بالطوفان.
وخلاصة نظرية المؤلف، أن قصة الطوفان وغيرها من قصص أخرى كثيرة في البنتاتوك (الصحاف الخمسة)، ما هي إلا مزيج من مقتطفات لأساطير أخرى قديمة، دمجها كتبة التوراة ليصنعوا منها كتابهم المقدس!
الكتاب صادر باللغة العربية عن دار العين للنشر عام 2013 في 306 صفحة من القطع الكبير، مزود بخرائط مفصلة للعالم التوراتي والتوزيع الجغرافي لأسباط إسرائيل بعد الغزو الكنعاني. ترجمته دينا السيد عبدالرؤوف إمام، وراجعه دكتور منير موسى.
جاري جرينبرج يعمل كمحام ورئيس لمجتمع علوم الآثار الإنجيلية في نيويورك. وهو الآن رئيس تحرير مجلة بازني BASNY؛ رسالة إخبارية عن الآثار.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى