عرض رواية “العراب” لماريو بوزو

كتب- مارك أمجد

تعد ثلاثية فيلم “العراب” من إخراج فرانسيس فورد كوبولا، إنتاج عام 1972 من أشهر الملاحم التي ميزت القرن العشرين في السينما الهوليودية.

وكعهد السينما الرصينة، كان الفيلم يقف خلفه نص أدبي أكثر متانة وأوسع عمقا، فهو ليس مجرد قصة مثيرة عن عائلة “دون كورليون” الإيطالية التي تقطن أحد أحياء الولايات المتحدة واتخذت من تجارة زيت الزيتون ستارا لأعمال المافيا الإجرامية التي تقوم بها، بل تعد الرواية رصدا لحالة التفسخ التي مرّ بها المجتمع الأمريكي في ذلك الوقت، خاصة مع إنهاكه بفعل الحرب العالمية الثانية وتعرضه لضربات مزلزلة من قبل العدو مثل حادث تفجير ميناء “بيرل هاربور” الشهير.

أي يمكننا القول أن تنامي تلك العصابات الإيطالية في أمريكا وتضخم نفوذها كانت ضريبة لانشغال المؤسسات بالحرب الخارجية وعدم التفاتها للحروب الداخلية الصغيرة التي تديرها عائلات المافيا.

وفي إحدى لحظات الزهو الخاصة بزعماء هذه العصابات، يخيل لهم أنهم أكثر حكمة ورزانة من الحكّام، ولو كانت الأمور بأيديهم لما أقحموا أمريكا وشعبها في مثل هذه الحرب الخاسرة.

ترصد الرواية كيف استطاع زعماء المافيا أن يبسطوا نفوذهم في كافة مؤسسات المجتمع الأمريكي؛ من القضاء للشرطة للكونجرس للسينما ولجان تحكيم الأوسكار، وكان ذلك يتم بمقايضة الخدمات والمصالح، فأنا اليوم أسدي لك خدمة مقابل أن تظل مدينا لي بها طوال حياتك، حتى يأتي ذلك اليوم، ولا نعرف متى يحل، فأستدعيك وأطالبك بما قدمته لك.

هذا هو المبدأ الذي كان يتعامل به دون كورليون مع كل من يقصدونه: رجل إيطالي تعرضت بنته للاغتصاب ولم تحقق له المحكمة الأمريكية صورة العدالة النزيهة، مغني وممثل له شعبية كبيرة لكنه تورط في علاقات متعبة وأدمن الشراب وتشاجر مع منتجه الذي انتهى به المطاف أن يحرمه من بطولة الفيلم الجديد.

تاجر صقلي يطمح في إدخال تجارة المخدر داخل الأسواق الأمريكية كي يتعاطاه الشباب فيحقق مكاسب أعلى من أعمال البلطجة والسرقات… أيا كان مقصدك الانتقامي أو الشرير أو غير الشرعي فعليك أن تلجأ للدون وهو بوساطاته وعلاقاته يستطيع أن يقدم لمديونيه عروضا لا يستيطعوا تفويتها كي يتخلصوا من حمل دينهم الثقيل الذي استلفوه يوما منه.

عن الشخصيات:

كما رأينا بالفيلم، فالرواية شخصياتها إيطالية أصيلة تنضح بوعي وثقافة مختلفين عن الوعي الأمريكي. فالرجل الإيطالي مثلا لا زال يحتفظ بالأفكار الريفية البدائية مثل شرف البكارة وتأخر الفتاة عن المنزل ومواعدتها لهذا الشاب أو ذاك، كذلك المرأة الإيطالية فهي تعامل زوجها مثل ربها ونلاحظ ذلك في زوجة دون كورليون نفسها التي ظلت طوال سنوات زيجتهما محتملة لرجل يدير أكبر مافيا بالبلاد.

الاحتمالات السيئة كثيرة، قد تستيقظ يوما فتجد زوجها ميتا أو مسجونا أو الأنكى أن ينتقم أحد خصوم الأب بتنكيله بالابن، والغريب أن كل هذه الفظائع المتوقعة تحدث بالفعل، وتفقد السيدة ابنها ويُطلق النار على زوجها ويضطر ابنها الأصغر ميخائيل للهرب لصقلية للاختفاء هناك بعد أن قتل نقيبا، ومع ذلك تظل على ولائها للدون، وفي أحد مشاهد الرواية نجدها تدعو له بأن يموت في أقرب فرصة وأن يصعد بعدها للسماء عند ربه، لأنه بعد كل شيء زوجها الذي لم يكن هناك من هو أحن منه عليها.

جانب آخر تكشف عنه صفحات الرواية، وهو أنه رغم غطرسة أسرة دون كورليون وأعمالهم الإجرامية فهم يقدسون بعض الخطوط الحمراء الدينية، مثل قداس الأحد الذي تواظب عليه الماما، واحترام الدون لعلاقته بابنه بالمعمودية، وهو مستعد ليخوض أي مغامرة في سبيل حمايته وتوفير فرص أفضل له.

أيضا التزامهم ببعض القوالب الأخلاقية أو العُرفية: فالدون له ابنة يضربها كل يوم زوجها لدرجة أنه شوه وجهها، وحينما صارت تلجأ لإخوتها كي يحمونها اقترح أحدهم قتل زوجها، لكن دون كورليون يرفض الفكرة مجرد رفض دون امتعاض، لا لأن القتل فعل مشين، بل لأنه لن يقبل أن يكون له حفيد بلا أب.

ماريو بوزو:

الحقيقة أن المؤلف قدم صورة عميقة التفاصيل والأبعاد للجيتو الإيطالي الصغير داخل المجتمع الأمريكي الهائل، ولكن ذلك الجيتو حجمه لم يعارض مدى تأثيره على السياسات والمصائب والتجارة والفنون الأمريكية. ومثلما يقول البعض أنه لا يمكن لقارئ أن يتعرف على الشخصية المصرية إلا من خلال روايات نجيب محفوظ، فيمكننا القول أنه لا يمكن التعرف إلى الشخصية الإيطالية إلا من خلال أعمال ماريو بوزو.

يبسط بوزو أحداثه وشخصياته المفعمة برائحة السباجيتي والدم والويسكي وعطور فتيات صقلية دون أي تدخل منه. ورغم فضح بوزو للجان تحكيم الأوسكار التي كانت تتعرض لرشاوى مالية وجنسية، وكيف استغل الدون هذه الفكرة، نجد المؤلف بعد سنوات من كتابته هذه الرواية القاسية يحصل على جائزة الأوسكار.

الرواية صدرت الطبعة الأولى منها عام 1969 وتم تحويلها لفيلم سينمائي عام 1972 فحصل على ثلاث جوائز أوسكار ورُشح لـ 28 جائزة، ثم صدرت الرواية بالعربية عن دار الآداب ببيروت في 400 صفحة من القطع المتوسط، بإنجاز مجموعة من المترجمين، وبغلاف يحمل صورة الممثل الشهير الذي لعب دور الدون كورليون: مارلون براندو.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى