عبقرية المثل الشعبي: رمزية الأيدي النجسة

نتغنى بحفاوة الثقافة الغربية بقيمة العمل، ونحسبها أساس تقدمها الاقتصادي، وندين أنفسنا في الغالب لأننا لا نجاريهم في الشعور بقيمة العمل. ومنا من يذهب إلى أن ثقافتنا هي السبب، وإلى أننا شعوب كسولة بطبعها. وعلينا أن نقبل موقعنا الهامشي على خارطة الإنتاج العالمي.

الثقافة الغربية المعاصرة لا تبلغ ـ في الحقيقة ـ مدى ما وصلت إليه ثقافتنا الشعبية من احترامها للعمل. ويكفي أن الغاية من العمل عندنا هي بلوغ الطهارة. فالإنسان لابد وأن يعمل باستمرار وفي كل الأحوال. حتى الفرد الذي يمتلك ثروات مادية هائلة، يصبح نجسا إن لم يعمل، يقول المثل الشعبي: “الإيد البطالة نجسة”.

ثقافتنا الشعبية تضع العمل في ضوء ثنائية الطاهر والنجس. وهو تتجاوز في فعاليتها وعمقها وثرائها ثنائية الناعم والخشن التي راح بعض المثقفين ينظرون من خلالها إلى العمل. كما هو الحال مع توفيق الحكيم في مسرحيته “الأيدي الناعمة” التي تحولت إلى فيلم شهير.

**

غاية العمل هنا هي الطهارة. وهو بهذا المعنى يخرج عن نطاق المردود المادي ولا ينكره بالطبع، لكنه يحتويه ويتجاوزه في نفس الوقت. المثل الشعبي يحتفي بالمادي لكنه لا يفصله عن الروحي.

دلالة العمل هنا أوسع من ربطه بفئة العمال كما يحددها مفهومٌ مثل مفهوم الطبقة العاملة، أو الشرائح الدنيا أو الفقيرة، العملُ في ثقافتنا الشعبية مقام إنساني عابر للطبقات. كل الطبقات يجب أن تكون عاملة، والطهارةَ تتحقق بغض النظر عن طبيعة العمل. كما أن أموال الدنيا لا تغسل يدا من النجاسة، طالما أنها لا تعمل.

ثلاث كلمات تلخص تصورات الجماعة الشعبية بعبقرية فذة. وتحرضنا على التعامل معها كما لو كانت ثلاثة رموز تحتوي على خبرات القرون. وكي نستوعبها جيدا علينا النظر إليها في ضوء المنظومة الشعبية التي تتجسد في أمثلة أخرى تكشف وتعمق وعينا بالكلمات الثلاث.

1ـ رمزية اليد

لقد اختار المثل الشعبي كلمة اليد ليعبر بها عن الإنسان. وهذا الأمر يتكرر كثيرا في الأمثلة الشعبية مثل:

“اِلإِيدِ التَّعْبَانَهْ شَبْعَانَهْ”

كلمة اليد هنا تساوي كلمة النفس. أي أن المبدع الشعبي عبر عن الكل بالجزء، و أي جزء من أجزاء الجسد الإنساني يمكن استخدامه في التعبير عن الكل، لكن اختيار الجزء يخضع إلى أهميته في السياق. فالعين مثلا تعبر عن الجاسوس بشكل أفضل لأن هويته ترتبط بالنظر، والرقبة تعبر بشكل أفضل عن الأسير، وهكذا. اليد هنا رمز للعمل، واختيارها لتعبر عن الهوية الإنسانية يطرح تصورا للعمل بوصفه السلوك الذي يحدد هوية الإنسان.

وترد اليد كثيرا في الأمثلة الشعبية. وتأتي غالبا في سياق التعاون والتكافل والنجاح الجماعي مثل:

إِيدْ وَاحْدَهْ مَا تْسَقَّفْشْ.

إِيدْ عَلَى إِيدْ تِسَاعِدْ.

البركة في كُتر الأيادي

إِيدْ عَلَى إِيدْ تِرْمِي بْعِيدْ

إِيدْ عَلَى إِيدْ تِكِيدْ

نلاحظ هنا ارتباط اليد بالفردية وهو يؤدي إلى العقم أو  الفشل. كما في المثل الأول، فالتصفيق وهو علامة من علامات النجاح لا يمكن أن يتم بشكل فردي. كما نلاحظ الدرجات المختلفة لاجتماع الأيدي، وهي تبدأ من المساعدة، وتتحرك نحو البركة، والانطلاق إلى آفاق بعيدة، وصولا إلى الكيد الذي يبلغ بالنتيجة حد السحر.

2ـ رمزية البَطَالة

البَطَالة في الثقافة الشعبية رمز الخطر. وهي الحد الذي تتحقق إنسانيتنا بالبعد عنه، يقول المثل الشعبي:

“اللعب بالقطط ولا البطالة”.

النظر إلى اللعب بالقطط باعتباره عملا  نظرة شعرية لطيفة. وهو يفتح المجال للعمل ليستوعب كل الأنشطة البشرية غير الضارة، لكنه يحمل نوعا من التصنيف. فاللعب بالقطط يسبق البطالة بخطوة واحدة، والثقافة الشعبية بشكل عام تربط العمل بالشقاء والتعب. أي أن الطهارة تتحقق بدرجة أكبر وفقا لمقدار التعب.

أيُّ فعلٍ إنساني مهما كان بسيطا وصغيرا له قيمته، فالبطالة نقطة الصفر التي يبدأ بعدها النزول إلى أسفل سافلين، ويظهر ذلك بشكل غير مباشر في أمثلة شعبية أخرى، مثْل:

“اِلإِيدْ اللِّي تِتْمَد وَلَا تِضْرَبْشْ تِسْتَاهِلْ قَطْعَهَا”.

المثل هنا لا يذكر البطالة بشكل مباشر. لكنها تستوعب كل حركة لا يتم القيام بها في وقتها، أي لحظة وجوب القيام بها، ومد اليد يعبر عن قرار بالضرب يتم إجهاضه أو وقفه. والمثل الشعبي لا يحرض على العنف لكنه يدين الجبن والتردد والنكوص وكل هذه المعاني تدخل في نطاق رمزية البطالة التي تستوعب كل دلالات الضياع والخسران. والمثال الشعبي يتجانس مع دلالات البطالة كما نجدها المعاجم،. حيث نقرأ في تاج العروس:

بَطَلَ الشيءُ ذَهَب ضَياعاً وخُسْراً ومنه قولُه تعالَى: وَبَطَلَ ما كَانُوا يَعْمَلُونَ. وقولهم: بَطَل دَمُه: إذا قُتِل ولم يَحصُلْ له ثَأْرٌ ولا دِيَةٌ. والباطِلُ: ضِدُّ الحَقِّ، والباطِلُ: الشِّركُ، وبه فُسِّر قولُه تعالَى: وَيمْحُو اللَّهُ الْباطِلَ. والباطِلُ: إبْلِيسُ، والتَّبْطِيلُ: فِعْلُ البَطالَة، وهي اتِّباعُ اللَّهوِ والجَهالة.

دلالات البطالة كلها سلبية. حتى كلمة البطل التي نستخدمها بدلالات إيجابية لا تبتعد كثيرا عن المصدر الذي يأتي منه الباطل. حيث “قِيل للشّجاع المُتَعرِّضِ للموت: بطلٌ لأنه تَبطُلُ عِندَه دِماءُ الأَقْران فلا يُدْرك عنده من ثأر، أو لأنه يُبطِلُ دَمَ مَن تَعرَّض له بسُوءٍ.

وهكذا تلتحم الدلالات اللغوية للبطالة بدلالات المثل الشعبي، لتصبح الكلمة رمزا للشر في تجلياته المختلفة.

3ـ رمزية النجاسة

النجاسة وفق المثل الشعبي جزء من التركيبة البشرية. ولا يتم تجاوزها إلا بالعمل، وهذا التجاوز هو الذي يحقق الرقي الإنساني. ولا يعني هذا أن الإنسان مخلوق نجس، لا، البطالة تشبه الدم، فهو طاهر طالما كان يسري في العروق، لكنه يصبح نجسا عندما يخرج منها، والبطالة طاهرة طالما كانت في المجرى الطبيعي لها كما تتجسد في حالة النوم أو الراحة من  التعب حيث تبعد صاحبها عن الهلاك. لكنها تتحول إلى نجاسة عندما تخرج عن مجراها الطبيعي، عندما تتحقق وقت العمل.

العمل رمز لارتفاع المكانة، والنجاسة رمز لانحطاطها، ويظهر هذا في ربط النجاسة بأقرب الأشياء إلى الأرض يقول المثل الشعبي:

“لِسَانُهْ زَيِّ مْقَصِّ الْإِسْكَافِي مَا يِفْتَحْ إِلَّا عَلَى نَجَاسَةْ”.

الحديث هنا عن الإنسان السبَّابِ البذيء، ولسانهِ الذي يشبه المقصَّ لشدة تأثيره. وما يعنينا هو ارتباط النجاسة بالحذاء، والحذاء المتهالك تحديدا، والذي بات لكثرة احتكاكه بالتراب في حاجة  للعلاج على يد الإسكافي. والحذاء كرمز لانحطاط المكانة، يتحقق في مظاهر كثيرة، مثل اختيار الضرب بالحذاء تأكيدا على المهانة. أو “تقبيل الحذاء” تعبيرا عن منتهى الخضوع والإذلال.

النجاسة أيضا رمز للأذى والعدوان والعنف. يقول المثل الشعبي وهو يعلق على استغراب أو اندهاش أحد المصابين:

“مَا تِسْتَكْتَرْشِ الرَّفْصْ عَلَى الْبَغْلِ النِّجِسْ”.

من السذاجة انتظار الخير من النجس. أو الاستهانة بقدرته على الأذى. فالبغل النجس أي البغل الرديء، أو الذي لم يروَّض، وما زال يحتفظ بطباعه الوحشية، لن يتوقف عند حدود الرفس، ويمكن أن يُلقي براكبه ويقتله.

وهكذا يبقى النجس نموذجا للشر والأذى، يقول المثل الشعبي:

“خُدْ مِنِ النِّجِسْ ضَرْبِةْ حَجَرْ”.

أي لا تنتظر من النجس غير ضربة الحجر، وهنا تتجلى العبقرية الشعبية. وهي تربط النجاسة بالعنف ربطا آليا، فاليد البطالة ليست عنصرا محايدا أو خاملا لا ينتج شيئا، اليد البطالة تنتج العنف كما تنتج الجوع.

وتتغنى الثقافة الشعبية بالمصير السيء للنجس يقول المثل الشعبي:

“الحُمَار النِّجِسْ يُقَعْ فِي أَنْجَسِ التَّلَالِيسْ”.

**

ولا يقتصر مفهوم النجاسة على فئة معينة، فلا فضل لأبيض على أسود في النجاسة، يقول المثل الشعبي:

“اِلْأَبْيَضْ فِي الْكِلَابْ نجِسْ”.

أي: كلهم في النجاسة سواسية، لا فرق بين الأبيض والأسود.

وإذا كانت صورة القتيل تثير الشفقة، وترتبط عادة بالشهادة. إلا أن المثل الشعبي يفرق بين القتلى على أساس أداة القتل. فالأداة الشريفة تؤدي إلى قتيل طاهر، والأداة الوضيعة تؤدي إلى قتيل نجس، يقول المثل الشعبي:

“اِللِّي يَاكْلُهْ السَّبْعْ وِيْطَهَّرُهْ أَحْسَنْ مِنِ اِللِّي يَاكْلُهْ الْكَلْبْ وِيْنَجِّسُهْ”.

الموت نفسه ينقسم إلى طاهر ونجس وفق طريقة الموت. فالمقتول عن طريق السبع طاهر، والمقتول عن طريق الكلب نجس.

هكذا تأخذنا نجاسة اليد التي لا تعمل إلى تصور عميق للعمل الإنساني. حيث يظهر بوصفه غاية، لا مجرد وسيلة للحصول على ربح مادي فردي. فالفائدة عامة بالأساس حتى لو ذهب الأجر في جيب الأجير، وهو لا يعالج فقط مشكلة الطعام وتلبية الحاجات الضرورية. بل يعالج أيضا مشكلة العنف بشكل غير مباشر. وهو مسار بديل لتصريف طاقة العنف البشري، وتضييق نطاقها، العمل باختصار هو الماء الإنساني الذي يقوم  بتطهير العالم من النجاسة، غاية في حد ذاته، وأفقٌ لتفتح الذات الإنسانية وتحققها.

اقرأ أيضا

«عادل صابر» بين مطرقة مدحت العدل وسندان أكرم حسني

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى