«عادل صابر» بين مطرقة مدحت العدل وسندان أكرم حسني

يمكننا التغاضي عن خصومة بين شاعرين بسبب النزاع على ملكية قصيدة، فما لدينا من القضايا أكبر وأخطر وأشد، لكن القطرة تدل على المحيط أحيانا. وفي المشكلات الصغيرة كثيرا ما تنعكس المشكلات الكبيرة بشكل أو بآخر.

هذا ما حدث في النزاع القائم بين الشاعر عادل صابر والفنان أكرم حسني. والموضوع بسيط قياسا بما في حياتنا من مشكلات، لكنه يكشف عن الكثير من أمراض المناخ العام، مثل توحش المركز على الهامش، وقهر البعيدين عن شبكة المصالح، وتحول الضحايا إلى مجرمين في لحظة، وغيرها. ويكفي أن الشاعر عادل صابر يعيش في قريته البعيدة خائفا يترقب لأنه تجرأ وقال: “أخذوا كلماتي”.

**

بدأت المشكلة مع ظهور أغنية محمد منير الجديدة، والتي قام بتأليفها وتلحينها الفنان أكرم حسني. حيث قام المطرب محمود المنسي باتهامه بسرقة اللحن من أغنيته “ولد الهلالية” التي طرحها عام 2017. كما قام الشاعر عادل صابر، باتهامه باقتباس كلماته. وقد تم تجاوز مشكلة اللحن مع اعتراف الفنان باقتباسها لأنها تنتمي إلى الفلكلور ولا صاحب لها كما يقول، وقام موقع اليوتيوب بحذفها حفاظا على حقوق الملكية، وظل النزاع على الكلمات قائما.

تقول الأغنية التي كتبها أكرم حسني:

سألته هل داء الولع، كان الجواب صدّه

ساق الدلال، ساق الدلع، مفاتيح هواه صدّوا

ومشيت أوشوش في الودع ولا جاني ليه ردّه

اللي فتح باب الوجع واجب عليه ردّه

السطر الأخير يرد في موال للشاعر عادل صابر يقول فيه:

صنف الطحين يتعرف ويبان من رده

و إن كان سؤالك قبيح حيبان من رده

كل البلايا لابد يكون لها أسباب

واللي فتح باب خراب.. واجب عليه رده.

منير
منير
**

أمام التطابق الواضح في السطر الأخير، راح الشاعر عادل صابر يلفت الانتباه، ويصف الأمر بالاقتباس، ويفتخر بأن كلماته أعجبت الكنج محمد منير. الأمر الذي يعني أن إقامته في قريته في أقصى الصعيد بعيدا عن شبكة المصالح هي السبب في بعده عن الشهرة والأضواء، وكل هذا عادي، ويمكننا تجاوزه. لكن الأمر الذي يصعب تجاوزه هو تحول شكوى الشاعر إلى كابوس، بعد أن أعلن المتهم قيامه باتخاذ الإجراءات القانونية ضد الشاعر المجني عليه. وذلك بعد أن وجد دعما كبيرا من عدد من أصحاب السلطة الثقافية والإعلامية في البلاد، ومنهم الدكتور مدحت العدل رئيس جمعية المؤلفين.

لقد قامت الإعلامية لميس الحديدي باستضافة الفنان أكرم حسني من أجل إثارة القضية، وغاية اللقاء كانت واضحة، وهي تبرئة الفنان المشهور من التهمة. ووصل الأمر حد إدانة الشاعر المجني عليه صراحة، واتهامه أكثر من مرة بالعنصرية، لأنه طالب بتحكيم عادل، يستوعب الفرق بين فضاء المدينة الذي تنطلق منه الأغنية وفضاء الصعيد الذي ينطلق منه مواله المسروق.

**

لم تجد لميس الحديدي أفضل من رئيس جمعية المؤلفين والملحنين، الدكتور مدحت العدل، لكي يقول كلمة الفصل في النزاع، وقدمته تقديما رائعا باعتباره أكثر الناس دراية وحرصا على ملكية الحقوق الفكرية. وقد أصدر الدكتور حكمه القاطع بعدم وجود سرقة على الإطلاق، وهو حكم خاطئ، ولا علاقة له بالعلم أو الموضوعية.

سألت المذيعة بكل وضوح: “متى نقول هذه الكلمات مسروقة؟”

أجاب العدل: “مافيش قانون ما في الشعر بخلاف الموسيقى”.

إجابةُ رئيس جمعية المؤلفين خاطئة، وظالمة، لأنها تتجاهل بابا واسعا في النقد العربي بعنوان السرقات الشعرية. حيث قام جهابذة النقد بتناول الموضوع، وخرجوا بمجموعة كبيرة من القواعد التي تجيب على سؤال المذيعة “متى نقول هذه الكلمات مسروقة”.

الإجابة ظالمةٌ لأن المشاهِد سوف يعتقد بأن الواقعة بعيدة عن مجال القوانين والقواعد والأعراف. وهي بالتالي ليست جريمة، والحديث حولها تافه، ولا علاقة له بالحقوق.

**

لقد قسم المختصون موضوع السرقات الأدبية إلى أقسام كثيرة، لا يسمح المجال بعرضها، ولحسن الحظ فإن قضيتنا بسيطة لا تحتاج إلى جهد فني كي يضعها في القسم المناسب. لأنها تأتي في أوضح الأقسام والمعروف باسم “أخذ اللفظ ومعناه معا”. وهو يتكون من عدة حالات. ويقول ابن وكيع إن هذا القسم هو أقبح أقسام السرقات، ويستشهد بواقعة  قديمة جدا، تشبه حكايتنا. حيث يقول امرئ القيس:

وقوفاً بها صحبي عليّ مطيّهم

يقولون لا تهلك أسى وتجمّل

نفس البيت نجده حرفيا باستثناء كلمة واحدة عند طرفة حيث يقول:

وقوفاً بها صحبي عليّ مطيّهم

يقولون لا تهلك أسى وتجلّد

الفارق هنا كلمة واحدة، هي كلمة “تجلد” التي تحولت إلى “تجمل”، والأمر على المستوى الفني يدخل في نطاق السرقة القبيحة كما وضحها المختصين. وقد حاول بعض النقاد نفي السرقة عن طرفة، لأنه شاعر كبير جدا، ومعروف برفض سرقة أشعار الآخرين، واعتبار السرقة من أكبر الشرور. حيث يقول:

ولا أغير على الأشعار أسرقها

غنيتُ عنها وشرّ الناس من سرقا

لقد كان طرفة شاعرا كبيرا، ولم يكن دفاع بعض النقاد عنه متعلقا بالسرقة الشعرية. بل كان ينصب على الخلط والخطأ عند رواة القصيدة، بسبب تأخر التدوين حتى العصر العباسي. أي أن طرفة لا علاقة له بوضع هذا البيت في قصيدته بل وضعه الرواة بعد رحيله بعقود طويلة، وهو لم ينسب البيت المسروق لنفسه.

**

هناك اتفاق بين أهل الاختصاص على أن أخذ بيت شعري مع تغيير كلمة واحدة يعتبر سرقة، بل هو من أقبح أنواعها. وقد حدث هذا في واقعة عادل وأكرم، وقياسا على ذلك، توجد سرقة واضحة. حاول رئيس جمعية المؤلفين طمسها بالتأكيد على عدم وجود قوانين أو قواعد تمنحنا القدرة على الحكم، وبالتالي لا جريمة من أصله.

لم يتوقف رئيس جمعية المؤلفين عند هذا الحد، بل راح يدعم حكم البراءة الخاطئ بالحديث عن المعارضة الشعرية، قائلا: “هناك ما يسمى معارضة شعرية، يعني إيه، يعني أنا آخد مربعات زي دي، واكتب زيها بنفس البحر ونفس التفعيلة، ونفس القافية. وهذا لا يعتبر اقتباس ولا سرقة ولا أي حاجة، وعندنا مثال عظيم كتبه أحمد شوقي،

يا ليل الصب متى غده

أقيام الساعة موعده

والذي كتبه الحضري القيرواني

ويرد عليه أحد شوقي ويقول

مضناك جفاه مرقده وبكاه ورحم عوده”.

في كلام العدل تدليس ومراوغة واضحة، لأن النص موضوع السرقة لا علاقة له بالمعارضة الشعرية. نحن أمام موضوع مختلف تماما، واستحضار المعارضة واسم أمير الشعراء يوجه المستمع بعنف ناعم إلى براءة غير مستحقة.

حديث “العدل” عن براءة أكرم تأسيسا على فكرة المعارضة باطل تماما. لأن الفنان أكرم حسني لم يقدم معارضة شعرية بل قدم أغنية مدعيا أنها من إبداعه وأنه لم يتأثر في كتابتها بأحد.

قام العدل بتبرير السرقة بذكر سبب آخر وهو “التأثر مع نسيان المصدر”. وقال بالحرف الواحد: “هناك أمر يحدث، أنا ككاتب وسيناريست وشاعر، ممكن “تعلق” في ذهني جزء من بيت شعر، معنى يعجبني قد يعلق في ذهني وأنا مش عارف مصدره، ودا وارد إنه يحصل ولا أعتبره سرقة على الإطلاق”.

**

المغالطة هنا واضحة أيضا، لأن البيت محل الاتهام، معروف المصدر، ولو كان مجهولا أثناء الكتابة. ثم اتضح المصدر بعدها، لوجب على المتأثر أن يعترف باقتباس الكلمات كما اعترف باقتباس اللحن. أي أن افتراض حسن النية أثناء الكتابة مقبول، لكن بعد معرفة صاحب البيت وجَبَ الاعتذار له، والاعتراف بأسبقيته.

قال العدل كلاما وجيها عندما ربط السرقة بالكلام البديع والمدهش، وهذا كلام ممتاز، فنحن لا نسرق ما لا قيمة له، ويبدو هذا منطقيا لكنه يحمل مغالطة ذكية. يقول العدل: “معنى البيت الشعري الموجود دا زي ما يكون مثل شعبي زي “اللي حضَّر العفريت يصرفه”. والأستاذ أكرم حسني أكبر من إنه يأخذ شطره ويحطها في غنوة، شطرة عادية ما فهاش أعظم إبداع، كلام عادي ممكن أنا أقوله، ممكن غيري يقوله، ممكن يكون قد علق المعنى في ذهنه فكتبه. ولكن ليس هناك أي نوع من أنواع السرقة، وأنا أربأ بأكرم حسني أنه يِتْقال عليه هذا الكلام”.

في هذا الكلام الذي يبدو وجيها مغالطات و(مراوغات)، لأنه يتحدث عن نص “عادل صابر” باعتباره كلاما عاديا لا يحتوي على أعظم إبداع، وهو بالتالي غير مسروق، وهذا خطأ، لأن النص الآخر هو أيضا لا يحتوي على أعظم إبداع. وعندما نطبق عليه ملامح الإبداع الشعري، سوف نجده بلا قيمة تُذكر. وبيت عادل صابر في إطار العمل الفني موضوع الاتهام يعتبر عملا إبداعيا.

**

القيمة هنا لا علاقة لها بالمدهش والابتكار الشعري، القيمة هنا تتعلق بسوق الأغنية، ويجب وضع كلمات عادل صابر في إطار هذا السوق.

المدهش أن العدل في حالة صارخة للكيل بمكيالين. يقول كلمات عادل صابر عادية جدا، وكلمات “ستو أنا” لأكرم حسني من أصعب أنواع الشعر!!!

أما المغالطة الثانية، فهي براءة أكرم حسني، لأنه أكرم حسني، ولأنه أكبر من ذلك. وهذا تعصب أعمى، ولا علاقة له بالتقييم الفني. لا يمكن تقييم السرقة بالنظر إلى صاحبها. فإن كان شريفا أو مشهورا فهو برئ، وإن كان ضعيفا أو مغمورا فهو متطاول يستحق العقاب.

**

في التأكيد على براءة أكرم حسني، ذهب “العدل” إلى ظاهرة اتهام الناجحين، وقال “هشام الجخ نفسه اتُّهِمَ هذه الاتهامات، وإحنا عايزين الأمور تهدا، والشاعر القوي يثبت نفسه”.

المراوغة هنا شديدة القبح والفجاجة، لأن القضاء نفسه أدان هشام الجخ. ونحن لا نعرف كيف يثبت الشاعر القوي نفسه هذه الأيام، وهذا عادل صابر يتجاوز أكرم حسني فنيا بدرجة لا تصح معها المقارنة. وها هو يجد نفسه وحيدا خائفا أمام سارق يجد دعما من الكبار وعلى رأسهم رئيس جمعية المؤلفين.

**

ما فعله أكرم حسني وفق المقاييس الفنية سرقة واضحة، لأن كلمات عادل صابر منشوره بتاريخ سابق. وقد ظهرت لأول مرة على الفيس بوك في أحد الفيديوهات حيث ألقاها الشاعر في أمسية بإسنا سنة 2011. كما نُشرت في ديوانه “بحر الدميرة” الصادر سنة 2014 عن دار عماد قطري، ص38.

لقد فرق المختصون بين أشكال مختلفة تقع في مجال السرقة القبيحة، تأسيسا على وقائع حدثت في العصر الجاهلي أو الأموي، مثل الانتحال والاجتلاب والإغارة والاغتصاب، والمرادفة. والاجتلاب هو أن يأخذ الشاعر بيتا من شعر غيره تمثلا به لا ادعاء تأليفه، والانتحال: وهو شبيه الاجتلاب إلا أن الشاعر هنا يدعي نسبة البيت إلى نفسه، والإغارة تكون من القوي على الضعيف، وهي أن يقول أحد الشعراء بيتا فيعجب من هو أقوى منه شعرا فيغير عليه وينسب إليه لذياع صيته عن صاحبه. والغصب هو أن يغصب الشاعرُ الشاعرَ بيته دون رضاه. والمرادفة هي أن يهب الشاعرُ الشاعرَ أبياتا إعانةً له.

لقد حاول الشاعر عادل صابر تخفيف الأمر ووصفه بالاقتباس، وكان بحاجة إلى كلمة طيبة تعترف بالتأثر بكلماته لا أكثر، حتى تتحقق “المرادفة”، لكن الأمر تحول ـ مع تدخل رئيس جمعية المؤلفين وأمثاله من أصحاب السلطة الثقافية والإعلامية ـ إلى إغارة وغصب، وكأننا في العصر الجاهلي أو العصور الوسطى.

اقرأ أيضا

أغاني الحجيج: البوابات الباطنية وسر «القناوي»

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى