عادل إمام… ثورة بهجت الأباصيري!

في تاريخ المسرح العربي تظل “مدرسة المشاغبين” التي أطلقت نجومية عادل إمام ، ببساطة، هي الأكثر مشاهدة وتأثيرا اجتماعيا ونفسيا. عندما عرضت المسرحية لأول مرة في الرابع والعشرين من أكتوبر 1973، بينما كانت الحرب الدائرة في سيناء على وشك أن تنتهي، تلك النهاية الغامضة، ومصر تفتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة، تعج بالتحولات الدرامية، من انفتاح وتطبيع ومقاطعة عربية، وصعود سريع للتيارات والجماعات السلفية التكفيرية. أحداث تجمعت وأدت معا إلى انقلاب كل شيء تقريبا، من موازين القوى السياسية والهرم الاجتماعي إلى أبسط أنماط الحياة اليومية، انقلاب مصحوب بانحدار ثقافي حاد لم نزل نعاني من آثاره حتى الآن!

حققت “مدرسة المشاغبين” نجاحا غير مسبوق وكانت أول مسرحية يستمر عرضها لسنوات دون توقف، وكانت فاتحة لفترة ازدهار للمسرح الكوميدي ونجوم الكوميديا، وأطلقت نجومية عادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبي وأحمد زكي وهادي الجيار، وتحولت معظم جمل حوارها إلى “إيفيهات” ومأثورات كوميدية شعبية لم تزل حية حتى الآن.

تركت المسرحية تأثيرا اجتماعيا هائلا، خاصة بعد عرضها في التليفزيون، بهجة غامرة وضحك لا يمكن مقاومته، واعتراضات شديدة من المحافظين من نوعية أن المسرحية تفسد الأخلاق وتحث الصغار على التمرد و “قلة الأدب” وإهمال دراستهم والسخرية من أساتذتهم وآبائهم، اعتراضات لم تزل  تسمع حتى الآن.

**

على أية حال لم تأت السخرية والتمرد والرفض في “مدرسة المشاغبين” من فراغ ولم يذهبوا إلى فراغ. التمرد كان سمة نهاية الستينيات وبداية السبعينيات في العالم كله، ومصر كانت من أوائل البلاد التي شهدت إرهاصات “ثورة الشباب” 1968، وقد ساهمت هزيمة 1967 ثم موت عبد الناصر في 1970 وانهيار الأحلام القومية في اهتزاز صورة الآباء والجيل القديم، وحتى عبد الحليم حافظ( صوت ثورة يوليو) يصنع فيلم “أبي فوق الشجرة” عن الصراع بين الأجيال، ينتقد فيه الأب الذي ينسى مسئولياته وينجرف في نزوة مع امرأة سيئة السمعة، ينقذه منها الابن، وهو فيلم لا يختلف في مضمونه كثيرا عن “مدرسة المشاغبين” !

عادل إمام
عادل إمام

كان تمرد “المشاغبين” موجها ضد جيل كامل من الآباء والمربين والزعماء الذين خذلوا أبناءهم، ورغم أنه متسربل بالكوميديا المفرطة، العبثية أحيانا، إلا أنه نابع من، وموجه إلى، مشاعر حقيقية، معلنة، أو غير معلنة، تجاه ما يحدث.

كتب علي سالم المسرحية قبل انتصار أكتوبر، وعلي سالم هو صاحب مسرحية “أغنية على الممر” التي تحولت إلى فيلم، وكانت من أوائل الأعمال التي تتناول هزيمة 1967 وتحث على المقاومة، ومعظم أعمال علي سالم جادة، وليس من المحتمل أنه كتب “مدرسة المشاغبين” لمجرد الكوميديا، ولو أنها عرضت قبل وقتها بسنوات أو أشهر لتم منعها أو حذف الكثير منها، ولكن من حسن حظ المسرحية أنها عرضت بعد انتصار أكتوبر، بعد أن أصبح مضمونها الرافض المتمرد على مسافة معقولة من ملاحظات الرقابة ومشاعر الإحباط التي ظهرت بعد الهزيمة، وأصبح بالإمكان التعبير عن هذه المشاعر والأفكار دون خوفا من رقيب، ودون أن تتسبب في انزعاج للمشاهد.. كانت تبدو كما لو أنها ضحكة تحرر وانفلات من الواقع.

**

من المعروف أن “مدرسة المشاغبين” اقتبست من الفيلم الأمريكي “إلى الأستاذ، مع الحب” To Sir، with Love (إخراج جيمس كلافيل، بيتر بوجدانوفيتش، 1967) الذي لعب فيه الممثل الأمريكي الإفريقي سيدني بواتييه دور معلم أسود يتم تعيينه في مدرسة يشتهر طلابها بالتمرد، وهو فيلم يناقش مسألة التمييز العرقي. قام علي سالم بتغيير جنس المعلم إلى معلمة امرأة لعبت دورها سهير البابلي، مما حول النقاش إلى التمييز الجنسي الذي يمارسه مدير المدرسة والطلبة ضد المرأة، ومن الطريف أن السينما الأمريكية أعادت إنتاج فيلم “إلى الأستاذ.. ” في فيلم بعنوان Dangerous Minds “عقول خطرة” عام 1995، لعبت فيه ميشيل فايفر دور المعلمة.

من الطريف أيضا أن كلا الفيلمين الأمريكيين يتسمان بالجدية في تناول الموضوع، من مفهوم تربوي وأخلاقي، بينما ركزت “مدرسة المشاغبين” على الكوميديا واستخراج شحنة الغضب والتمرد السائدة وقتها عن طريق الضحك والسخرية. أثارت “مدرسة المشاغبين” ضجة كبيرة وقت عرضها، ونالت شبه ما نالته أغاني أحمد عدوية وقتها، وما تناله أغاني المهرجانات حاليا، من اتهامات بافسادالذوق العام، والتحريض على البلطجة والخروج على القانون والتقاليد الأخلاقية.

وعلى الرغم من أن بعض هذه الأصوات تسمع حتى الآن لكن المسرحية تحولت إلى عمل كلاسيكي يستمتع به الملايين دون تفكير في هذه الترهات. بل أصبحت الآن قريبة من روح العصر أكثر من أي وقت مضى. وعندما قامت مؤسسة الترفيه السعودية بتلوين المسرحية لعرضها على منصة “شاهد VIP” منذ عدة أشهر ارتفعت بعض أصوات المعترضة على التلوين من باب أنه مساس بالمقدسات التي يجب أن تبقى على حالتها البكر الأصلية، وهي اعتراضات تكشف ليس فقط عن خمول عقلي ونزعة رجعية متأصلة ولكن عن تناقض مضحك أيضا.  فقد قامت البي بي سي بتلوين وثائقي الحرب العالمية الثانية (بجلالة قدرها)، دون أن يعترض أحد بحجة أنها تشوه قدسية الحرب العظمى.

**

من بين أهم ثمار “مدرسة المشاغبين” أنها كشفت عن موهبة عادل إمام، التي لم تظهر في أدواره الصغيرة في الأعمال السينمائية السابقة.  بل صنعت “شخصيته الفنية” persona الجديدة كصعلوك متمرد يتميز بالذكاء والجاذبية، يقف في مواجهة السلطة والنظام. وهي الشخصية التي برع فيها بهجت الأباصيري أو عادل إمام في العديد من الأدوار التليفزيونية والسينمائية، مثل “أحلام الفتى الطائر” و “المشبوه” و “حب في الزنزانة” و “اللعب مع الكبار” و “المنسي” وعشرات غيرها، وهي الشخصية التي أحبه الجمهور فيها أكثر من أية أدوار أخرى.

اقرأ أيضا:

قراصنة وأدعياء فضيلة: فن يكبله الحياء في مجتمع بلا حياء؟!

وجه يمارس الحرية وآخر يطالب بالمنع!.. عن المنصات والرقابة والفضاء العام

 

 

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى