طقوس الحصاد في مصر القديمة.. أهمها "عروسة القمح"

بعد اكتشاف الزراعة، كانت أول النباتات التي غرسها المصري القديم القمح والشعير، وقد كانت الزراعة- بوجه عام- صاحبة الفضل الأكبر على الحضارة، فاهتم المصري بمواسم الزراعة، وقسم السنة إلى فصول زراعية، واختلق أعياد ترتبط بالحصاد.
وقدر رص المصريون القدماء نشأة الزراعة بالدين، واعتبروا أنها منحة إلهية من الإله أوزوريس، الذي أشير إليه في ذلك الوقت، بأنه إله الخصب والنماء، وكان عادة ما يرمز له باللون الأخضر .
عيد الحصاد
حسن عوض، الباحث الأثري، يقول إن التقويم المصري اعتمد على تقسيم السنة إلى ثلاثة فصول، يتكون كل فصل منها من 4 أشهر، يبدأ الفصل الأول من منتصف أكتوبر إلى أول فبراير، وهو فصل البذر، وكان يسمى (برت)، ثم يليه فصل الحصاد (شمو) من أول فبراير إلى  شهر يونيو، وأخيرا فصل الفيضان (آخت) ويستمر من منتصف يونيو حتى منتصف أكتوبر.
عوض يضيف أن كل فصل من تلك الفصول ارتبط  بعدد من الأعياد ذات الصبغة الدينية، والتي كان يحضرها الملك بنفسه بوصفه الكاهن الأكبر لجميع المعابد المصرية، وكان عيد الحصاد يصاحبه طقس فريد، إذ يقوم الملك  بحصد القمح بنفسه في حضور العامة، مستخدما منجلا ذهبيا، وقد وجد منظر للملك رمسيسيس الثالث في معبد مدينة هابو يشرح ذلك المشهد.
“أدرسي أيتها الثيران فالتبن سيكون علفًا لك”
الدكتور عبد الحليم نور الدين، عالم الآثار المصري، أفرد بحثًا عن الزراعة في مصر، نشرته مكتبة الاسكندرية، يذكر فيه أن أولى مراحل الحصاد كانت عملية تقطيع المحصول باستخدام المناجل، وأن المزارعين كانوا يقفون في شكل مجموعات متجاورة.
بعد ذلك تأتي مرحلة الدرس، وهي المرحلة التي يستخدم فيها الإبل والثيران والتي تقوم  فيها الحيوانات بالسير على النبات لتفصل البذور عن السنابل، وقد وجد في مقبرة باحري أغنية  تقول “ادرسي أيتها الثيران، فالتبن سيكون علفا لك، والحب من نصيب أسيادك”.

ثم تأتي مرحلة التذرية، وهي المرحلة التي تجرى لتخليص الحبوب من القش، وعادة ما كانت تؤديها النساء باستخدام بعض الأدوات الخشبية “المذراة”، وكانت عادة ما تتم في الهواء، فكانت النساء تغرفن كمية من المحصول وترفنه لأعلى، فتأخذ الرياح القش لأنه أخف من الغلال وتبقى الغلال وحدها نظيفة .
أما الغربلة فهي تشبه إلى حد كبير الطريقة المستخدمة حاليًا باستخدام الغرابيل، وفيها يتم  آخر عمليات تنقية المحصول من القشرة الخفيفة، بتحريك الغلال إلى أعلى، باستخدام الغرابيل لتحمل الرياح القشرة الخفيفة بعيدًا.
وأخيرًا مرحلة التخزين، وفيها يتم تخزين الغلال في صوامع مخصصة، تتميز بشكلها المخروطي، والذي يزيد ارتفاعه قليلا عن طول الشخص الواقف، لسهولة رفع الغلال إليها، وكان لها فتحه صغيرة في أعلاها، وكان يصاحب عملية تخزين القمح في الصوامع عملية تسجيل الكتاب المختصين بتدوين الكميات المخزنة .
 الغناء لعروسة القمح
وقد ارتبط موسم الحصاد في مصر القديمة بعدة طقوس، يقول رمضان بسيوني، مرشد سياحي، أن أحد الفلاحين كان يغني بالغناء وكان الآخرون يرددون وراءه، كنوع من التسرية عنهم أثناء العمل الشاق في حرارة الجو.
يتابع أن صاحب المزرعة كان يحضر كميات من البصل والخبز والفواكه، ويتركها داخل الحقل مع جِرار المياه، حتى يتسنى للمزارعين التقاط أنفاسهم وتناول شيء من الطعام والشراب، ويواصلوا علمهم الشاق.
بسيوني يذكر أن الطقس المعروف بـ”عروسة القمح” أو باكورة القمح، وفيه كان يتم تضفير سنابل القمح على شكل علامة الحياة (عنخ) وتقدم للإله المحلي  كنوع من التقرب للإله  والحصول على بركة المحصول، وكان هذا التقليد معروفا عند مزارعي مصر في العصر الحديث.
يشير إلى أن المزارعين أثناء الحصاد كانوا يتركون كومة كبيرة من القمح يأخذ منها كل من مر على الحقل، معتقدين أن ذلك يزيد من وفرة المحصول في المواسم المقبلة، وكانوا يطلقون عليها (البروكة) وهي مشتقة من البركة، لكن اختفى هذا التقليد حاليا وأصبح من النادر رؤيته في الحقول المصرية .


مراجع
الزراعة والري في مصر القديمة- بحث للدكتور عبد الحليم نور الدين – مكتبة الاسكندرية صفحة مصريات، إعداد  الباحث مهاب درويش .
الزراعة في مصر الفرعونية- بحث للأثاري  محمود مندراوي- مفتش أثار المنيا.
 

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى