طريق المواكب المقدسة في عيد الأعياد

غدا تحتفل مصر بإعادة إحياء طريق المواكب المقدسة الذي يصل بين معبدي الكرنك والأقصر عن طريق البر والنهر.  نرصد هنا كيف كان يفكر المصري القديم في تأسيس هذا الطريق؟ والأسباب الحقيقية التي أقيم من أجلها هذان الطريقان وكذا تاريخ الاحتفالات ومظاهرها والهدف منها؟

كان السبب الحقيقي لإقامة طريق الكباش أمام الواجهة الغربية لمعبد الكرنك والناحية الجنوبية التي بها طريق أبي الهول الممتد حتى معبد الأقصر. هو أن تمر به مواكب المراكب المقدسة والوفود المشاركة في عيد الأعياد عيد “إبت” الخاص بثالوث طيبة آمون وموت وخنسو.

عيد “إبت”

عيد الابن يبدأ عشية اليوم الثامن عشر من الشهر الثاني من فصل الفيضان المسمى بالمصرية القديمة «الآخت». ويقابل الشهر الثاني في الشهور القبطية شهر “بابة” الذي اشتق اسمه من التسمية (ب- إن_أبت).

تستمر الاحتفالات من صبيحة اليوم التاسع عشر ولمدة 11 يوما في الأسرة الثامنة عشرة. وصارت 23 يوما في الأسرة التاسعة عشر. وزادت في الأسرة العشرين لتصير 27 يوما.

أهم الأعياد

ويعد عيد الابن من أهم أعياد مصر، بل وأكبر الأعياد في العالم القديم بأسره. حيث كان يحضره الملك سنويا وبصحبته زوجته وأبناءه “كان الملك يشارك في المواكب ويستقبل الوفود الأجنبية التي تأتي لتقديم الهدايا وللتأكيد على أواصر الصداقة مع مصر. وكان الملك خلال هذا العيد يعلن عن إعادة تتويجه ويقدم خلال العيد العديد من الترقيات الوظيفية لموظفي الدولة ويغدق على كهنة آمون بالعطايا والهبات”.

نستطيع أن نرصد من خلال الآثار والمناظر المصورة على الجدار الغربي بصالة الأربعة عشر عمودا بمعبد الأقصر والمصادر النصية خط سير المواكب خلال عيد الابن. حيث نجد الرحلة من الكرنك للأقصر تسلك الطريق المؤدى للنهر والموكب الثاني يسلك الطريق البري.

طريق المواكب
طريق المواكب
الموكب النهري

كان الملك وأسرته يأتون لمعبد الكرنك ويبيتون في قصر مؤقت، مثل الذي عثر عليه بالكرنك ويخص الملكة حتشبسوت عشية العيد كان الملك يتوجه لقدس أقداس آمون، ويقوم بالطقوس والشعائر وتجهيز الزورق المقدس والتمثال الذهبي لآمون المحفوظ بداخل مقصورة تتوسط الزورق، ويقوم بنفس الطقوس لزورق موت ولزورق خنسو.

كان زورق آمون يسمى “وسر حان آمون”. وتتخذ مقدمته ومؤخرته شكل الكبش، بينما زورق موف على هيئة سيدة وزورق خنسو على هيئة الصقر.

مراسم الموكب

فجر اليوم الأول للعيد يتم إخراج زورق آمون وموت وخنسو من مقرهم بالكرنك. ويقوم الملك بحرق البخور ويتقدمه الكهنة حاملين الزوارق المقدسة على أكتافهم ويسيرون بها من قدس الأقداس، ويتجهون بها نحو الغرب باتجاه النهر ويجتازون الصرح السادس والخامس ويصلون للصرح الرابع، ويتوقفون بين مسلتي حتشبسوت. وغالبا يزور الموكب المقصورة الحمراﺀ التي أقامتها حتشبسوت، ويواصلون السير عبر الصرح الثالث، ويمرون بمسلات تحتمس الأول. ثم يصلون لصالة الأعمدة الكبرى ونرى بها منظرا يصور الزوارق المقدسة محمولة على أكتاف الكهنة حليقي الرؤوس، ويرتدون الثياب البيضاﺀ ويزينون صدورهم بالقلادات وبعضهم يحرق البخور. وبين أعمدة صالة الأعمدة والاحتفالات الكبرى كانت توجد تماثيل لكبار رجال الدولة وكبار الكهنة وضعت في طريق الموكب المقدس، لعلها تحظى بالبركات والرضا من آمون عند مروره بها، وتسقط عليها أول أشعة شمس من خلال النوافذ التي تعلو الاثني عشرة عواميد في المنتصف وتتحد كاواتها مع كالوات رع.

كباش الواجهة
كباش الواجهة

يخرج الملك من الصرح الثاني في أبهى زينته، ويصل للفناﺀ الأول الذي تقف به طوائف الكهنة وأسرهم، وكذا تجريده عسكرية من حراس التشريفة الملكية يمسكون في أيديهم عصى طويلة وأغصان الأشجار وجريد النخيل. وتمر مواكب الزوارق المقدسة بمعبد الاستراحة الذي أقامه رمسيس الثالث. ثم يمر الموكب من خلال صالة الأعمدة التي شيدها الملك طهرقا ويوضع زورق آمون فوق منصة تتوسط الصالة، وتقدم له الشعائر والطقوس اللازمة. ثم تستريح الزوارق مرة أخرى بالمقاصير الثلاثة التي شيدها الملك ستي الثاني في الطرف الشمالي من الفناﺀ.

موكب الملك

يتوجه الموكب بعد ذلك نحو الباب الرئيسي للمعبد الذي يتوسط الصرح الأول، الذي شيده الملك نختنبو ليمر خلال طريق الكباش الذي كان ممتدا في الأصل من عند الصرح الثاني، وصولا إلى المنصة المؤدي لحوض الماﺀ. وحدث أن وضعت هذه التماثيل عند تشييد صالة البوبسطيين بالفناﺀ الأول على جانبي الفناﺀ. حيث وضع 29 تمثالا خلف الصرح الأول ناحية الجنوب، و19 تمثالا في الناحية الشمالية. بالإضافة لأربعة تماثيل تم نقلهم لميدان التحرير، وهذه التماثيل بهيئة الأسد الرابض وبرأس الكبش رمز آمون مصنوعة من كتلة واحدة من الحجر الرملي، يصل وزن بعضها من 5 إلى 7 أطنان. وكان الأثريون لوجدان وشيفرييه وعبدالله عبدالعليم قد كشفوا عن هذه المجموعة.

يمتد طريق الكباش أمام الصرح الأول حتى يصل إلى المرسى المقام عند نهاية طريق الكباش، ويؤدى إلى المرسى الذي يليه حوض الماﺀ الذي يتصل بقناة تؤدى إلى النيل مباشرة. وكان هذا الحوض محاطا بالزهور والنباتات النضرة، كما ورد تصويرها بمقبرة نفر كتب بغرب طيبة.

ويبلغ عدد تماثيل الكباش أمام الصرح الأول 20 تمثالا. وكان أمامها أحواض بها نباتات وزهورا بديعة المنظر. تعود الكباش لعصر حورمحب مشيد الصرح الثاني الذي صور واقفا أسفل رأس الكبش. ثم وضع رمسيس الثاني اسمه عليها. ثم نسبها لنفسه أحد ملوك الأسرة 21 المدعو بأنجم. يبلغ عرض طريق الكباش 13 مترا ويبلغ طوله من حافة المرسى 53 مترا وينتهي قبيل الصرح الأول حاليا بحوالي 20 مترا.

وفود من الجانبين

وحين كان الموكب خارجا من الصرح الأول متجها عبر طريق الكباش نحو النيل، تصطف الوفود حول الطريق من الجانبين ويهتفون ويغنون. حيث كانوا متواجدين في منطقة لوجستية بها الأسواق والحمامات والمطاعم. كما أكدت الحفائر الحديثة أمام الكرنك. وتصدر أصوات البوق الملكي إيذانا بإنزال الزوارق المقدسة إلى حوض الماﺀ. ويكون في انتظارها الزورق الملكي المسمى “مري مين”. وحين تصل إلى النيل تُربط المركب الملكية وزوارق الثالوث الطبي بالحبال. وتُسحب وتتهادى بفعل الرياح الشمالية وتجديف المجدفين، وبين هتافات العامة على جانبي النهر والتشريفة العسكرية الممتدة على طول الطريق. وتظل رحلة الموكب النهري حتى تصل إلى وجهتها المنشودة معبد الأقصر. وترسو عند المرسى الواقع غرب المعبد وتنضم وفود الموكب النهري مع الوفود القادمة من الموكب البري.

الموكب البري

كانت تماثيل وهيئات آمون رع بعد أن تتساقط عليها أول أشعة للشمس في صبيحة اليوم الأول للعيد توضع في نواويس ذات أبواب، ومغطاة بالستائر، وتنضم إليها بقية التماثيل الخاصة بالمعبودات الثانوية بالكرنك، مثل بتاح وكتحور وحورس وأوزيريس في هيئته بتاح سومر أوزي بن عنه.

كانت القرابين من كل أنواع المأكولات والحلوى والفواكه، توضع على موائد قرابين ضخمة يحملها حملة وحاملات القرابين. وكذلك تُخرج عجول الأضاحي من الحظائر القريبة من معبد الكرنك، وتُجلب الطيور وجرار النبيذ القادم من الواحات ويذهب الجميع عند بوابة الصرح العاشر.

امون رع
معبد خونسو

يأتي من معبد خونسو مجموعة من الكهنة حاملين تماثيله وأدواته المقدسة ويسيرون عبر طريق الكباش أمام الصرح الأمامي. ثم يتجهون شرقا حتى نقطة التقاء الطريق القادم من معبد موت. وكان له طريق كباش أيضا وينتظر الجميع هناك تتقدمهم تشريفة عسكرية من الجنود، الذي يحملون أغصان الشجر والألوية المقدسة ألوانها المبهجة. ويتقدم مجموعة الكهنة الموكب الذي تنضم إليه الملكة على عربتها، التي تجرها الخيول المزينة بالأقمشة المزخرفة وعلى رؤوسها الريش الذي يهتز أثناء السير ويعطى رهبة في النفس.

يسير الموكب من معبد موت ومن معبد خونسو. ويلتقون جميعا عند بداية الطريق الذي على جانبيه تماثيل أبي الهول، التي تمثل جسد أسد ورأس الملك، الذي صنعها في البداية كان رمسيس الثاني كما دلت عليه نقوش مقبرة خف بخت رقم 2 بدير المدينة. ثم جددها وأكملها نختنبو الأول في الأسرة الثلاثين. ثم جددها ملوك البطالمة وهو الطريق الذي سيشهد احتفالية عالمية قريبا.

معبد خونسو
فرق موسيقية

كان الموكب يسير وحول الطريق يتجمع الناس يهتفون ويصيحون مهللين للموكب. ويشاركون الفرق الموسيقية المرافقة للموكب عزفها وغناءها. وكان من بين الفرق فرقة من قارعي الطبول النوبيين وكاهنات مغنيات وعازفات علي الهارب، وعلى أداة موسيقية تشبه الأكسلفون. ونتخيل بعض أناشيد الموكب تقول: أمن رع بن تأوي…. أمن رع بن نترو…. أمن رع إن نترو…. أمن رع قاء شوتا….. أمن رع بن قسوت تأوي…. أمن رع نسوي نترو… وغيرها من الأناشيد التي تمجد آمون وتعدد ألقابه وصفاته.

وحين كان الموكب يسير في طريق المواكب المحاط بأبوة الهول. كان الناس يلقون عليه القرابين وينثرون عليه الورود، ويشاركون المارة في احتساﺀ بعض النبيذ تعبيرا عن الفرحة.

بعد أن يسير الموكب المهيب لمسافة حوالي 2700 متر من الكرنك إلى الأقصر، عبر الطريق البري الحاشد والمزدان بكل الرموز والشارات والألوية والحضور المنقطع النظير، يجتاز الموكب حوالي 1200 تمثال على هيئة أبي الهول. ويضاف إليهم ما تم الكشف عنه مؤخرا أسفل الكنيسة الإنجيلية.

فرقة الكاهنات

تصل الملكة والأبناء والحاشية الملكية في البداية. وتنزل عن عربتها وتنضم للملك وتستقبله عند وصوله عن طريق النهر، ويرافقها فرقة من الكاهنات المنشدات. وينضم الجميع أمام الصرح الأول، بينما تقف الجماهير الغفيرة عند الحائط المموج الذي ينتهي عنده طريق أبي الهول.

تسير الزوارق المقدسة إلى داخل المعبد. وتستريح في البداية في المقاصير الثلاثة الواقعة خلف الصرح الأول، والتي شيدتها حتشبسوت لهذه المناسبة. وتستمر الرحلة بعد ذلك داخل صالات المعبد وحجراته إلى أن يصل الموكب إلى قدس الأقداس في أقصى جنوب المعبد. وهناك توضع النواويس المقدسة التي تحتوي على تمثال آمون وزوجاته داخل قدس الأقداس والحجرات المجاورة له. وفي مرحلة تالية كانت تستقر في مقصورة الإسكندر الأكبر، الذي حرص على أن يشيد أثرا يخلد اسمه في هذا العيد المهيب.

الخصوبة للأرض

كان الهدف من عيد الابن هو أعطى الخصوبة للأرض وللأحياﺀ في البر الشرقي. حيث ينتقل آمون من معبده أبت سوت أي الكرنك لِي مقر زوجاته أبت ريست، لي الحرم الجنوبي معبد الأقصر، ويمكث هناك بضعة أيام. حيث كان معبد الأقصر بمثابة قصر الزفاف يتم به الاحتفال بذكرى الزواج المقدس بين آمون وموت في الشهر الثاني من فصول الفيضان. ثم يعبر آمون النيل في زورقه تصحبه المراكب الشراعية من أهالي البر الغربي، وتكون في انتظاره تشريفة عسكرية تصحبه ليزور معبد الدير البحري. ويمكث فيه ليلة ثم يتوجه لمعبد هابوا ومعبد الرمسيوم. ثم يزور المعابد الإلهية مثل قصر العجوز، ودير الشلويط، ودير المدينة. وخلال هذه الزيارة يعطى آمون الخصوبة لعالم الأموات، كما أعطاها لعالم الأحياﺀ بالبر الشرقي. ثم تنتهي الاحتفالات ويعود موكب آمون مرة أخرى إلى مقصورته المسماة كار. وكانوا ينادون عليه كار ان إك أى مقصورة لأجلك، ومنها اشتق في الغالب تسمية الكرنك.

عندما كانت مظاهر الاحتفال على وشك الانتهاء، يهم الزائرين بحمل هداياهم وما اشتروه من تماثيل وحلى وتمائم يحملونها معهم كذكرى طيبة من طيبة. ويسكن آمون مرة أخرى في قدس أقداسه. ويوصد باب الناووس ويعود الكهنة لممارسة نشاطهم الروتيني في المعبد.

أستاذ علم المصريات- جامعة المنصورة

اقرأ أيضا

افتتاح طريق الكباش: الأقصر تستعد لإحياء «عيد الأوبت» لأول مرة في التاريخ الحديث

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى