«طب وثقافة وناس»: فصل المقال فيما بين الطب والعزبة من اتصال

لم أخطط لكتابة المقال السابق: أسماء وحيوات كثيرة لشخص واحد، عن فركاو/فرشو (Virchow). ما حدث هو أنني وأنا اقرأ على مهل كتاب امبراطور الأمراض لـ“سيدهارتا موكرانجي”، لم يكن مفاجئا أن يأتي على ذكر فركاو/فرشو، فهو مؤسس علم الباثولوجيا الإكلينيكية، وهو من أعطى الكثير من السرطانات أسماءها، فهذا موقعه وتلك مكانته التي لن ينازعه عليها أحد. أما المفاجأة فكانت في ذكره لاسم عالم آخر، مجهول تماما بالنسبة لي: آرثر أوف ديرهايد (Arthur Aufderheide)، أمريكي من مينيسوتا، لكن اسمه يوحي بأصل ألماني مثل سلفه فركاو.

كان طموح موكرانجي أن يكتب سيرة ذاتية للسرطان. وكما قال في كتابه لا يمكن كتابة سيرة ذاتية دون معرفة تاريخ ميلاد الشخص أو الموضوع. وأوف ديرهايد هو واحد ممن كتبوا، أو حاولوا العثور على تاريخ ميلاد هذا الامبراطور المميت. أثار ذكر أوف ديرهايد فضولي، وهذا غرض أساسي لكل كتابة أصيلة: أن تثير الفضول.

سألت عنه جوجل، فلم أجد الكثير، لكنني وجدت ما يكفي لإثارة المزيد من الفضول، ليس في البحث عنه لكن فيما ورائه. فخططت لكتابة مقال يجمع بين فركاو وأوف ديرهارد. فبينهما مشتركات كثيرة: كان كلاهما مختصا بالباثولوجيا الإكلينيكية، وكلاهما شارك بشكل فعال في تأسيس علم من العلوم الطبية، كلاهما كان مفتونا بالآثار وما قبل التاريخ.

**

وكان الموضوع يدور حول ما يفعله المعمل في العقول. بل واخترت عنوان المقال نفسه (من المعمل إلى حديقة المومياوات): هل هناك علاقة ما بين تحويل الأنسجة المريضة إلى رقائق دقيقة جدا، والتحديق الطويل في عدسة الميكروسكوب. من أجل الوصف الدقيق للمرض وتصنيفه وربما معرفة أسبابه. وبين التنقيب عن الآثار وحفريات ما قبل التاريخ؟ هل يتشابه التنقيب في الأورام والأنسجة المريضة مع التنقيب عن الآثار؟ أم أن العمل في المعمل والتركيز على العيون الضيقة للمجهر يوسع العالم. ويثير ما يكفي من الفضول لطرح أسئلة جديدة عن السيرة الذاتية للأمراض، بتعبير موكرانجي، أو التاريخ الطبيعي للأسلاف. كيف عاش السابقون، وماهي أمراضهم، وكيف كانوا يتعاملون مع هذه الأمراض؟ استأثر فركاو بالمقال السابق منفردا، وبقيت الأسئلة كما هي، لكن العودة لها وللمعلومات القليلة المتاحة عن أوف ديرهارد، قلبت الموضوع رأسا على عقب.

في تأبين أوف ديرهارد (2013) كتب أحدهم مقالا بدأه باقتباس من أقوال الراحل الكبير: كل معرفة مربوطة بمعرفة أخرى والمتعة كلها في اكتشاف هذا الرابط. كأنه كان يردد قول فركاو: كل خلية تولد من خلية أخرى. لم يكن ينتظر أوف ديرهارد المولود سنة 1922 في منيسوتا، والذي عمل بعد تخرجه في كلية الطب كطبيب في معمل الباثولوجيا الإكلينيكية لسنوات طويلة سوي التحديق في الميكروسكوب بضجر، يشخص الأمراض ويحصي الأيام المملة في انتظار تقاعد مبكر كمديكور بائس يجتر الذكريات على مقعد هزاز أمام بيت ريفي يطل على نهر المسيسيبي يكلم الرياح ويرمي حصى الحكمة في قاع النهر! لكنه في الخامسة والخمسين من عمره.

أوراق الواحة
أوراق الواحة
**

وفي حركة مفاجئة وبحماس شاب حديث التخرج، غير حياته تماما، وانطلق في رحلة طويلة إلى القطب الشمالي. حيث قضى ثلاثة شتاءات بصحبة أسرة من سكان الاسكيمو، ومن برد القطب الشمالي، إلى الجنوب، إلى الأنديز في البيرو، ومنها إلى جنوب شرق آسيا، ومصر. يجمع المومياوات، ويعيد اكتشاف الأمراض القديمة المحفوظة منذ آلاف السنين في الثلوج والرمال والطين.

وكدس في معمله الجديد في الجامعة أكبر عدد ممكن من العينات القديمة: 5000-6000 عينة فأصبح لقبة المعتمد (طبيب المومياوات). نتج عن هذا الجهد والترحال المنظم عددا من الكتب الأساسية: موسوعة كمبريدج لأمراض ما قبل التاريخ، الدراسة العلمية للمومياوات، وغيرها. وكتب أكثر من مائة ورقة بحثيه وأصبحت هذه الأبحاث والكتب بمثابة التأسيس الثاني، أو إعادة تأسيس علم الباليوباثولجي (أمراض ما قبل التاريخ). فما هو هذا العلم الجديد؟ متى كان التأسيس الأول ومن هو، أو من هم المؤسسون الأوائل؟

الباليوباثولوجي هو علم بيني، يجمع بين البالثولوجي (دراسة الأمراض)، والأركيولوجي (الآثار)، والأنثروبوجيا (دراسة الإنسان). ولا يعتمد فقط على فحص المومياوات وبقايا الهياكل العظمية والأنسجة التي لم تتحلل. بل وأيضا فحص وقراءة المخطوطات والبرديات القديمة التي يتم العثور عليها. وهذا ما يفوق قدرة شخص واحد، بل يحتاج إلى فريق عمل كامل يتشكل من مختصين في هذه المجموعة من المعارف والعلوم.

**

وتخبرنا ويكيبيديا أن الرواد الأوائل لهذا العلم الجديد والذي ظهر في السنوات الأولى للقرن العشرين هم ثلاثة من الأطباء، جراحون غالبا، ومختصون بالتشريح والباثولوجيا الإكلينيكية. لكن المدهش في الأمر أنهم جميعا عبروا من هنا، من مصر. الأول هو مارك أرمان روفر (Mark Armand Ruffer)، إنجليزي-سويسري، بعد تخرجه وعمله في لندن ومعهد باستور في ليون الفرنسية. انتقل لأسباب صحية إلى القاهرة حيث عمل أستاذا لمادة الباكتريولوجي بقصر العيني. ونشر بعض الأبحاث في دراسة أنسجة المومياوات. حصل على الكثير من الأوسمة من إنجلترا ومن الدولة العثمانية.

أثناء الحرب العالمية الأولى غادر القاهرة إلى اليونان كمسؤول عن الصليب الأحمر الإنجليزي من أجل تحسين الأوضاع الصحية للجنود أثناء الحرب. في سنة 1917 استقل السفينة إس إس أركاديان المتجهة إلى الإسكندرية، لكن غواصة ألمانية دمرتها بصاروخ بحري، وأغرقت السفينة بكل من عليها.

ويقال إنه بعد القصف ظهر روفر مرتين: مرة واقفا رافعا يديه وهو يطلب النجدة، ومرة طافيا على السطح، ثم اختفت جثته، ولم يعثر عليها قط. وكما يقول أوف ديرهارد: منذ وفاة روفر سنة 1917 وحتى سنة 1970 لم تظهر أي ورقة بحثية جديدة في علم أمراض ما قبل التاريخ.

الثاني هو جرفتون إليوت سميث (Grafton Elliot smith). وهو طبيب إنجليزي-أسترالي، مختص بالتشريح وعلم المصريات!! ومن الأنصار المتحمسين لنظرية الانتشار الثقافي التي ترى أن الثقافة أو الحضارة ظهرت في مكان واحد وانتشرت منه إلى سائر بقاع الأرض، ويرى أن مصر هي هذا المكان الأول الذي ظهرت فيه الثقافة ومنه انتشرت إلى العالم. في سنة 1900 حصل على وظيفة هنا في القاهرة، وكان أول من أجرى تصويرا بالأشعة لأحد المومياوات كوسيلة أساسية في دراسة أمراض ما قبل التاريخ. وعمل كخبير في بلاد النوبة المصرية لدراسة المكان كجزء من الإجراءات التي سبقت بناء سد أسوان سنة 1906.

اقرأ أيضا| «طب وثقافة وناس»: الأبطال ليسوا دائما في الواجهة

**

الثالث هو صامويل چورچ شاتوك (Samuel Georg Shattock)، الذي كان طبيبا لامعا في لندن، ورئيسا لقسم الباثولوجيا الإكلينيكية بالجمعية الملكية الإنجليزية. في الخامس من إبريل سنة 1905 أعطى محاضرة في الوصف التفصيلي لحصوة مثانة وجدها اليوت سميث في أحد المومياوات المصرية تعود إلى ما قبل عصر الأسرات. وفي سنة 1909 أعطى محاضرة أخرى عن الوصف النسيجي التشريحي لقطاع من شريان الأورطى للملك المصري مرنبتاح.

لا نستطيع أن نقول إن نشأة البايوباثولجي هي عمل مصري، لكن العلم الذي يقوم على دراسة أمراض الإنسان القديم من خلال دراسة الحفريات، وبقايا الأنسجة التي حفظتها الطبيعة. لن يجد وفرة من المادة البحثية في مكان ما من العالم مثل التي يعثر عليها في حديقة المومياوات المصرية القديمة. ومنذ وقت قريب كانت جرائد العالم ووسائل إعلامه تحتفل بوصول رمسيس الثاني إلى باريس لإجراء أشعة مقطعية جديدة للمومياء الخالدة.

من بين الأعمال المدهشة والمحزنة في الوقت نفسه أن أوف ديرهاد كان مشاركا ومساهما فيما يعرف بـ”أوراق الواحة“. والمقصود بالواحة هو واحة الدخلة في الصحراء المصرية، المؤتمر نفسه عقد في ملبورن بأستراليا سنة (2000). احتوى كتاب المؤتمر على 25 ورقة بحثية لباحثين من مختلف دول العالم. لم يكن من بينهم باحث واحد مصري!! المكان موضوع البحث في الواحة هو المنطقة المعروفة الآن بـ”إسمنت الخراب” والتي كان اسمها القديم “كلس” والتي تعني في اللغة القبطية “مخزن الغلال”!!

كليس أو إسمنت الخراب من واحة الداخلة
كليس أو إسمنت الخراب من واحة الداخلة
**

وأنا مستغرق في المعلومات القليلة المتاحة عن آرثر أوف ديرهارد، الرجل الذي أنفق مكافأة التقاعد على أبحاثه وسفرياته ونشر كتبه التي أعادت تأسيس علم جديد، الرجل الذي كان يعطي محاضرات إضافية في صباحات الأحد. لم يكن في بالي سوى أستاذ الباثولوجيا الإكلينيكية الذي كان يدرس لنا في السنة الثالثة بكلية طب المنصورة.

كان الأستاذ خفيف الظل يدخل المحاضرة بعكاز أو عصا، لا يتوكأ عليها، ولا يهش بها على أغنامه الضالة. فقط يلوح أو يشير بها ضاحكا كأنه يلعب دور “خوجة” في فيلم هزلي.كانت له عيادة بالطبع. لكن ما كان يميزه حقا هو أنه، وفي هذه السنوات الأولي من ثمانينات القرن العشرين، كان يمتلك تقسيما مشهورا للأراضي. وأعتقد أن المكان الذي كان أرضا زراعية في يوم الأيام، والذي تحول إلى حي سكني كبير ما زال يحمل اسمه إلى اليوم. لم يكن صعبا على العين والعقل أن يدركا ما يحدث من ترييف للمدينة الصغيرة. وليس صعبا على الواحد الآن أن يدرك ما كان يجري طوال الوقت من ترييف للعلم نفسه.

ليس في المعمل ما يغري بالبحث، وعيون الميكروسكوب الضيقة لا توسع العالم، أو ربما توسعه في مكان آخر، وليس هنا. كان النقد الأساسي الذي وجهه سيسل آلبورت في كتابه (ساعة عدل واحدة: الكتاب الأسود للمستشفيات المصرية) والذي صدر في الأربعينيات من القرن العشرين. هو أن الأساتذة المصريون يهتمون بعياداتهم الخاصة أكثر من اهتمامهم بعملهم في المستشفى الجامعي (كان يقصد قصر العيني تحديدا). وأنهم يحولون أرباحهم من العيادات إلى عزب وأطيان، وأموال في البورصة.

**

لسنا ضد أن يكون الأطباء من الأغنياء، لكننا سنعود إلى السؤال الأول: لماذا يريد الواحد منا أن يكون طبيبا؟ ولماذا تنحصر معايير نجاح الطبيب في المكاسب المادية المباشرة؟ هل هو الفارق بين ثقافة الحرمان وثقافة الوفرة؟ أم الفارق بين ثقافة الاستبداد وثقافة الديموقراطية؟

هناك نماذج مصرية أفلتت من هذا التراث الثقيل. من بينها بالطبع نجيب باشا محفوظ، أستاذ أمراض النساء والتوليد الذي أسس متحفا لأمراض النساء بقصر العيني. ووضع كتابا مهما عن تطور التعليم الطبي في مصر في القرن التاسع عشر. لكن هذه النماذج القليلة تحتاج إلى حديث آخر.

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى