حكاوي

صدمة مذبحة أبي حزام: 1ـ القاتلُ شاعرا

صدَمتْنا مذبحةُ قرية أبي حزام التي راح ضحتيها اثنا عشر شخصا في لحظات، صدَمَنا قتلُ كل هذا العدد مقابل شخص واحد، وصدمنا وجود نساء وأطفال بين القتلى بالمخالفة لأعراف الثأر وتقاليد الصعيد، وصدمنا انتماء القتلى لعائلات أخرى غير عائلة القاتل المقصود بالثأر، وصدمني بشكل شخصي اكتشاف أن المتسبب في المذبحة شاعرٌ، وهو الذي بدأ بإطلاق النار، وهو وإن كان يقيم في أبي حزام، إلا أنه يتواجد كثيرا في القاهرة، ومعروف في عدد من المنتديات الثقافية التي يحرص عليها، كما يحرص  منذ سنوات طويلة على زيارة معرض الكتاب، وندوات المجلس الأعلى للثقافة، وهو بخلاف ذلك ميسور الحال، يعمل مفتشا في مديرية التموين، وورث أرضا زراعية زحف إليها العمران وصارت غالية الثمن، وكل ذلك جعل تورطه في تلك الأزمة القبلية صادما.

مذبحة أبي حزام

لقد كانت مذبحة أبي حزام  شنيعة لا بسبب عدد الأبرياء وحدهم، ولكن بسبب كشف العقل الخرافي المهيمن، العقل الذي يقرر قتل كل ركاب الميكروباص لأنه مملوك لعائلة القاتل، دون أن يفكر لحظة في السؤال عن هوية الركاب، هل هم من عائلة القاتل فعلا أم لا، العقل الذي يجعل شاعرا رقيقا ومحبا للإنسانية، يبادر بإطلاق النار عند حدوث خلاف بينه وبين صديقه أو جاره بقرية أبي حزام.

يقول الولد الذي صار قاتلا:

حين تمطر

أسمع صدي فيروز

(رجعت الشتوية)

تتمسحين فيّ

كقطة هنيئةٍ بالدفءِ

طيبةٍ أبيّة

..

الهالُ يفضحُ الفنجانَ المعتق منذ عامْ

تشعلينَ سيجارةً وتشعلين بي الغرامْ

..

يا رقيقةً كزهرةِ الحناء المبتلة بالمطر

إلي متي انتظرُ فيك ما لا يُنتظر

21 نوفمبر 2017

لقد حطم شاعرنا صورة المتورطين في الجرائم القبلية، الصورة التي نختزلها في هيئة الرجل الريفي الأمي المنغلق الذي لا يعرف من العالم سوى التقاليد الموروثة، وها نحن أمام صورة رجل يرتدي ملابسه وفق أحدث صيحات الموضة، وقد تلقى تعليما جامعيا، وراح يطور من نفسه ليصبح واحدا من المثقفين الذين يتابعون ندوات ومنتديات العاصمة.

لقد قرأت أغلب القصائد التي كتبها شاعرنا، كما قرأتُ قسما من يومياته وأشعر بأهمية هذا القسم الذي كان صغيرا للأسف، خاصة في المواضع التي يتحدث فيها عن القبلية والثأر وتحولات الصعيد، لأننا نادرا ما نجد أحدا من أهل الصعيد يهتم بالحديث عن الصعيد، أو يدون ملاحظات، يمكن لعلماء الاجتماع الاسترشاد بها.

في يوميات الشاعر تظهر حفاوته برجال التصوف الشعبي خاصة الشيخ أحمد أبوالحسن، والمنشد أمين الدشناوي، لكن حفاوته أشد ترتبط بالبطولة، ومحبته الشديدة للزعماء العرب وفي مقدمتهم جمال عبدالناصر “أكرم وأعز وأشرف رجل مر في أرض العرب في القرن الأخير” على حد قوله،  ويليه في التقدير صدام حسين، ثم القذافي، وذلك لمواقفهم الواضحة من الاستعمار والصهيونية العالمية، وتعتبر شخصية عمر المختار من أكثر الشخصيات التي يتحدث عنها، كما تظهر حفاوته بالجيش والشرطة في كل مناسبة تستحق الحفاوة، خاصة في حالات الاستشهاد، كما هو الحال مع العقيد محمد المنسي، الذي يعتبره “مقاتلا برتبة شاعرٍ وإنسان” والشاعرية هنا لا تتعلق بإبداع الشعر بل بتصرفاته الإنسانية، أو حين “تتناغم بطولاته مع الشرف و الأخلاق وفي مقدمتها العدل، والرحمة بكل مواطن شريف وحر”.

يظهر نزار قباني في قصائده العاطفية والسياسة كأكبر مؤثر في تجربة الشاعر، كما يظهر تأثره بمظفر النواب وأحمد مطر، ومريد البرغوثي، ومحمود درويش وأمل دنقل، وهو يذكر تلك الأسماء كثيرا، لكنه لا يمنحنا الشعور بأنه قرأ تجاربهم قراءة واعية شاملة، بل اختزلها في نصوص معينة، هي النصوص التي حظيت بشعبية أكبر، أي أنه يعرف أمل دنقل صاحب “كلمات سبارتكوس الأخيرة”، و”أقوال جديدة عن حرب البسوس” لكنه لا يعرف صاحب “أوراق الغرفة رقم 8″، وكذلك يعرف درويش في قصائده المبكرة، ولا يعرف درويش في قصائده الناضجة فنيا.

في أغلب قصائد شاعرنا يظهر هذا الصوت الرومانسي العاشق، وصوت الفارس المحارب، الذي يدين الواقع العربي برمته، وصوت المصلح الاجتماعي الذي يدعو إلى الحب والعدل والسلام، وفي قصائده تظهر بعض الصور الشعرية المدهشة، كما تظهر الخطابية الزاعقة التي تؤذي الشعر، لكنه في قصائده الأخيرة أكثر نضجا، ونلاحظ أن هذا النضج قد استغرق وقتا طويلا حتى يظهر، كما نلاحظ أنه لم يخرج من عنق الزجاجة حتى يصبح شاعرا حقيقيا متحققا.

من أصدقاء الشاعر من يعتبرونه شاعرا كبيرا، لكنني لا أتفق معهم، وأجدهم ينطلقون من محبته، ومصاحبته على مدار عشرين عاما في الندوات واللقاءات الخاصة على مقاهي العاصمة، ودون أن يقدموا أي أساس نقدي، بل يتبعون العادة في إطلاق الألقاب المجانية على من يستحق ومن لا يستحق بوعي أو دون وعي.

تتوزع تجربة الشاعر على الشكل العمودي وقصيدة التفعيلة، وتتجاهل قصيدة النثر بشكل كامل، كما تتوزع تجربته على شعر العامية وشعر الفصحى، وتبقى قصائده الناضجة محدودة فنيا، حيث تخذله علاقته بالوزن أحيانا، ونجد بعض الكسور العروضية الصادمة، كما تخذله علاقته الضعيفة باللغة عندما تظهر في عدد من الأخطاء اللغوية الساذجة جدا.

الشاعر بالمختصر المفيد يعتبر نموذجا لصورة الشاعر  السائدة في أندية الأدب والمنتديات الثقافية، والتي تقترن فيها الأحلام الكبيرة جدا بالجهود الصغيرة، وتعجز في الغلب عن تحويل المبدع إلى مثقف، وإن تمتع صاحبنا بقدر من التواضع والبعد عن المزاحمة، ولم يلجأ إلى فرض نفسه على مهرجانات وزارة الثقافة كما يفعل البعض، حتى أنه لم يفكر في طبع ديوان رغم غزارة كتاباته.

كما يظهر تواضعه وصفاؤه الداخلي في الحفاوة ببعض الشعراء الذين يراهم يحققون حلمه هو، ويعبرون عن كينونته أفضل من تعبيره هو عن نفسه، كما هو الحال مع الشاعر حسن عامر، والذي يكتب عنه بمناسبة اقترابه من الفوز بجائزة أمير الشعراء: “لم ألتق به، لكني ألتقيته في أصدقائي الشعراء، حيث قدر الله أن أكون صديقا شخصيا لأغلب أصدقاء شاعرنا المقربين، أضف إلى ذلك تقاربنا البيئي والإقليمي فهو ابن نفس التراب الذي انعجنا به في المهد، وابن نفس الصخور والجبال التي جئنا من بين ترائبها، وتربينا تحت ظلالها، وتنفسنا عبق روابيها في الليل والصبح، يحمل بين ضلوعه نفس سلالة الروح الشديدة الخشنة المثابرة والصابرة، نفس آمالها وآلامها.. حين يشرع في نثر حروف حنطته في موسم للشعر تراها نفس سنابل قمحنا وذات العٓرق فيها عِرقنا، هذا الفيلق الشعري الزاحف نحو كواكب المجرة كلها، علي جبهته أري أقران طفولتنا في قري نيلنا الأبدي الرهيب، أراهم بكل بساطتهم الأولى تماما كما أخبر هو، وهم يحرسون الخبز لأمهاتهم من احتيال العصافير في أوقات الضحى، ويحرسون أيضا شالها المغزول بالمحبة والعطاء.

حسن فيلسوف خطر علي كيمياء الغباء الشعري الذي أرق وجداننا في عصرنا الأخير، أراه الصوفي المهاجر بالقلوب نحو فضاء الله الأكثر رحابة للحب والتصالح الروحي الرهيب مع أكوان الله وأسراره الأبدية، هذا الرجل يزيح أمام عيوننا ستر الفن الأدبي ليكشف عن خفايا أثمن من الذهب، كم أنا سعيد بكونه ينتمي لنفس الطين الذي نُحتنا منه نحن خلائف جنوب مصر”.

أسئلة كثيرة يفجرها تورط الشاعر في الخصومات القبلية لدرجة القتل، أسئلة تضع علامات استفهام كبيرة حول طبيعة الحياة القبلية في الصعيد كما نفهمها، وأثر التعليم الجامعي، وأثر المؤسسات الثقافية، وقبل الدخول في تلك الأسئلة، سوف أترك القارئ هنا مع قصيدتين من أحدث قصائد الشاعر، حتى يشاركني في الحكم على طبيعة تجربته، وحجم موهبته، وموقعها من السياق الشعري الحديث، قبل أن نعود إلى تلك الأسئلة في مقال قادم.

القصيدة الأولى: الطيِّبون

أنا كالطيبين جميعهم

ما كبروا!!

فرحة الصبيان في وجدانهم

وسذاجة الصبيان

طيبون

حتي حدود النجم والبدر المنير

فلا بجلودهم غل الضباع مصفح

ولا بعيونهم قصدير

26 فبراير 2018

القصيدة الثانية: حدوتة الأذل

رأيته يجلس فوق غيمة

كانت تقول له عند وادٍ غير ذي زرعٍ:

أهنا نحط رحالنا؟

وأجاب مبتسما: نعم

بالقرب من جبلٍ

يرتل عند كل دمعة لصبية

أضناها ظلم الحاقدين

يا منتقم

يا حي

يا منتقم..

..

كالشمس يخطوا بين آلاف الورود الذابلاتْ بلا حياةْ

ويمس بالكفين أغصانا يمزقها اليباس

ويقول بالأمر المبين تهيئوا

يا أيها الحراس

بالأمر المبين تهيئوا

جاء الخلاص..

ويجيبه الصخر العجيب

نعم.. نعم

يا حي

يا منتقم

أوّجب الرصاص؟

وجب الرصاص ..!

يتناقل الطير الرهيب أخبار الرجل

بلغ الخبر

جذع الشجر

خد القمر

يصغي القدر..

يسري الحماس

في عروق الطيبين كأنه فعل الخَدر

ويلوح في الأفق النذير كأنه وجه الخطر

ومن العجيب

يتفتح الورد البديع بقطرة من ماء

أو ليس فعل الله كله بقطرة للماء؟

طبعا نعمْ

رأيته يجلس فوق غيمة

كانت تقول له عند وادٍ غير ذي زرعٍ

أهنا نحط رحالنا؟

وأجابها:

طبعا نعم

أخذ يردد يا رحيمْ

يا منتقم

والبسمة البيضاء تغمر كل أرض الله

والحقيقةُ ترتسم.

20 إبريل 2019

اقرأ أيضا

حمدي أبوقريع: الزعامة من بوابة الحياء

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى