ادب وفن

شويكار و فؤاد المهندس يحاوران يوسف إدريس: الفن والحب والحياة

التقى يوسف إدريس بالعديد من المحاورين صحفيين كانوا أو رجال أدب أو سياسة. كما أن فؤاد المهندس وشويكار التقيا أيضا بالعديد من نجوم الفن والصحافة على صفحات الجرائد، ولكن ماذا لو التقى يوسف إدريس الطبيب الأديب الفنان بفؤاد المهندس وشويكار. تحت عنوان “أنا وهي ويوسف إدريس” نعرض لكم هذا اللقاء النادر الذي جمع بين يوسف إدريس في سهرة ليلة رأس السنة عام 1966 – الذي نشرته مجلة الإذاعة والتليفزيون وقتها – مع نجمي الكوميديا فؤاد المهندس وشويكار، لقاء ناقش أكثر من مشكلة في الفن والحب والحياة.

مجلة الإذاعة والتليفزيون

بدأت شويكار حديثها البسيط بسؤال لفت إعجاب يوسف إدريس:

  • يا دكتور يوسف تفتكر أنا وفؤاد مين فينا السيد ومين فينا الفرفور؟

وضحك يوسف إدريس قائلا:

  • أهو ده سؤال محرج! وهو الحقيقة إذا اجتمع رجل وامرأة المفروض الراجل يبقى هو السيد… المفروض يعني!
  • يعني ده رأيك أنت وبس لاجتماعك مع رجل وامرأة، ولا هناك رأي تحتفظ به لنفسك؟
  • الحقيقة أني لا استطيع أن أقول غير ذلك، لأن طبيعة مجتمعنا تفرض أن يكون الرجل هو السيد ولكن الذي يحدث في الواقع أن الست هي السيد. لأسباب كثيرة وأقصد هي السيد ليس من ناحية أنها تأمر وتنهى أبدا، ولكن لو نظرنا في معظم المجتمعات البدائية وفي إفريقية نجد أن الست هي أساس الحياة والرجل ليس إلا مساعدا لها، أما الرجل في الأيام دي فهو وسيلة فعلا بالنسبة للست فهي لا تستعين به إلا كما يستعين الواحد بالمسدس أو العسكري يعني تفضل في قلب المشاكل إلى أن تتعقد وفي الآخر تقول له: أتفضل بقى اتخانق شوفلك حل، أضرب موت.. الله أنت مش راجل ولا إيه؟

ويتدخل فؤاد المهندس في الحديث قائلا اسأل أنا يا شوشو:

  • يا دكتور يوسف أنت عملت فيلم “الحرام” وكان من أحسن الأفلام في نظري في الموسم الماضي، فما هو الحرام في نظرك؟

وسكت يوسف إدريس قليلا، ثم أسند ظهره إلى الوراء وقال:

  • والله “الحرام” في نظري شئ بيختلف شوية عن “حرام” الفيلم، فالسرقة نوع من الحرام.. سرقة سجادة من جامع حرام يرتكبه الفرد ضد حق المجتمع، يرتكبه المجتمع ضد عزيزة في الحرام وكل الظروف غير الإنسانية التي كان يعيشها “التراحيل” الحرام وضع يثمر سلوك عزيزة الذي ينعكس عليها كفرد.. بس!
لقاء يوسف إدريس وشويكار وفؤاد المهندس في مجلة الإذاعة والتليفزيون
لقاء يوسف إدريس وشويكار وفؤاد المهندس في مجلة الإذاعة والتليفزيون

وتدخلت شويكار قائلة:

  • وعلشان كدة هناك فرق بين الحرام كقصة وكفيلم.

وعلق الدكتور يوسف إدريس: لكن أنا شايف أن الأسئلة دي جد شوية لا إيه؟

وعادت شويكار تسأل:

  • أنا عايزة اسأل سؤال محيرني بصفتك مؤلف وروائي.. لما يبقى فيه دور ضعيف بيكون من المسؤول عن نجاحه أو فشله؟

يوسف إدريس: قطعا المؤلف نمرة واحد، والمؤلف اللي يجب عليه وهو بيرسم شخصيات الرواية ألا يستعرض عضلاته ولكن يكتب الدور بحيث يساعد الفنان على أن يعطي كل إمكانياته كممثل، فمثلا في روايات شكسبير الفنان الذي يكتب الشعر فقط تجدي أنه يضع الممثل في موقف معين ويعطيه الكلام، الذي هو عبارة عن خطوط موجهة لإنفعالاته بالموقف بحيث التمثيل هنا مش مجرد سرد، ولكنه بيضيف للنص الإنفعال البشري للممثل، فكلما كان الكلام يغذي الإنفعال البشري كانت النتيجة أحسن بالنسبة للمؤلف والممثل ولذلك تجدي كل المسرحيات الناجحة هي التي تكون كل أدوارها مخدومة من ناحية البناء فلا يظهر دور على حساب دور آخر.

وتدخل فؤاد المهندس قائلا:

  • تأييدا لكلامك يا دكتور يوسف في فيلم “طبيبتي الحسناء” هناك شخصية تظهر في آخر الرواية شخصية كونستابل لتصبح واحدا من أبطال الفيلم.

وعادت شويكار تسأل الدكتور يوسف إدريس:

  • هو السؤال اللي ح اسأله دلوقتي اتقال لي كتير ومعرفتش أرد عليه، يا ترى نجاح الدور أو فشله من الممثل ولا المؤلف ولا المخرج. مش عارفة إيه رأيك أنت؟
  • هو أحيانا يا شويكار الدور بيبقى كويس ويأتي الممثل أو المخرج خصوصا ويموته، ولكن أرجع وأقول المسؤول الأول عن بناء الرواية هو المؤلف ولكن بيأتي المخرج ويحب يستعرض عضلاته فيشطب مشاهد ويضيف أخرى، وأنا لا أمانع في هذا لأن عملية الإخراج عملية خلق جديدة للنص، ولكن يجب على المخرج أن يحدث هذه التغيرات مع المؤلف الذي يحمل الفيلم اسمه المسكين الذي يقع عليه اللوم في بعض الحالات.
أنا وهي

ويسأل فؤاد فجأة:

طيب يا دكتور تقييمك كمتفرج لشويكار وفؤاد المهندس إيه؟

وأجاب يوسف إدريس قائلا:

  • آه ده سؤال صحفي مليان، الحقيقة أني من المعجبين بشخصيتكم الفنية وأظن يا فؤاد أنك تذكر لما عرضنا عليك تمثل دور الفرفور في مسرحيتي لأنك من المواهب الكوميدية التي نحرص عليها، ولكن أنا لي انتقادات على بعض رواياتك مش بالنسبة لك كممثل وفنان، ولكن بالنسبة لقبولك تمثيل روايات ضعيفة المستوى من ناحية النص ونفس الشئ بالنسبة لشويكار، لأن كفاءتكما كممثلين ممكن تعطي أكثر من كدة. وبالنسبة لشويكار فيما يختص بأدوارها القليلة لما نيجي ونحطها في جغرافيا المسرح نبص نلاقيها بتقوم بالأدوار التي كانت تقوم بها ميمي شكيب في روايات الريحاني، لكن برضة على جديد ورغم أن هناك بعض الأدوار غير مخدومة من ناحية التأليف، فمثلا دورها في “أنا وهو وهي” دور من ناحية واحدة هو دور الست الدلوعة الحلوة التي تعطي هذا التعبير على المسرح وأنا مش معترض على هذا الدور لأن هذا النموذج موجود فعلا في مجتمعنا، ولكن كان لابد أن يعالج بطريقة أعمق من كدة ولكن هذا لا يمنع من أنني مازلت معجب بهذه المسرحية.

وسكتت شويكار وظهر على وجهها علامات التأثر ثم قالت:

  • يا دكتور يوسف أنت تكلمت كلام كويس عن الممثلين عموما والكوميديين خصوصا، يعني في رأيك أن الممثل أو الممثلة الكوميدي شخص مش منعزل؟

ورد يوسف دريس بحماس: لا أبدا الكوميديا أخطر أنواع الفنون ومش معنى أني اكتب أو أمثل كوميدي يعني بهرج أبدا والمعروف أن أعظم ممثل أثر في السينما العالمية وفي أذواق الناس هو شارلي شابلن الممثل الكوميدي الخالد، ولا أنتم شايفين أن عملية إضحاك الناس دي مهمة سهلة في هذه الحياة الحديثة التي نعيشها؟

واندفع فؤاد المهندس قائلا: يا دكتور يوسف يعني أنا احترت في كلام النقاد عن كل مسرحياتي.. قالوا علي مثلا ده راجل بيمثل بإسفاف وإحنا عايزين العمق، وأنا مش موافق على الكلام ده. لأن العمق الذي يطلبه النقاد ده ممكن تنفيذه في الدراما مش في الكوميديا، وقاطعه الدكتور يوسف إدريس قائلا:

  • إنت يا فؤاد مش بتسف إطلاقا، يعني أنا شفت إحدى المسرحيات في التليفزيون لا داعي لذكر اسمها وخرج بعض الممثلين عن النص وبصقوا على بعضهم!! تصور؟، فكانت النتيجة أن أولادي الصغار بدأوا يقلدونهم وده غير سليم من الناحية التربوية وخصوصا بالنسبة لجمهور التليفزيون.
  • طيب يا دكتور يوسف أنا احترت مع النقاد وعايز أعرف الفرق بين الإسفاف وعدمه؟
  • عدم الإسفاف الحاجة اللي الواحد يضحك عليها من قلبه دون أن يندم بعد ذلك، فالإسفاف أنك تضحك بطريقة فيها جرح للشعور العام، الإسفاف هو أنك تضحك بطريقة غير شرعية.

ورد فؤاد المهندس وشويكار في صوت واحد: تضحك بطريقة غير شرعية… تعبير جميل جدا.

وعاد فؤاد يسأل: طيب يا دكتور أنت شفت كل المسرحيات التي قدمناها، فإيه الإسفاف اللي فيها؟

  • لا مفيش إسفاف إلا حاجة واحدة بس حقولك عليها هي حركة مش كلام كنت بترفع فيها الجاكتة بطريقة محرجة، بعدها لقيت أطفال في أكثر من بيت قلدوك في هذه العملية.

ودافع فؤاد المهندس عن نفسه قائلا: الحقيقة أنا واخد هذه الحركة والمشية من الواقع مش من عندي.

وعادت شويكار تسأل: يا دكتور تفتكر إزاي الست وجوزها ومش لازم تكون فنانة إزاي يحتفظوا بحياتهم لفترة طويلة دون أن يصيبها الملل؟

  • ده سؤال مهم الحقيقة في حياتنا، وأنا هذه الأيام عرضة لسيل من هذه الأسئلة والظاهر أن حكاية الملل بين الأزواج أصبحت مشكلة قومية وده سببها بسيط جدا أننا ناس رومانسيين شوية، يعني البنت بتحب خطيبها في ظروف معينة فيتكون عندها معنى الحب على أنه المشاعر التي خلقتها نفس الظروف التي أحبت فيها خطيبها في الأول ومن هنا ينشأ الملل، فعلى كل الزوجين أن يختارا العلاقة التي تناسب كل وقت يعني تلاقي الست متجوزة وعندها عيال على وش جواز وعايزة تعيش في بحور الغرام والرومانسية كما كانت من عشر سنين مثلا.
  • ثم قال الدكتور يوسف إدريس: إيه رأيكم اسأل أنا شوية؟
  • يا فؤاد إحنا بنعتبر الريحاني كان بيمثل الموظف أو المواطن السئ الحظ الغلبان ويومها كان بيضحك الناس، تقدر تقولي إيه الشخصية اللي بتمثلها مش الشخصيات اللي أنت مثلتها في رواياتك ولكن محصلة هذه القوى؟
  • وأجاب فؤاد: الحقيقة أنا إلى هذا اليوم لم أأخذ خط محدد لشخصية معينة أمثلها إلى الأبد، يعني أنا دايما أبحث على الدور الجديد.
  • أنا أقصد يا فؤاد اسألك ليه الناس بتتعاطف معك؟، يعني الناس تعاطفت مع الريحاني لأنه بيمثل شخصية الراجل الغلبان وأنت ليه؟
  • مش عارف ليه، يمكن هذا التعاطف كان بيختلف من مسرحية لأخرى لاختلاف الدور نفسه، وتدخلت شويكار قائلة:
  • أنا بقول أن الناس تعاطفت مع فؤاد لأنه بيمثل دور المصري الصبور الشريف.

ويسأل الدكتور يوسف إدريس شويكار: وأنت على المسرح يا شويكار ألم تأت لك لحظة شعرت فيها أن فؤاد جوزك؟، وإيه موقفك في اللحظة دي بين الدور والحقيقة؟

ضحكت شويكار وبخجل قالت:

  • طبعا ما أقدرش أنسى أن فؤاد جوزي على المسرح، ففي مواقف الحب أو الغزل تحس أن يبمثل طبيعي، أما المواقف اللي مفروض فيها شد وجذب بحقيقي بضعف فيها حوالي 50%.
  • وهنا قال الدكتور يوسف إدريس وسؤال آخر مقابل هل في الحياة في البيت ألم تأت لك لحظة شعرت فيه أن فؤاد المهندس اللي أمامك الممثل مش جوزك وخصوصا في مواقف الحب؟
  • وبسرعة ردت شويكار قائلة:
  • يا خبر ده ما حصلش أبدا، ولكن يا دكتور مفيش مانع أن فؤاد مرة يكون داخل البيت وحالته كدة، أقوله الله أنت بتمثل ولا إيه.. ولكن مواقف الحب في البيت بتكون حقيقة 100% وإلا تبقى حكاية.
  • وعاد يوسف إدريس يسأل:
  • طيب يا شويكار وأنت بتمثلي على المسرح في مشهد أمام فؤاد وحدث منه انفعال جعل الجمهور يصفق ويضحك، هل تشعرين نحوه كفنانة بغيرة بعيدا عن العلاقة الزوجية؟
  • وقبل أن تجيب شويكار قال فؤاد:
  • أجاوب أنا على السؤال ده، اللي بيربطني بشويكار أكثر وأكثر أنها بتحوطني وأنا على المسرح بهالة من الرعاية بحس أنها بتدفعني إلى أن أزيد وأزيد من تصفيق وضحك الجماهير، وأنا عارف أنها كفنانة بتشعر بنوع من الغيرة، إنما شويكار طبيعتها كدة حتى في الحياة. ولكن المهم والأهم أني إذا غلطت غلطة في حقها أو في حق أحد الزملاء فهي أول من ينبهني. وأذكر أني مرة قبل مسرحية “السكرتير الفني” جمعت الممثلين وقلت لهم أنا مش عايز حد على المسرح يعمل أي حركة تلفت إليه نظر الجمهور أثناء زميله في الركن الآخر من المسرح بيقول كلام مهم لدعم المسرية فردت شويكار عليّ: أنت يا فؤاد بتقول الكلام ده وأنت أول واحد بتعمل كدة أنت فاكر أنا ونظيم شعراوي وإحنا بنتكلم في أحد أركان المسرح وأنت في الناحية التانية عمال تربط في كرفتتك وتعمل حركات حولت أنظار الجمهور لك!
  • وسأل الدكتور يوسف إدريس شويكار قائلا: طيب يا شويكار السؤال لك:
  • الحقيقة أنا سعيد بقصة حبك لفؤاد المهندس وهي قصة بتأكد قيمة الحب في الحياة، فأنت قلت أنك اقتنعت بفؤاد كفنان أولا وتطور هذا الإقتناع إلى حبك له كإنسان، فهل ضروري أن الزوجة تكون مؤمنة بزوجها كفنان وهل لها دور في حياته؟
  • طبعا لاشك أن إيمان الزوجة بزوجها سواء فنان أو غيره يدفعه إلى الأمام، وخصوصا إذا كان هذا الحب صادق ومفيش مانع أنها تنقده ولكن بطريقة لا يفقد فيها ثقته بنفسه.

وختم الدكتور يوسف إدريس حديثه معهما قائلا:

الحقيقة أن الحب أحسن نهاية ممكن تكون لأي شئ في الحياة. وأقولكم كل سنة وأنتم طيبين وربنا يزيد من حبكم.

اقرأ أيضا

وقائع معركة غير أدبية بين يوسف إدريس وأصحاب البنطلونات القصيرة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى