شبح الليلة الأخيرة في حياة نجيب محفوظ

في رواية “الليلة الأخيرة في حياة نجيب محفوظ” (دار غراب للنشر والتوزيع 2021) للشاعر والروائي أحمد فضل شبلول. يتقمص الكاتب هيئة الشبح ليدخل الأماكن التي لا يمكن دخولها سواه، حتى يقدم رؤية شاملة لصاحب نوبل.

1ـ الشبح بين الروائي والمُوثِّق

تدور أحداث الرواية في ليلة 30 أغسطس 2006، الليلة التي رحل فيها نجيب محفوظ. وتبدأ بالمؤلف الذي يظهر بشخصيته الحقيقية، وقد تحول إلى شبح، وراح يتسلل إلى الغرفة رقم 612 بمستشفى الشرطة بالعجوزة، دون أن يراه المتواجدون خارج الغرفة، أو في الصالون المجاور لها. وعندما دخل الغرفة وجد ابنتي نجيب محفوظ، أم كلثوم وفاطمة تجلسان بجوار السرير. ولم تفطنا إليه وإلى حديث الوالد معه، بسبب وجوده الشبحي الذي لم تقم الرواية بالاستفادة من إمكانياته الكبيرة. فظل الشبح مجرد وسيلة للاجتماع بالكاتب والاستماع إليه فقط، وكان بإمكانه الطواف في أماكن كثيرة ليأتي لنا بأحاديث جديدة، وأسرار كاشفة، ومفاجآت مدهشة، وغرائب مثيرة للتساؤل. لقد تم ربط الخيال في المقعد الذي جلس عليه الراوي، ففقدت الرواية فرصة التحول من وثيقة إلى نص إبداعي جديد.

لقد قام جسد الرواية على مجموعة كبيرة من أحاديث نجيب محفوظ  وحواراته الصحافية والإذاعية، ورواياته ومقالاته وما كُتِبَ عنه بأقلام آخرين. سواء أكانت كتابات نقدية أو أدبية أو فنية أو ذكريات تَحْكي ما حدث معه أثناء اللقاءات أو الجلسات الخاصة.

غطت الرواية حياة محفوظ بالكامل، واتسعت لمئات الشخصيات الواقعية مثل سعد زغلول وجمال عبدالناصر وأنور السادات وأم كلثوم وغيرهم. وكذلك الشخصيات القادمة من حكايات محفوظ مثل الجبلاوي وعرفة والسيد أحمد عبدالجواد وكمال عبدالجواد وأمينة وعيسى الدباغ وريري وسعيد مهران ورؤوف علوان وحميدة وعباس الحلو وزهرة ومريانا وعامر وجدي، وسرحان البحيري وعمر الحمزاوي وغيرهم.

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
2ـ انسحاق الروائي أمام البطل

إذا كان العمل السردي يقوم على “شهر زاد ” تحكي، و”شهريار” يسمع، والراوي هو الذي يقوم بدور “شهر زاد”. إلا أن الوضع في الرواية مختلف. حيث نجد الروائي الذي يتطابق بوضوح مع الراوي يقوم بالإنصات أغلب الوقت لما يقوله “البطل”.

الراوي هنا مجرد ناقل لحكاية أو حكايات “نجيب محفوظ”. يدون ما يُملَى عليه، وقد استدعاه البطل خصيصا ليسمع حكايته من بدايتها إلى نهايته.

الراوي الذي يعيش طول الوقت تقريبا في قناع المستمع، وهو شخصية خيالية. بينما نجيب محفوظ الذي يرتدي قناع “شهر زاد” يحكي طول الوقت وقائع موجودة في صورة رواياتٍ أو مقالات أو حوارات. وإذا كنا نشهد نوعا من التناوب في ارتداء الأقنعة، إلا أن نصيب الخيال بالنسبة للروي كان ضعيفا. وهو ما يعبر عن مظهر من مظاهر ارتفاع دور “الموثق” عن دور “المبدع”. أي أننا أمام وثيقة تحتوي على معلومات غزيرة عن نجيب محفوظ في صورة حوار مطول، أكثر من كوننا أمام رواية.

الدور الملتبس كان جديرا بأن يوسع من عالم الرواية فنيِّا وجماليا، لكن الدافع الأساسي كان مهيمنا على المؤلف. وهو تقديم سيرة محفوظ دون الاشتباك معها بنديِّة، أو دون الاستفادة القصوى من الإمكانيات التي تقدمها الأدوات الفنية التي فرضت نفسها. مثل تقنية الراوي/ الشبح، والذي انحصر دوره في مظاهر خارجية مثل مغافلة الحضور ودخوله حجرة المريض دون أن يراه أحد، أو إجراء حوار مع الأب المريض لا تسمعه أم كلثوم وفاطمة وهما في نفس الغرفة.

**

الروائي ظل لصيقا بالمستوى الخارجي، لأنه لا يحمل قلقا خاصا، ولا يعاني من أسئلة جادة تتعلق بالحياة أو الفن الروائي. مجرد شخص مكلف بمهمة محددة يقوم بها بمنتهى الجدية والأمانة. وهكذا تختفي شخصيته في ظل الشخصية الأخرى. لقد بدأ مرتديا قناع “شهر زاد” وأخذ يحكي، وسرعان ما تركه لمحفوظ الذي لم يقم بترويض الراوي فقط، بل قام بابتلاعه.

لقد انكمش دور الروائي وصار يقوم بوظائف بسيطة جدا، مثل تنظيم الحوارات، وإلقاء الأسئلة والتدخل فيها بشكل عابر للتعليق على كلام محفوظ. يقول مثلا عندما يسمع كلام محفوظ الإيجابي عن الإسكندرية (ص 15):

“الروائي: أسمع كلاما جميلا عن الإسكندرية المحبوبة التي..

محفوظ: لا تقاطعني أرجوك، لأن الوقت قصير جدا”.

التكنيك الفني الذي استخدمه الكاتب في التعليق على كلام محفوظ عن الإسكندرية جعله لقمة سائغة. لقد جاء التعليق في صورة حوار، فخضع لسطوة المحاور. ومن ثم تم قمعة رغم أهميته، لأنه يعبر عن تفاعل الداخل مع الحكاية، ويفتح الطريق أمام الروائي كي يفضي بمكوناته.

قيام البطل بابتلاع الروائي لا يعني اختفاء شخصيته تماما، بل اختفاء فعاليته الروائية. وهو يظهر في إشارات كثيرة جدا لكنها عابرة، نقرأ مثلا في صفحة 21:

الروائي: هل وصفك أحد النقاد بأن ما تكتبه أكذوبة؟

محفوظ: تريدني أن أنقد النقد، هذا لا يجوز يا أحمد.

**

هكذا تستمر الرواية في تقديم معلومات غزيرة عن محفوظ تشتمل على إجابات لأسئلة، وآراءٍ لنقاد، ومقاطع قصيرة من روايات، في ظل جهد كبير من الروائي في تنظيم تلك المادة، وإعادة صياغتها في صورة شهادات قصيرة ومكثفة تتمحور حول رواية من روايات محفوظ. أو حدث من أحداث حياته مثل فوزه بجائزة نوبل، أو محاولة قتله، أو شقة سان ستيفانو، أو موضوع السفر. وهكذا تتوالي الأحاديث حتى نصل إلى الصفحة الأخيرة في الرواية حيث يقول في حنو بالغ:

“انتهت مهمتك يا أحمد، مثلما انتهت مهمتي في الدنيا.. تستطيع العودة إلى الإسكندرية” (ص277).

هنا يعلق الروائي قائلا: “بينما أهم بالانصراف، سقطت مني دمعتان عزيزتان. رأيت نملتين تسيران على حافة السرير، تصعدان، تمرحان في جسد الأستاذ”.

يكشف ذلك التعليق عن إمكانيات عالية للتفكير الروائي. لكنها كانت مقموعة بسبب انسحاق الروائي أمام البطل. وهو ما تسبب في ضياع فرص كثيرة جدا للاشتباك الجواني مع البطل.

3ـ تداعيات آخر نملة صعدت فوق جسد نجيب محفوظ

تذكرني رواية أحمد شبلول برواية “اللص والكلاب”. فالعمل يعتمد على مادة هائلة نشرتها الجرائد والمجلات عن نجيب محفوظ إضافة إلى رواياته. وقد قام الكاتب بإعادة ترتيبها وتنظيمها وحبكها وصياغتها في صورة مقاطع أو موضوعات مختلفة. وكذلك رواية “اللص والكلاب”، التي اعتمدت أيضا على مادة هائلة نشرتها الصحف على مدار عقود طويلة وبأقلام متنوعة لم يتم حصرها في محرري الحوادث مثل مادة “اللص والكلاب”. بل شملت أكبر الصحفيين والنقاد والمفكرين. أي أنها أقل ثراء من المادة التي جمعها “شبلول” ومع ذلك نشعر بفارق بين العملين. لا يرجع إلى مهارة في اللغة، أو القدرة على الحكي لأن “شبلول” يملك تلك المهارة. إنما يرجع إلى الوعي بطبيعة عمل الروائي واختلافه عن عمل الموثق مهما كان ماهرا.

أحمد شبلول يدرك الفارق بين الروائي والموثق، بدليل وجود مقطع في روايته بعنوان “اللص والكلاب” يذكر فيه رأي فؤاد دوارة عام 1963 عن الرواية.

حيث يقول: “إذا كان هناك إجماع بين النقاد على أن أعمال محفوظ تمثل قمة ما وصلت إليه الرواية العربية، فإني أعتقد أن “اللص والكلاب” تمثل قمة جديدة غير مسبوقة في أدبنا العربي. وسواء تناولناها من ناحية المضمون الإنساني المتعدد الأبعاد بها، أو ناقشنا شكلها الفني فهي تمثل على المستويين عملا ثوريا بكل ما تحمله كلمة الثورة من معان. وهي بالنسبة لأعمال محفوظ السابقة بمنزلة التطور الحاسم، أو القفزة الهائلة نحو آفاق أرحب بكثير من الواقعية النقدية الأمينة التي استنفدت كل أغراضها ـ في نظره ـ مع انتهائه من الجزء الثالث من الثلاثية” (الرواية ص 80).

**

والحقيقة أن رواية شبلول تعود بنا ـ فنيّا ـ إلى ما قبل سنة 1963 من حيث اعتماده على الواقعية الأمينة. ربما لإيمانه بأنها لم تستنفد أغراضها، وشعوره بإمكانية قيامها بأغراض معينة مثل بسط سيرة شخصية من الشخصيات، وحشد أكبر قدر ممكن من التفاصيل الخاصة بها، بهدف تقديم صورة ناصعة لها.

وهذا ما فعله في الرواية التي بذل في الإعداد لها مجهودا كبيرا بلا شك. ونجح فعلا في منح القارئ العام فرصة لاستيعاب حياة محفوظ بشكل رشيق وجذاب. لكن ذلك لا يمنعنا من السؤال عن الفارق بين تحقيق ذلك الهدف من خلال كتاب صحفي، وتحقيقه من خلال عمل روائي له كينونته الخاصة.

لو رجعنا لما كتبه شبلول نجده يبدأ بداية ذكية جدا ـ  رغم أن الكلام لمحفوظ ـ عندما يستهل حديثه عن “اللص والكلاب” بلحظة عودة سعد زغلول من المنفى. حيث  تعاهد لصوص مصر يومها على الكف عن ارتكاب أي جريمة في ذلك اليوم، ومر اليوم بسلام رغم خلو البيوت من سكانها واكتظاظ الشوارع بالعباد. لأن حب الوطن يجمع بين المنحرف والسوي. وعندما بدأ محمود أمين سليمان في سرقة الشقق والفيلات كان الزعيم قد توفى، ويمضي شبلول على لسان محفوظ ليربط علاقة السفاح بالعمل الروائي قائلا:

كنت اقرأ عن الكثير من الحوادث والجرائم في الصحف، ولكني لم أتأثر بها، حتى قرأت حادثة محمود أمين سليمان، أحسست أن هذا الرجل يمثل فرصة تتجسد عبرها الانفعالات والأفكار التي كنت أفكر فيها دون أن أعرف طرق التعبير عنها، مثل العلاقة بين الإنسان والسلطة والمجتمع فكتبت “اللص والكلاب” (الرواية ص 73).

**

“وأحب أن أوضح أن سعيد مهران في الرواية، ليس هو نفسه محمود أمين سليمان، وإنما ترجمة فنية له، كان من الممكن أن يأخذ كاتبٌ ما حكايةَ سفاح الإسكندرية، ويجعل منها رواية مغامرات أو قضية محكمة أو رواية بوليسية ممتعة، لكن بالنسبة لي اخترتها، لأعبر عن ذاتي. الفرق بين “اللص والكلاب” وحكاية محمود أمين سليمان، هو الفرق بين الفن والواقع. وأنا أعتقد أن أي فن يفقد صلته الحقيقية بالواقع، ليس من الفن في شيء، فحتى أحلامنا الجنونية هي واقع بالنسبة لنا في حالة جنون. ولكن أحيانا يتراجع الواقع حتى يتوارى وراء الأفق”.

المقارنة بين ما نشرته الصحف حول جريمة “السفاح” وبين الرواية الأدبية، توضح تماما أن هناك عنصرا ذاتيا ينبع من داخل الأديب، وهو الذي يميز الأدب. “استلهمت حادثة نشرتها الصحف لكن الحقيقة أن تلك الحادثة لم تكن سوى المفجر الذي ساعد في إطلاق ما كان مخزونا لدي من أفكار ومشاعر تتعلق أساسا بمفهوم الخيانة، وكيف يمكن لمن يحيطون بشخص معين أن يخونوه، أي أن ذات الأديب لا يمكن تجاهلها، فهي دائما هناك.” (الرواية ص 74).

في رواية شبلول نشعر أن نجيب محفوظ هو نفسه الروائي. ولم يتم اختياره ليعبِّر عن ذات الكاتب أحمد شبلول. أي أن العنصر الذاتي الذي ينبع من داخل الأديب لم يكن حاضرا بالشكل الكافي، خاصة وأنه العنصر الذي يميز الأدب كما يقول محفوظ وشبلول في نفس الوقت، ولم تكن حياة محفوظ  مفجرا ساعد في إطلاق ما كان مخزونا لدي الكاتب من أفكار، وأسئلة ومشاعر تتعلق بقضايا معينة.

هكذا تمضي الرواية على المستوى الداخلي في سياق معارض لرؤية نجيب محفوظ، أي أن الواقعية الأمينة تحققت على مستوى البدن الخارجي، أما على المستوى الداخلي العميق فقد كانت بعيدة عن روح محفوظ، وقريبة من أرواح الصحفيين الذين حاوروه.

اقرأ أيضا

مرآة عبده جبير: نرسيس في مواعيد الذهاب إلى آخر الزمان

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى