«سيرة القاهرة».. مبادرة لتنظيف تراث العاصمة

«سيرة القاهرة» حملة شعبية أطلقها مجموعة من الشباب المهتم بالآثار والتراث المصري لتنظيف الأماكن التراثية القديمة بالقاهرة وإحيائها مرة أخرى، حيث كانت البداية من تنظيف «قبة الحصواتي» بمنطقة السيدة عائشة، والتي نجح الشباب في تنظيفها من المخلفات والأتربة والعوالق التي كادت تمحي ملامح الأثر الفاطمي الذي يلقب بـ«المحراب البديع»، وترجع إلى عام 1150م، كما تذكر بعض المراجع أن القبة تعد مدفنا للسيدة زينب الهاشمية بنت الشريف الهاشم، ويعود النسب إلى الفرع الحسيني.

كيف كانت البداية؟

يروي زيزو عبده، أحد الشباب المشاركين لـ«باب مصر» تفاصيل هذه المبادرة بعد نجاح أولى تجاربها، التي لن تكون الأخيرة، في نظافة الأثر التاريخي، ويقتصر دورهم في نظافة المكان فقط دون التطرق إلى الترميم “بيحتاج ناس متخصصة” على حد وصفه، حيث ينوي شباب القاهرة تكرار المبادرة  مرة تلو الأخرى حتى يتم تنظيف جميع المناطق التراثية بالقاهرة.

بدأت المبادرة بجروب على موقع التواصل الاجتماعي “واتس آب”، لمجموعة من المهتمين بالتراث وآثار القاهرة، حيث اهتم الشباب بعمل جولات داخل المناطق التراثية بالمحافظة وكتبوا عنها ومن خلال هذه المعرفة والمعلومات التي تم جمعها، رصد الشباب الأماكن المهملة واتفقوا على تنظيفها بجانب القيام بدور التوعية في ملف المشاركة المجتمعية لتنظيف الأثر بتصريح رسمي من المنطقة.

ردود الفعل كانت إيجابية، الأمر الذي دفع القائمين على المبادرة إلى جمع أكبر عدد من المتطوعين وهو ما نجح فيه الشباب بعد كم رسائل التأييد والترحاب الذي شهده جروب المبادرة، بهدف مساعدة الآثار المهملة في دروب القاهرة كالجمالية، والدرب الأحمر، والقلعة، والمحجر، والسيدة، والقاهرة القديمة، وغيرها من المناطق والآثار المدفونة تحت الغبار.

اتخذت المبادرة «سيرة القاهرة» عنوانا لها، وهو اسم كتاب للكاتب المستشرق ستانلي لين بول، يسرد فيه آثار القاهرة كلها، وكانت أولى تجارب المبادرة هي تنظيف «قبة الحصواتي» بعدما قام زيزو بتصويرها وهي محاطة بالقمامة والمخلفات ليتفق الشباب على النزول يوم السبت 26 سبتمبر لتنظيفها وهو ما تم بالفعل.

سيرة القاهرة

رافق زيزو في تأسيس المبادرة العديد من الشباب القاهري المهتم بالآثار ومنهم، الدكتور مصطفى الصادق، دكتور نساء وتوليد مهتم بالتراث والآثار المصرية، عمر النعماني موثق فوتوغرافي لآثار القاهرة، حسام عبدالعظيم باحث ماجستير في التاريخ المصري القديم ومهتم بالتراث، المهندس صلاح أبو الليل، مهندس مدني لكن مهتم بالتراث، المهندس صلاح محمد صلاح، ومحمود مرزوق، باحث في الفنون والآثار الإسلامية وغيرهم. حيث بدأت المبادرة بمشاركة 8 أفراد.

اختلفوا في الأسماء والأعمار والمؤهلات لكنهم اتفقوا في الهدف، ومنهم زيزو الحاصل على ليسانس آداب قسم التاريخ جامعة القاهرة. وكان في بادئ أيام الكلية ناشطا في جمعية الوعي الأثري، أما الآن –كغيره من شباب المبادرة-أصبح شديد الاهتمام بالتراث المصري وآثار القاهرة بالتحديد، والتي تبلغ من العمر 1050 سنة وتحتوي على عدد كبير من التراث والأساطير، كما كانت هوايته المفضلة هو ومن معه من الشباب، السير في دروب القاهرة للبحث عن الأماكن التراثية للكتابة عنها ونشر مقالات خاصة بها.

كيف كان التنفيذ؟

تواصل الشباب بشكل مستمر عبر «السوشيال ميديا»، التي كانت سببا في معرفتهم ببعضهم كما ساعدتهم على تنفيذ هدفهم المشترك، حيث كان الاهتمام بالآثار والتراث المصري شرطا أساسيا للانضمام إلى المبادرة، الأمر الذي سهل كثير من مهمة الحصول على تراخيص من وزارة الآثار أو الأوقاف –إذا كان الأثر تابعا للأخيرة- لدخول الأماكن التراثية وتنظيفها، حيث صدر أول ترخيص في مدة قياسية خلال 24 ساعة فقط بسبب الوجوه المعروفة في مجال التراث والآثار بالمبادرة والتي كانت محلا للثقة.

وخلال التنفيذ الذي استغرق ساعات النهار كاملة، بزغ دور وزارة الآثار والتي بدورها حرصت على تقديم المساعدة ويقول زيزو لـ«باب مصر» إنه تواجد معهم منتدب من الوزارة للإشراف، وكذلك بعد جمع القمامة والمخلفات في أكياس مخصصة قامت الوزارة بنقلها في عربات مخصصة.

هذا بجانب المشاركة المجتمعية التي سهلت أيضا في عملية التنظيف، حيث ساعد المتطوعون الشباب في نقل المخلفات بعد جمعها، لكن ذلك لم يكن كافيا لـ”زيزو”، الذي طالب بضرورة توسيع دائرة التطوع والمشاركة المجتمعية بجانب المزيد من التسهيلات في التراخيص، والمتابعة اللاحقة للأثر بعد تنظيفه من خلال الصيانة والترميم من قبل الجهات المسؤولة والمتخصصين، وأخيرا التوعية بأهمية الأثر وغيره من الآثار المصرية.

ماذا بعد قبة الحصواني؟

بعد نجاح أولى تجارب المبادرة، يسعى الشباب حاليا إلى توسيع «سيرة القاهرة» لتصل إلى نطاق أبعد وتجذب المزيد من المتطوعين، لذلك اتفق الشباب على طبع كل تجربة أو نموذج من نماذج المبادرة، تُجمع فيه الصور القديمة والحديثة للأثر ودوره وأهميته حتى يصبح مرجعا كاملا عن الأثر يشمل كافة المعلومات والتفاصيل الخاصة به.

لتحقيق هذا الهدف لجأ شباب المبادرة إلى أستاذة وقامات أكبر منهم في هذا المجال ومنهم دكتور محمد أبو العمائم، من أهم المهندسين الأثريين في مصر، وأستاذ أبوالعلا خليل، باحث في الآثار الإسلامية، وغيرهما من المشاركين، التي تحاول المبادرة الاستفادة من خبراتهم وتجاربهم في الاهتمام بالتوثيق الآثري وإحياء التراث، بجانب توسيع حملات التنظيف والعناية بالآثار خلال الفترة المقبلة.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى