«سياحة المقابر»: كيف استفادت بلاد من تحويل جبانات الموتى إلى مزارات؟

ربما لا تكون زيارة مقبرة هو الاختيار المفضل لدى الكثير من الناس عند البحث عن وجهة سياحية، نظرا لمُعاملة هذا المكان باعتباره غير ترفيهي. لكن مع تغير الزمن، أصبحت سياحة المقابر شائعة في العديد من البلاد حول العالم واستفادت منها في تحسن الوضع الاقتصادي.

سياحة المقابر

لا تقتصر أهمية المقبرة على ضم رفات شخص فقط. إذ تعد جسرا بين الحاضر والماضي، الأحياء والأموات، وكذلك زيارتها لم تعد للبكاء أو الوداع فقط، بل أصبحت مكانا لقضاء المزيد من الوقت في التأمل والتفكير. انتبه العديد من البلاد حول العالم إلى أهمية تطوير المقابر حتى أصبحت نوعا من أنواع السياحة العالمية.

يجد الزائر في منطقة المقابر مطلبه. إذ يذهب السياح إليها في جميع أنحاء العالم لأغراض مختلفة مثل التفكير في حياتهم. البحث عن قبور المشاهير، دراسة الأنساب، أو بسبب حب الآثار والمباني الحجرية القديمة.

بحسب موقع “ديستنيشن” فإن سياحة المقابر فرصة مناسبة لمحبي الأماكن الهادئة. واهتمت العديد من البلاد بالمقابر التاريخية حتى تصبح واجهة للبلد، لكن أربعة من أبرز التجارب وأكثرها شهرة هي مقابر فرنسا والمملكة المتحدة والهند وهولندا.

مقابر بريطانيا محمية طبيعية

رغم قصر تاريخها الذي لا يتجاوز 183 عاما، إلا أن بريطانيا أولت أهمية خاصة لمقابر «هاي جيت highgate» في شمال لندن، والتي تحولت من مقابر عامة إلى محمية طبيعية تجد فيها الحيوانات والبشر، الهدوء وفرصة تأمل عودة البشر إلى الطبيعة.

تضم مقبرة «هاي جيت» 53 ألف مقبرة، ورفات أكثر من 170 ألف شخص. ورغم هذا العدد الكبير من الموتى إلا أنه يتم تصنيفها باعتبارها حديقة ومتنزه تاريخي. سبق عملية الاهتمام بالمقابر عمليات هدم مستمرة للمباني التاريخية.

يشرح الدكتور زياد مرسي، الأستاذ الزائر بجامعة الإسكندرية، كواليس هذه المرحلة في بريطانيا ومقارنتها بمصر. وأوضح في تصريحات سابقة لـ«باب مصر» أن بريطانيا شهدت خلال ستينات القرن الماضي خطوة لهدم وإزالة كل ما هو قديم. لكن بعد سنوات ثار المجتمع وطالب بضرورة تصحيح الموقف والحفاظ على التراث والتاريخ البريطاني.

وتلخصت المطالب بتصحيح الوضع والحفاظ على الشكل المعماري القديم في بريطانيا. ويوضح: “رضخت الحكومة لمطالب الشعب وبدأت خطة جديدة للتطوير مع الحفاظ على التراث القديم”.

ومن هنا انطلقت بريطانيا في خطتها لتقديم العمارة الحديثة مع الحفاظ على التاريخ القديم في مدينة واحدة، دون المفاضلة بين تاريخ عصر على حساب عصر آخر.

إصلاح خطة الدفن

وبالمقارنة مع الدول الأوروبية الأخرى، غالبًا ما يوصف إصلاح الدفن في إنجلترا في القرن التاسع عشر  بأنه قصة من الاختلافات والفشل. لم يكن لدى إنجلترا تشريع مركزي يفرض إنشاء مقابر صحية جديدة، على العكس، شجعت اللوائح المتساهلة على إنشاء مقابر جديدة، بالاعتماد إلى حد كبير على المبادرات المحلية.

وبحسب الوثائق الأرشيفية من المجلس العام للصحة، ومحاضر المجالس الجنائزية المحلية. طور الأشخاص والمنظمات فهمًا أدق للمخاطر الصحية التي عاشتها بريطانيا بسبب العبث بالمقابر ورفات الموتى. بمساعدة المجتمعات المحلية تم العمل على تطوير شبكة وطنية للمقابر، لتصبح واحدة من رموز المملكة المتحدة.

مقبرة ليون بيكلارد في بير لاشيز الفرنسية
أشهر مقبرة في العالم

بالانتقال من بريطانيا إلى فرنسا، حازت مقبرة “بير لاشيز – pere lachaise” على لقب أكبر مقبرة في باريس، بمساحة تقدر بحوالي 110 أفدنة. لكن المميز بها ليس المساحة الكبيرة أو عدد الموتى لكن تصنيفها أكثر المقابر زيارة في العالم.

هل كان الأمر مقصودا، أم أنها احتلت مكانة سياحية بدلا من أخرى جنائزية بالصدفة؟

في البداية، دُفن في المقابر التي يرجع تاريخها إلى عام 1804، كم كبير من الشخصيات المعروفة ورموز الفن والأدب والثقافة الفرنسي. لكن هل دفن شخصيات مثل أوسكار وايلد، تييري فورتينو، جي آر دي تاتا، ميشيل ناي، فريديريك شوبان، إميل فالدتيوفيل، مارسيل مارسو، مارسيل بروست، جورج ميلييس، سارة بيرنهاردت، جيم موريسون وغيرهم، سببا كافيا لتصبح مكانا سياحيا!

تعددت المقابر في فرنسا، لكن السر في شهرة مقابر “بير لاشيز” يرجع إلى المعماري والنحات الفرنسي “ألكسندر تيودر برونجنيارت”. الذي أولى إليه المسؤولون الفرنسيون مهمة تصميم منطقة مقابر جديدة.

استلهم تصميم المقبرة من الحدائق ذات الطراز الإنجليزي. ورغم أنها بدت كأنها متنزه ولم تضم إلا 13 مقبرة فقط، لكن في مطلع القرن التاسع عشر لم تحظى باهتمام كبير لبعدها عن السكان. بمرور الأعوام تضاعف عدد المدفونين بها، لتضم 33 ألف قبر بعد 26 عاما فقط من افتتاحها.

التنوع الثقافي بها وجمع كل الأطياف والأديان في مكان واحد كان واحدا من أسباب توافد الجميع عليها. خاصة بحلول عام 1856 حين ضمت جزءا من المدافن على الطريقة الإسلامية ومسجد. وتسجيل كل الآثار الإسلامية التي تركها أصحابها مع المدافن. وبعدها بعشرين عاما ضمت جزءا غير مستخدم ليصبح مدافن لأصحاب الديانة اليهودية.

مقبرة باريس ملتقى ثقافي

للنحاتين الفرنسيين النصيب الأكبر في تحول مدافن “بير لاشيز” إلى مكان ثقافي. إذ حرص العديد منهم على تصميم تماثيل دقيقة تكاد تضاهي ملامح الشخص الحقيقية ووضعها بجوار الأضرحة.

وتضم العديد من الآثار والأنصبة التذكارية التي خلدت بهم فرنسا أرواح شباب ورجال مجهولين دفعوا حياتهم لرخاء واستقلال فرنسا. ووفقا لدراسة فرنسية، رأي النقاد أن أهمية مقابر فرنسا لا تتلخص في رفات المشاهير فقط، ولكن أيضا بتخليد ذكرى كل شخص مات في الحرب. سواء دُفن بشكل فردي أو صناديق عظام جمعية.

يتجول السائح بين مقابر “بير لاشيز” وكأنه يقرأ التارخ من كتاب مفتوح. إذ نجح المسؤولون في تخصيصها لتصبح شاهدة على تاريخ الوطن. جنود ماتوا خلال الحرب العالمية الأولى. وآخرين ماتوا خلال الحرب العالمية الثانية. ورفات مجهول لضحايا معسكرات الاعتقال والإبادة. وأضرحة لضحايا قمع انتفاضة الطبقة العاملة في باريس وغيرها من التماثيل لرموز الثقافة والأدب.

هل تستحق مقابر “بير لاشيز” الزيارة

تعد “بير لاشيز” المقبرة الأكثر زيارة في العالم بإجمالي 3.5 مليون زائر سنويا. وتضم عدد من المقابر المزخرفة، بالإضافة إلى أنها محطة شهيرة على مسار باريس السياحي.

وأكثر المقابر زيارة، مقبرة أوسكار وايلد، وجيمس موريسون، وفريديريك شوبان. لكن بينما يسير الزائر يرى كل قبر يروي قصة مختلفة، من الألواح، والمقابر العائلية، والألواح الحجرية، وبعضها غارق مُهمل، لتمثل التنوع العرقي في باريس.

مقابر مشاهير هوليوود

انتقلت التجربة من حدود فرنسا وبريطانيا، لتصل إلى الولايات المتحدة. في عام 1899 تم تخصيص مكانا ليعد مدفن فنانين هوليوود، وأطلق عليه “هوليوود فوريفر سيميتري”.

لكن تم تصميم المكان بشكل متخصص للفنانين فقط. وضم رفات أشهر فنانين هوليوود، وأساطير عصر السينما الأمريكية الذهبي، لتستفيد الولايات المتحدة منهم في الحياة والموت.

ودُفن بها جودي جارلاند وسيسيل بي ديميل ورودولف فالنتينو ودوغلاس فيربانكس ودوجلاس فيربانكس جونيور ؛ موسيقيون مثل كريس كورنيل، سكوت ويلاند، دي دي وجوني رامون؛ ومئات آخريين.

كيف أعادت المقابر تشكيل أمريكا

في القرن التاسع عشر، سعى الأمريكيون إلى طريقة عاطفية أكثر لتكريم الموتى وتقليل الآثار الصحية للدفن، كانت النتيجة غير المقصودة زيادة المساحات الخضراء داخل المقابر.  لم تكن النتيجة موقعًا مثاليا للمتوفى فقط. بل أدى دمج المقابر مع المساحات الخضراء إلى تحويلها إلى موقعا ترفيهيًا لسكان بوسطن والسياح.

وبحلول عام 1848، جاء ما يصل إلى 60 ألف زائر سنويًا للتجول في أراضي جبل أوبورن، والاستمتاع بالآثار والنصب التذكارية والتماثيل والمناظر الطبيعية.

مع تحول الناس بشكل متزايد إلى المقابر الريفية. بدأ مخططو المدن ومهندسو المناظر الطبيعية في تصميم الحدائق الحضرية باعتبارها وسيلة سهلة للهروب من صخب الحياة في المدينة.

وكتب مصمم المناظر الطبيعية أندرو جاكسون داونينج: “في غياب الحدائق العامة، كانت المقابر الريفية توفر مكانها إلى حد ما. لكن ألا تثبت هذه المصلحة العامة، التي تتجلى في هذه المقابر، أن الحدائق العامة التي أقيمت بطريقة ليبرالية ومناسبة بالقرب من مدننا الكبيرة ستكون ناجحة بنفس القدر؟”.

خريطة مواقع فيلات ومتنزه ومدافن ليوبلين بالولايات المتحدة
خريطة مواقع فيلات ومتنزه ومدافن ليوبلين بالولايات المتحدة
مقبرة لوس أنجلوس

مجاورة الأحياء للأموات أمر مالوف في لوس أنجلوس، التي يوجد بها أقدم مقبرة في المدينة والتي تأسست عام 1877.

وتم تصميم المقبرة بطريقة غريبة وهي مقابر تقع في حديقة تبلغ مساحته 67 فدانا. وتقع في “بويل هايتس”. ودفن بها العديد من مشاهير المدينة، مثل بريدجيت، وجون ستروثر جريفين، وإسحاق نيوتن فان نويس، وجوثام بيكسبي، وجورج ألبرت رالفس، والعديد من رؤساء البلديات السابقين في المدينة.

 المقابر الهندية والوضع الاقتصادي

في العام 150 لتمرد الهند، اتخذت وزارة السياحة الهندية مسحا للمقابر في عدة ولايات، للتوصل إلى خطة عمل لتطوير سياحة المقابر. تاريخ الهند وشخصياتها الملهمة للكثير من الباحثين. كان سببا في بدء التفات الهند لأهمية تخليدها، لمساعدة السياح على تتبع الأنساب ودراسة الشخصيات التاريخية.

استفادت الهند من هذه الخطة بشكل غير متوقع. ووفقا لموقع “إيكونوميك تايمز” ارتفع معدل السياحة بنسبة 20% منذ وضع المقابر على الخريطة السياحية.

قد يعتقد البعض أن الموت والجمال غير متوافقين، لكن مقابر ضربت مثالا جيدا على تأكيد النظرية. ومن بينها مقبرة كلكتا بهوانيبور، مقبرة تايجر هيل، كونور، المقبرة الهولندية والأرمنية، سورات، ومقبرة الروم الكاثوليك في أغرا.

مقابر هندية
مقابر هندية
سياحة هولندا المظلمة

تحمل سياحة المقابر في هولندا اسم آخر، وهي “السياحة المظلمة”. برغم الإقبال الشديد عليها إلا أن السكان يرفضون تحويلها إلى أماكن ترفيهية، بل وينتقدون ملتقطي الصور بها.

وبحسب موقع “دويتش نيوز” ترتبط هذه السياحة بزيارة المقابر، وزنزانة أمستردام، والمواقع التذكاري مثل “كامب ويستيربورك” الشاهد على احتجاز النازيون لليهود والغجر خلال الأربعينات قبل ترحيلهم للقتل في ألمانيا وبولندا.

اقرا أيضا

جبانات مصر التاريخية هي «مزار الخالدين»

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى