سمير سعدي السايح: شعر العامية وحقول قصب السكر

عرفتُ الشاعر سمير سعدي لأول مرة، في بداية التسعينيات. وعندما قرأ عددا من نصوصه، بدت لي شبيهة بزراعات قصب السكر. يمكن أن تدخلها بسهولة، لكنك لن تتمكن من التجول فيها بسهولة.  زراعات قصب السكر  عالم غريب، غابة من السيقان الرفيعة، والأوراق الحادة الجارحة. يمكن أن تكون ملاذا، ويمكن أن تنقلب إلى متاهة لا تعرف كيف تخرج منها إن لم تكن على دراية بمخارجها، وكثيرا ما تكون مليئة بالفخاخ، حيث يقصدها اللصوص، والخارجون عن القانون.

**

استمعت إلى قصائده وشعرت بحلاوتها، لكنها الحلاوة المتناثرة في نسيج معقد. الحلاوة التي تطربك وفي نفس الوقت تقلقك وتزعجك. لأنها تأوي كيانا يشبه المطاريد الذين يجمعون بين الألفة والغربة في نفس الوقت، كيانا شعريا يجمع بين الشعر الموزون المقفى، والشعر المُنْتَهَك عروضيا حد العداء مع الخليل وبحوره.

في شعر سمير سعدي حلاوة قصب السكر وفيه متاهةٌ وفخاخ وعالمٌ غريب من السيقان الرفيعة المتشابكة. عالم لم نألفه في قصيدة العامية المصرية كما تجلت في نماذجها الراسخة بداية من النصوص التراثية المتنوعة، مرورا بنصوص بيرم التونسي وفؤاد حداد وصلاح جاهين، والأبنودي.

**

ظهرت المتاهة في اللغة المجازية الغامضة، والأساليب غير المعتادة التي تقفز فيها الجمل يمينا ويسارا ولا تمضي في خط مستقيم، وغيرها من الخصائص التي تعبر عن نزعة تجريبية غريبة على شعر العامية.

يقول سمير سعدي مثلا:

ماعرفش ليه/ كل ما أبدأ في الدخول/ بيهزنى صوت المسيح/ ماعرفش ليه/ الريح معاند رغم إني في اتجاه الصح/ البكا مرغوب/  يخفف طعم لون الحزن/ آخر متاريسك ورق/ شهادة مكتوبة بدمك/ ف الحيطان  مكسوفة ماعادت بترمى الضل/ الحيطان  مكسوفة ماعادت بتستر  حد/ الحل كامن ف السما/  تفرض خيوط من شمسها/  يمكن تشغل ف الفراغ شىء م الحضور !!

تظهر غرابة القصيدة هنا، بداية من شكل الكتابة الذي يحيلك إلى الكتابة النثرية العادية. ويظهر المألوف مع الغريب عندما يستدعي الصورة التراثية للشاعر الذي يبدأ دائما بالصلاة على النبي من خلال صيغ كثيرة مثل: “أول ما نبدي القول نصلِّي ع النبي الزين”.

سمير سعدي يبدأ كما يبدأ الشاعر الشعبي لكنه يبتعد عنه في أمرين. الأول هو اختيار الصيغة الفصيحة لفعل البدء، فالشاعر الشعبي يقول (نبدي) وشاعرنا يقول (نبدأ) الفصيحة، وهو ما يمكن اعتباره مظهرا من مظاهر الندية التي بات يشعر بها شاعر العامية وهو ينظر لشاعر الفصحى.

الأمر الآخر هو استدعاء المسيح -عليه السلام- بشكل غامض، ونحن مع الشاعر الشعبي نعرف سبب استدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في البدء، كنوع من المديح، لكننا مع سمير سعدي لا نعرف سببا كهذا السبب النمطي المتكرر، لأن الشاعر يقدم رمزا يتسع لتأويلات كثيرة حسب السياق، و يدخلنا سريعا في الهزة التي يُحْدثها صوت المسيح، وهي تجربة مثيرة لأنها لا تخاطب شيئا مألوفا ومستقرا، بل تجعلنا نفكر في سبب اختيار صوت المسيح هنا، وطبيعته، وعلاقته بالجملة السابقة والجملة اللاحقة.

**

تتوالى مناسبات التوقف من أجل التفكير بشكل متلاحق. فنحن لا نعرف هل تتعلق جملة (ما اعرفش ليه) بالجملة السابقة أم اللاحقة، أو الفرق بين طعم الحزن وطعم لون الحزن، أو سر الحوائط التي تستر ولا تنتج الظلال، إلى آخر المناسبات التي نجد أنفسنا مضطرين للتوقف عندها، والتي تتعقد أكثر وأكثر كلما انتقلنا من مقطع إلى آخر، حيث يجب علينا استيعاب كل مقطع في ضوء القصيدة ككل، وهكذا تتحول القصيدة إلى متاهة تشبه متاهة زراعات القصب.

التفكير ونحن نتلقى شعر العامية ينقلنا من الحالة الشفاهية المعتادة إلى حالة كتابية. فلو أخذنا نفكر في جملة معينة بينما الشاعر يلقي قصيدته، سوف يفوتنا الكثير، لأن سرعة الإلقاء أشد من سرعة التفكير والتأمل. فالشاعر يقول كلاما متواصلا ونحن نقف عند جملة سابقة، وهكذا نفضِّل ترك الجملة دون أن نستوعبها جيدا كي نتابع باقي القصيدة، وهو ما يربكنا ويشعرنا بوجود فراغات ثقيلة، لهذا يصبح الأفضل هو قراءة القصيدة مكتوبة، بحيث نتوقف عندما نريد ونستمر في القراءة عندما نريد.

في ارتباط شعر العامية بالعين التي تقرأ تحولا كبيرا. لأن المعتاد هو تلقي شعر العامية عبر الأذن، لأنه بخلاف شعر الفصحى مثلا، لا ندرسه في المراحل التعليمية، بل نسمعه ولو في شكل أغنيات تراثية أو حديثة تنهمر من الإذاعة والتليفزيون. وهذا التحول يحمل تحديات كثيرة، لها طابع تجريبي نجد قلة من المثقفين تقبله بحفاوة، وأكثرية يصدمها وتراه ثقيلا غامضا.

**

ولد سمير سعدي السايح سنة 1963، في قنا، لكنه لم يستقر فيها، حيث ذهب إلى القاهرة للدراسة، وعرف الحياة بين مثقفي وسط البلد. ثم عاد إلى قنا واستقر بها فترة، وسافر سنة 1993 إلى قطر للعمل كمحرر ثقافي، ثم عاد ليعمل مديرا للتسويق في إحدى دور النشر، وظلت حياته في مراوحة دائما بين القاهرة وأهله في مدينة قنا وقرية القناوية.

قصيدة سمير سعدي وهي تشبه زراعات القصب لا تنتمي إلى الجنوب الذي ولد الشاعر واشتد عوده فيه. بقدر ما تنتمي للمدينة التي تفاعل معها، والوسط الشعري الذي اندمج فيها، والذي كان يشهد صعود نجم تجربة شعراء السبعينيات في شعر الفصحى، وتجارب عدد من أنداده في الثمانيات الذين راحوا يتجاهلون مفهوم شعر العامية كشعر بسيط يخاطب الجماهير العريضة، ويكرسون له باعتباره شعرا بالمعنى الكامل للكلمة، يصلح حقلا للتجريب ويتطلب هو الآخر متذوقا خبيرا.

قدم سمير سعدي عدة مجموعات شعرية جعلت منه صوتا مميزا في تجربة جيله، وهي (مجرد عتاب)، (هي دي)، (ترتيله بكا)، (كلاكيت آخر مرة)، (فوتوغرافيا)، (كتاب الأغاني). والكتاب الأخير يحتوي على خمسين أغنية، بعضها تم تلحينه، وتغنى به عدد من المطربين في مصر والعالم العربي.

مراجعة تلك الأعمال تكشف عن تحولات واضحة في تجربة الشاعر، لقد غادر زراعات القصب كما رأيناها في ديوانه (ترتيلة بكا)، وانتقل إلى زراعات أخرى كثيرة. وكتب بالتالي كتابات تشبه تلك الزراعات المختلفة، لكن تجربته لم تُقرأ جيدا، شأنها شأن تجارب كثيرة تستحق الاهتمام، ولا تجد غير الصمت أو التجاهل.

**

تجربة سمير سعدي من التجارب التي ظُلِمت نقديا، وقد لعبت دورا ـ مع تجارب جيله ـ في ضخ دماء جديدة في شعر العامية، وفتح أفاق غير مسبوقة أمامه، على المستوى الجمالي والمستوى الفكري، وهي تحتاج إلى وقفة، من أجل وضعها في المكانة التي تستحقها، ومناقشة الأسئلة الفنية التي تثيرها.

غياب الوقفات النقدية الجادة، يعود بالضرر الكبير على الحركة الشعرية والثقافية بشكل عام. ويحولها إلى متاهة من العيدان المُرَّة، والعامرة بالخارجين على الأعراف الثقافية الراقية، حيث تُظلم تجارب جادة. وتنتصر تجارب ضعيفة بفضل عضلات أصحابها وقدراتهم على الصياح وإحداث الضجيج ونسج العلاقات الشخصية الفعَّالة.

اقرأ أيضا:

رمضان عبدالعليم: ضحية النيل والفرات والأمسيات الشعرية

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى